تحريك لليسارإيقافتحريك لليمين
نافذة من السماء، العدد السادس والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد الثاني والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد السادس والتسعون
نافذة من السماء، العدد الخامس والعشرون
مجلة هدى القرآن العدد الواحد والعشرون
مجلة أريج القرآن، العدد الخامس والتسعون
مجلة هدى القرآن العدد التاسع عشر
مجلة أريج القرآن، العدد الواحد والتسعون
مجلة أريج القرآن، العدد التسعون
 
التصنيفات » مجلة هدى القرآن » هدى - العام 1436 هـ
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة
مجلة هدى القرآن العدد السادس عشر

العدد السادس عشر ـ السنة السادسة

العدد السادس عشر ـ السنة السادسة ـ لشهر رمضان إلى ذي الحجة 1436هـ، حزيران 2015 م
مجلة داخلية تصدر عن جمعية القرآن الكريم، تُعنى بالثقافة القرآنية

 

- الافتتاحية: دور القرآن في حياة الإنسان.

- القرآن والقادة: التوصية بالأنس بالقرآن في الأزمنة والأمكنة المقدّسة.

- الأنس بالقرآن واللذة بتلاوته.

- تَجَهَّزُوا فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ.

- التفسير والبيان: أقرب إليكم من حبل الوريد.

- مفردات قرآنية: سُورَة الحِجر مكيّة وَعَدَدُ آياتِها تسع وتسعون آيَة.

- الأمثال في القرآن: قلوب قاسية كالحجارة.

- مناهج التفسير: التفسير الإشاري بين القبول والرفض.

- علوم قرآنيَّة: حصر القراءات.

- استفتاءات قرآنية: لسماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظلُّه)

- قصص قرآنيَّة: قصة فتح مكّة والعفو والرحمة المحمّديّة.

- القرآن في نهج البلاغة: اَلْقُرْآنُ دَوَاءُ دَائِكُمْ.

- الأخلاق في القرآن: شمولية التوبة لجميع الذّنوب.

- عوامل الانتصار في الجهاد.

- المرأة في القرآن: حقوق المرأة العامة في القرآن.

- العقيدة في القرآن: النبوة في القرآن الكريم.

- حوارات قرآنية: مع غدير سعيد جميل حافظة لكامل القرآن الكريم .

- أشهر القرّاء المبدعين: القارىء الشيخ عبد العزيز علي فرج (من جمهورية مصر العربيَّة) .

- مقابلة العدد: مع القارئ سامي عنتر مسلم (من جمهورية مصر العربية) .

- حفظ القرآن: حفظ القرآن على ظهر قلب ولو كان بمشقة للبعض.

- تجويد القرآن: كيفية الوقف على أواخر الكلمات وأنواعه.

- كلام أهل البيت (عليهم السلام) في القرآن .

- نباتات ذكرت في القرآن.

- حيوانات ذكرت في القرآن .

- أنشطة الجمعية .

- مسابقة العدد .

 

    كلمة العدد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾
صدق الله العلي العظيم



هذا الشهر ـ إنما اختير شهراً للصوم ـ لأنه يمتاز عن بقية الشهور. والقرآن الكريم بيّن مزية هذا الشهر في الآية الكريمة بأنه ﴿ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ أي القرآن الذي يفصل الصالح عن الطالح ويضمن سعادة البشرية وهو كلام الله وحديثه وخطابه ووحيه، وهو كتاب الله الأعظم، ومعجزة الإسلام، والآية الكبرى التي تنزلت على قلب سيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي تتلونه فيمساجدكم ومحاريبكم يهتف بالولاية والإمامة، آياته وتفسيرها وسيلة للوعظ والإرشاد وكفى بها واعظ ومن لم تنفعة آيات الذكر لن ينتفع بشيء. وهو هدى للعالمين وزينة للقلوب بمنزلة الروح للأبدان حيث يحييها حياة أبدية،وهو يرفع الرسل والأنبياء مكانا عَلِيًّا ويُثْنِى عليهم أجزل الثناء ويرى فيهم نموذجا فذاً، لاشك فيه ولا مرية ولا اشتباه، أنزله الله على نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدينا، ليس باكثر منذلك، ومبلغ سوره مئة وأربع عشرة سورة، وهو نفس القرآن الذي نزل على الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعرفه أمير المؤمنين وسائر الأئمّة والصحابة والمسلمون أجمعون، وقد ورّثه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لأوصيائه، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قرأه حجب عن عدوه من الجن والإنس، هذا الكتاب المقدّس نزل في شهر الله شهر الرحمة والبركة كحال ما سبقه من الرسالات السماوية. وفي الروايات الإِسلامية أن كل الكتب السماوية: «التوراة» و«الإِنجيل» و«الزبور» و«الصحف» و«القرآن» نزلت في هذا الشهر. من هنا نفهم إذن أنه شهر تربية وتعليم، لأن التربية غير ممكنة دون تعليم صحيح، ومنهج الصوم التربوي يجب أن يكون مرافقاً لوعي عميق منطلق من تعاليم السماء لتطهير الإِنسان من كل إثم، اللهمّ أعنّا على صيامه وتقبّله منا وسلّمنا فيه إنك على كلّ شيء قدير.
 

جمعية القرآن الكريم
للتوجيه والإرشاد

 

    الافتتاحية




اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالِميْنَ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ
عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّد وآلِهِ الطَّيِبيْنَ الطّاهِرِيْنَ.

يقول تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ﴾ (1) .
نحن على أبواب شهر رمضان المبارك شهر الرحمة والغفران الذي أنزل فيه القرآن وفي ليلة القدر المباركة جملة واحدة إلى البيت المعمور, ثم نزل من البيت المعمور في مدة ثلاث وعشرين سنة عبر الوحي على نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم), وإن الله عزَّ وجل أعطاه العلم به جملة, وحكمة الصوم في هذا الشهر المعظم والعبادة فيه والتعظيم له هو نزول هذا القرآن فيه.
إذا أردنا أن نوضح فضل كلام الله بالقران الكريم نقول: إنّ كل شيء يأخذ قيمته بمقدار ارتباطه بالله سبحانه وتعالى، فكلما ازداد الإرتباط ازدادت القيمة، وهكذا الكلام، فما دام الارتباط وصل إلى مستوى أنه كلام الله فكل كلام دونه وكل فضل له: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾ . وقد وصف الله تعالى القران بأوصاف عديدة منها: إنه هدى ورحمة قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ . وإنه نور قال سبحانه: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً ﴾ . وإنه ذكر قال عزَّ وجل: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ .
وإنه موعظة قال جلَّ وعلا ﴿ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ﴾ . وإنه حكمة قال عزَّ شأنه: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾ . وإنه إنذار قال تبارك وتعالى: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ ﴾ . وإنه بشرى قال سبحانه: ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ﴾ . وإنه مبارك قال عزَّ وجل: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ .
ولعله إلى معنى البركة هذه أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصفه: «وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ اَلْعُلَمَاءُ».

وإذا أردنا أن نوضح دور القرآن في حياة الإنسان المسلم نقول: إن كل هذه الصفات التي تقَدَّمت للقران الكريم ليست مجرد أوسمة توضع على الصدر للتشريف وإنما هي كلام من علام الغيوب، يريد من خلاله أن يشير إلى دور عملي وأثر مادي ومعنوي لهذا الكتاب العظيم، فإذا أردنا أن نبين ما هو هذا الدور وما هو هذا الأثر؟ نقول: أما دوره الروحي فآثاره هي أنه شفاء الروح قال جلَّ وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ . وأنه خشوع للقلب قال عزَّ شأنه: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ . كيف لا، وقد قال تعالى: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ . وأنه ثبات للأنفس قال تبارك وتعالى: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ .
أما دوره العملي فآثاره هي: إنَّه تبيان لكلِّ شيء، إنَّ القرآن الكريم هو رسالة ومنهاج يرسم حياة الإنسان كلها ويوجهه باتجاه كماله المرسوم قال سبحانه: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ ففيه ما يحتاجه الإنسان في دنياه للدارين لدنياه وآخرته.

وإنَّه فرقان: الذي يميز فيه بين الحق والباطل قال عزَّ وجل: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ . وكما في الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أتاني
جبرئيل فقال: يا محمد سيكون في أمتك فتنة، قلت: فما المخرج منها؟ فقال: كتاب الله فيه بيان ما قبلكم من خير، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل».
واعلم أنَّ تكليفنا تجاه هذا الدور: فهو أمانة نُسأل عنها قال عزَّ وجل: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ وإن أعرضنا عنها فمصيرنا في الآخرة حمل الوزر قال تعالى: ﴿ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً (99) مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً ﴾
وإن هجرناها كنا مورد الشكوى، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) : «ثلاثة يشكون إلى الله عزَّ وجل: مسجد خراب لا يصلي فيه أهله، وعالم بين جهال، ومصحف معلق وقد وقع عليه غبار لا يقرأ فيه» (2) .
القران الكريم ليس مجرد كلمات تقرأ على رأس الميت عند موته، ولا هو مجرد زينة تعلق قلادة على الصدور أو تنقش ويزخرف فيه المساجد والحسينيات، بل هو رسالة حياة يجب أن تدخل في رأس الإنسان الحي، ونوراً يجب أن يشق الصدور ليدخل إلى القلوب.
أما كيف نجعله رسالة في حياتنا فهو أن نتعقّل القران ونتدبره: فقد أمرنا الله تعالى بقراءة القران قال عزَّ شأنه: ﴿ فَاقْرَؤُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ﴾ من القران لكنه عزَّ وجل أرادنا أن نتدبر آياته ونتعقل معانيه قال سبحانه: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾ .

وأما تفسير القران الكريم عند أهل العلم فهو يحتاج لمن يفسره، ولا يجوز للإنسان أن يحكّم أهواءه لتفسيره، خصوصاً في الآيات غير الواضحة والتي تحتمل أكثر من معنى، بل عليه أن يراجع العلماء الذين استفادوا في تفسيرهم من الثقل الآخر أهل البيت عليهم السلام قال تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ ﴾ .
أما انعكاس هذه الاستفادة على الحياة: فقد أمرنا الله تعالى أن نقتدي بالقران ونتبعه فقال عزَّ من قائل: ﴿ اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، ﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ ، بل أمرنا أن نتمسك به بقوَّة فقال تعالى: ﴿ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

وأما ما هي العلاقة بين شهر الله وكتاب الله فيمكن فهمه من قوله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ ، وتوقيت نزوله في شهر رمضان ليس هو من قبيل الصدفة ولا هو من قبيل الخيار المساوي لغيره من الخيارات، بل
هناك ميزة تربط بين الحدثين، أراد الله تعالى أن يلفت الناس إليها، وهذا ما يدعونا لأن نضع لأنفسنا برنامجاً قرآنيا عملياً لهذا الشهر المبارك.
وقد ورد في الروايات ما يؤكد ذلك أيضاً فعن الإمام الرضا (عليه السلام) : «من قرأ في شهر رمضان اية من كتاب الله عزَّ وجل كان كمن ختم القران في غيره من الشهور». فاغتنموا الفرص قبل أفولها، كما قال
أمير المؤمنين (عليه السلام) : «وَاَلْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحَابِ فَانْتَهِزُوا فُرَصَ اَلْخَيْر». نسأل الله أن يوفقنا لصيام شهر رمضان المبارك وتلاوة كتابه فيه والعمل به، إنه سميع مجيب.
 

رئيس التحرير


(1) - سورة الإسراء، الآية:9.
(2) - بحار الأنوار: ج2، ص41.

 

    القرآن والقادة

 

التوصية بالأنس بالقرآن
في الأزمنة والأمكنة المقدّسة




تحقيق وتعريف أبعاد الأنس بالقرآن المختلفة (1) :

نذكّر الزوار المحترمين أن لا يغفلوا في هذه المواقف المعظمة وطوال سفرهم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة عن الأنس بالقرآن الكريم هذه الصحيفة الإلهية وكتاب الهداية فما لدى المسلمين الآن وما سيكون لديهم على امتداد تاريخ الماضي والمستقبل هو من بركات هذا الكتاب المقدس الغنية وهذه الفرصة فأطلب من جميع العلماء الأعلام وأبناء القرآن والمفكرين القديرين أن لا يغفلوا عن الكتاب المقدس الذي هو تبيان كل شيء وصادر من مقام الجمع الإلهي ليسطع في قلب النور الأول وظهور جمع الجمع (2) .

إنَّ هذا الكتاب الإلهي الذي هو صورة عينية وكتبية عن جميع الأسماء والصفات والآيات والبينات وتقصر أيدينا عن مقاماته الغيبية ولا أحد يطلع على أسراره غير وجود الأقدس الجامع (من خوطب به) وقد أخذه ببركة تلك الذات المقدسة وبتعليمه لهم خلّص الأولياء العظام واستفاد خلص أهل المعرفة بشعاع منه وبحسب قابليتهم ومراتب سيرهم وذلك بالمجاهدات والرياضات القلبية, والآن وبعد أن أصبحت صورته الكتبية في متناولنا بعد أن نزلت بلسان الوحي على مراحل ومراتب من دون زيادة أو نقصان وحتى لو حرف واحد.

فلا قدر الله أن يهجر مع أن أبعاده المختلفة والمراحل والمراتب في كل بعد بعيدة عن متناول البشر العاديين, لكن يستخلص أهل المعرفة والتحقيق في الفروع المختلفة وبيانات ولغات متفاوتة وما يمكن فهمه من خزانة العرفان الإلهي اللامتناهية ومن بحر الكشف (3) المحمدي المواج, وذلك حسب علمهم ومعرفتهم وقابلياتهم وليقدموها للآخرين. وكذلك أصحاب الفلسفة والعرفان فليبحثوا في الرموز الخاصة بهذا الكتاب الإلهي وليحلوا بإشاراته تلك المسائل العميقة القديمة والبراهين الإلهية الفلسفية وليضعوها في متناول أهلها.

وليقدم الفضلاء أصحاب الآداب القلبية والمراقبات الباطنية جرعة هدية منهم مما قد نالوه من قلب العوالم (أَدَّبَنِي رَبِّي) لعطاشى هذا الكوثر وليؤدبونهم بآداب الله في الحد الميسور, وليقدم المتقين المتعطشين للهداية بارقة من نور التقوى من عين ﴿ هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ النابعة للعاشقين المحترمين لهداية الله عزَّ وجل. وأخيراً فلتعمل كل طائفة من العلماء الأعلام والمفكرين العظماء على بعد من الأبعاد الإلهية لهذا الكتاب المقدس, وليحملوا الأقلام ويحققوا أمنية عاشقي القرآن وليصرفوا أوقاتهم على الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والحرب والسلام في القرآن الكريم, ليصبح معلوماً أن هذا الكتاب مصدر كل شيء, من العرفان والفلسفة حتى الأدب والسياسة لكي لا يقول الجهلة, إن العرفان والفلسفة من صنع الخيال والوهم, والرياضة والسير والسلوك من أعمال الدراويش, أو ما دخل الإسلام بالسياسة والحكومة وإدارة البلاد, وإن هذا عمل السلاطين ورؤساء الجمهوريات وأهل الدنيا, أو أن الإسلام دين صلح ومسالمة ويتبرىء حتى من حرب الظالمين, وقد جلبوا للقرآن ما جلبته الكنيسة الجاهلة والسياسيين الماكرين لدين المسيح العظيم.
أيتها الحوزات العلمية وجامعات أهل التحقيق قوموا وانقذوا القرآن الكريم من شر الجاهلين المتنسكين والعلماء المتهتكين الذين هاجموا ويهاجمون القرآن عمداً وعن علم فإنني أقول بشكل جدي وليس (للتعارف العادي) أني أتأسف لعمري الذي ذهب هباءً في طريق الضلال والجهالة, وأنتم يا أبناء الإسلام الشجعان ايقظوا الحوزات والجامعات للإلتفات إلى شؤون القرآن وأبعاده المختلفة جداً, واجعلوا تدريس القرآن في كل فروعه مد نظركم وهدفكم الأعلى, لئلا لا قدر الله أن تندموا في آخر عمركم عندما يهاجمكم ضعف الشيخوخة على أعمالكم وتتأسفوا على أيام الشباب, كالكاتب نفسه.


أنس السيد الإمام الخميني (قده) بالقرآن الكريم يوليه أهمية خاصة رغم كثرة المشاغل:

فعن الشيخ محمد رضا التوسلي أنه قال عن الإمام الخميني قدّس سرّه: على الرغم من كثرة مشاغله، كان الإمام يولي أهمية خاصة لأداء المستحبات، خاصة تلاوة القرآن والدعاء وإقامة الصلاة في أول وقتها، كان يتلو ما تيسر من القرآن ثلاث إلى خمس مرات في اليوم ويختمه في شهر رمضان المبارك ثلاث ختمات.


ازدياد اهتمامه بالتلاوة في شهر رمضان المبارك:

وقال حجة الإسلام رحيميان فيه: كان الإمام شديد الإقبال على تلاوة القرآن في شهر رمضان المبارك خاصة، ولا أتذكر أنني دخلت عليه مرة في هذا الشهرـ خاصة في شهر رمضان الأخير من حياته المباركة ـ ولم أره يتلو كتاب الله، كنت أراه مقبلاً على تلاوته كلما دخلت عليه لأمر ما.


يأمر بختم القرآن للآخرين:

وقال أيضاً: كان الإمام يأمر ـ قبل أيام من حلول شهر رمضان ـ بتلاوة عدة ختمات من القرآن وإهداء ثوابها إلى أشخاص معينين.

عشر ختمات في شهر ربيع القرآن:

وذكر حجة الإسلام الناصري فيه قال: كان الإمام يقرأ ـ في شهر رمضان ـ عشرة أجزاء من القرآن يومياً فكان يختمه بالكامل كل ثلاثة أيام مرة. كان بعض الإخوة يفرحون لإكمالهم ختم القرآن مرتين في هذا الشهر
المبارك، ثم عرفوا لاحقاً أنَّ الإمام يختمه عشر مرات أو إحدى عشرة ختمة في هذا الشهر المبارك.


(1) - القرآن باب معرفة الله: ص67.
(2) - الجمع: هو مشاهدة الحق دون انتباه إلى الخلق حيث لا يكون الخلق حجاباً للعارف وهذه مرتبة الفناء.
(3) - الكشف: هو زوال الحجاب والوقوف على ما وراء الحجاب من حقائق الاشياء.

 

   القرآن والقادة

في الجلسة القرآنیة في الأوّل من شهر رمضان المبارك (1)
الأنس بالقرآن واللذة بتلاوته


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

 

نحمد الله تعالی من أعماق القلب وبكل أرواحنا بأن منّ علینا ووفقنا وشعبنا للأنس بالقرآن واللذة بتلاوته یقیناً إن كل واحدة من هذه الجلسات التي تنعقد للقرآن الكریم وتلاوته، وینطلق عنادل القرآن فیها بأنغامهم لها تأثیر كبیر في تعمیق الإیمان بالقرآن وعشقه ومحبته في نفوسنا.. وكل شيء رهن بهذا. إذا قرن شعب الاعتقاد بالحق وبالقرآن الكریم وبالمعارف الإسلامیة، إذا قرنه بالمحبة فإنَّ ألوان وأریج ورود المحبة اللطیفة بوسعها العمل علی ازدهار المعتقدات العمیقة في میادین الحیاة الإنسانیة. إذا امتزجت هذه العقائد وهذه الالتزامات العقلانیة بالمحبة والعواطف فستكون الساحة عندئذ ساحة العمل القرآني، وسوف تتزاید التوفیقات وتتعاقب وتتری. وهذا ما نصبو إلیه. إذا استطاعت هذه المحافل والجلسات القرآنیة أن تقرّب قلوبنا - فوق الجانب العقلاني - من القرآن في جانبه العاطفي ومن باب العشق والمحبة، فسوف تزول المشكلات التي تواجه المجتمع الإسلامي، هذه هي عقیدتنا.

طبعاً نحن لا نكتفي مطلقاً بمجرد المشاعر والعواطف، لكننا نعتبرها لازمة وضروریة، ولحسن الحظ فإن هذا المعنی موجود في مجتمعنا وفي معارفنا الإسلامیة التي تعلمناها عن طریق أهل البیت (عليهم السلام).. العقل والعاطفة إلی جانب بعضهما.

ولحسن الحظ فإنَّ بلادنا وشعبنا وشبابنا یخرجون مرفوعي الرأس في ارتباطهم وأنسهم بالقرآن الكریم، هذه المعرفة والخبرة والوعي وحالات فهم القرآن التي یراها الإنسان بوضوح في هذه الجلسات والتلاوات، وما
نسمعه أو نراه خارج هذه الجلسات تختلف كثیراً عما كان في السنوات الماضیة وبدایات الثورة في هذا البلد، الحمد لله علی أن شبابنا ویافعینا ورجالنا ونساءنا تقدموا في مجال الارتباط والأنس بالقرآن، وهذه بشارة كبیرة جداً، لقد كنا محرومین من هذا في یوم من الأیام.

حینما یتوفر الأنس بالقرآن فسوف یتوفر المجال للتدبر في القرآن والتفكر في معارفه، لا یمكن قراءة القرآن بسرعة والمرور به مرور الكرام، فالقرآن بحاجة إلی التدبر والوقوف عند كل كلمة من كلماته وكل تركیبة من
تراكیبه الكلامیة واللفظیة، كلما تدبّر الإنسان وتأمل أكثر واستأنس بالقرآن أكثر سوف ینتفع أكثر، هكذا هو القرآن.

مشكلات أي مجتمع من المجتمعات سوف تعالج بالقرآن الكریم، المشكلات تعالج بالمعارف القرآنیة، القرآن یهدي بني آدم سبیل حل معضلات الحیاة البشریة، هذا هو وعد القرآن وما تشیر إلیه تجارب الحقب الإسلامیة، كلما اقتربنا من القرآن أكثر وكلما ازدادت بیننا الأعمال القرآنیة - سواء في أرواحنا أو في أعمالنا الجسمانیة، أو لدی الفرد أو المجتمع - كلما اقتربنا من السعادة ومن حل المشكلات والمعضلات أكثر.
العزة في ظل القرآن، والرفاه في ظل القرآن، والتقدم المادي والمعنوي في ظل القرآن، والأخلاق الحسنة في ظل القرآن، والانتصار علی الأعداء في ظل القرآن، نحن الشعوب المسلمة إذا أدركنا هذه الحقائق بصورة
صحیحة وبذلنا الجهود في سبیل الوصول لهذه الأهداف فسوف ننتفع منافع جمّة یقیناً.

تعاني الشعوب المسلمة الیوم من مشكلات عدیدة أوجدتها لها هیمنة أصحاب النظرة المادیة للخلقة والعالم، النظرة النفعیة المصلحیة، نظرة منحطة لإنسان لا یعرف الأبجدیة المعنویة، الحضارة التي منحت في الوقت الراهن الإمكانیات والقدرات العسكریة للمستكبرین قائمة علی نظرة مادیة لعالم الخلقة، وهذه النظرة المادیة هي التي جلبت التعاسة والبؤس للعالم، وجلبت البؤس لهم أنفسهم، حینما تكون النظرة مادیة ونفعیة ومصلحیة وبعیدة عن المعنویة والأخلاق الإنسانیة ستكون النتیجة أن تعمل القوی العسكریة والسیاسیة والاستخباراتیة علی تكبیل الشعوب وأسرها، لم یكن للحضارة الغربیة طوال القرون الأخیرة من میزة وحسنة سوی هذه، لقد استغلوا البشریة وأسروا الشعوب وكبّلوها، واستفادوا من علومهم للقضاء علی حضارات الشعوب الأخری والتغلب علیها وعلی ثقافاتها واقتصادها.

لو قرأتم الأوضاع والأحوال التي سادت في القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرین للمیلاد - ما دوّنه الغربیون أنفسهم وقالوه ولیس ما دوّنه معارضوهم وأعداؤهم - لوجدتم ما فعلوه في شرق آسیا وفي الهند وفي الصین وفي أفریقیا وفي أمریكا، وأیة ویلات صبّوها علی البشریة، وأي جحیم خلقوه للشعوب والبشر وحرّقوهم فیه لمجرد الاستغلال وامتصاص الدماء، تقدموا في العلم والتقنیة ووصلوا بصناعاتهم إلی الذروة لكنهم استخدموا كل هذا في سبیل تعاسة الشعوب الأخری، لماذا؟ لأن تلك الحضارة لم یكن لها أساس معنوي روحي، ولم یكن فیها معنویة، وحینما لا تكون هناك معنویة فلن تكون هناك أخلاق، دعاواهم بشأن الأخلاق دعاوی كاذبة ولیس لها أي واقع. نعم، ثمة أخلاق وصبر وعقل في الأفلام السینمائیة وفي المساعي التي تبذلها هولیوود، ولكن لا أثر لهذه الأمور في واقع الحیاة، وهذه ستكون النتیجة حینما یكون هناك بُعد عن المعنویة. في یومنا الراهن هذا، لاحظوا أنه في بلد من بلدان شرق آسیا - في بورما - یقتل آلاف البشر من المسلمین ویذهبون ضحیة العصبیة والجهل - إن لم نقل أن هناك أیدياً سیاسیة في هذه القضیة، ولنفترض أن الأمر كان نتیجة العصبیات الدینیة والمذهبیة كما یدّعون - ولا ینبس أدعیاء حقوق الإنسان الكاذبون - ببنت شفة، الذین ترقّ قلوبهم كل الرقة للحیوانات، والذین لو وجدوا أبسط الذرائع في المجتمعات المستقلة عنهم وغیر التابعة لهم ضخّموها مئات المرات، یصمتون هنا مقابل مذابح ترتكب ضد أناس أبریاء عزّل بلا دفاع من نساء ورجال وأطفال، بل ویبرّرونها ! هذه هي حقوق الإنسان عندهم.. حقوق الإنسان المنقطعة عن الأخلاق وعن المعنویة وعن الله، یقولون إن هؤلاء لیسوا بورمیین، فلیكن إنهم غیر بورمیین - وهم طبعاً یكذبون في ذلك لأن المسلمین یعیشون هناك منذ ثلاثمائة أو أربعمائة سنة، حسب ما وصلنا من تقاریر - هل یجب أن یقتلوا ؟! وقد كانت نفس هذه الحالة طوال سنوات متمادیة في هذا البلد وفي بلدان مجاورة من قبل الغربیین ومن قبل الإنجلیز خصوصاً تجاه هؤلاء الأهالي، لقد أنزلوا أشد الویلات بهؤلاء الأهالي، لم یفعلوا أین ما وطأت أقدامهم الأرض سوی الفساد وإهلاك الحرث والنسل كما یعبّر القرآن الكریم.. نعم أنشأوا الأسواق من أجل أن تكون هناك أسواق لبضائعهم، وعرّفوا الناس علی البضائع الجدیدة من أجل ازدهار تجارتهم. هذه الحضارة منقطعة عن المعنویة والقرآن.

دعوانا هي تشیید حضارة قائمة علی المعنویة وتعتمد علی الله وعلی الوحي الإلهي وعلی التعالیم والهدایة الإلهیة، إذا استطاعت الشعوب الإسلامیة الیوم إقامة مثل هذه الحضارة - والحمد لله علی أن الكثیر من الشعوب الإسلامیة قد استیقظت ونهضت - فإن البشریة سوف تسعد، هذه هي دعوی الجمهوریة والثورة الإسلامیة، إننا ننشد مثل هذه الحضارة، احفظوا أیها الشباب الأعزاء هذا المعنی واجعلوه معیاراً ومؤشراً لكم.
یجب أن نجعل أعمالنا قرآنیة إلهیة، لیس الأمر بالأقوال والألسن والادعاءات، علینا السیر في هذا الدرب عملیاً، حینما تأنسون بالقرآن الكریم وتتلونه، فأین ما كان ففيه أمر وهدایة ونصیحة حاولوا بالدرجة الأولی تكریسها في وجودكم وباطنكم وقلوبكم والاقتراب به من أعمالكم وممارساتكم، إذا التزم كل واحد منا بهذا الشيء عملیاً فإن المجتمع سوف یتقدم ویكون مجتمعاً قرآنیاً.

نهضة الارتباط والأنس بالقرآن الكریم في بلادنا صارت نهضة جیدة والحمد لله، مسألة حفظ القرآن الكریم التي سبق أن أوصینا بها أخذت تنتشر والحمد لله بین الشباب، ویجب أن تنتشر، ویجب أن نتعرّف علی القرآن الكریم ونأنس به، حینما تحفظون القرآن ستستطیعون فهم معانیه بشكل صحیح، وعندما یفهم الإنسان معاني القرآن سیقدر علی التدبر فیها، وحینما یتدبر في معاني القرآن یمكنه الوصول إلی معارف سامیة فینمو ویرشد، الإنسان ینمو ویرشد في داخله عن طریق الأنس بالقرآن.

ربنا بمحمد وآل محمد لا تفرّق بیننا وبین القرآن، اللهم اجعل مجتمعنا مجتمعاً قرآنیا، اجعل حیاتنا بالقرآن ومماتنا في سبیل القرآن، اللهم بمحمد وآل محمد اجعل القرآن شفیعنا یوم القیامة، اللهم لا تقصّر أیدینا عن القرآن وعن أهل البیت وهما الثقلان الكبیران اللذان تركهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فینا، ربنا ارض عنا القرآن وارض عنا أهل بیت الرسول والإمام المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) ، ربنا وفقنا في القیام بواجباتنا، منّ علینا في شهر رمضان المبارك هذا وفي هذه الأیام واللیالي المباركة بالتوفیق لعبادتك والتضرع والخشوع والتقرب إلیك.
والسلام علیكم ورحمة الله وبركاته.


(1) - تاريخها في: 21/07/2012 م - 1433هـ.

 

 

  القرآن والقادة

تَجَهَّزُوا فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ

كلمة للأمين العام لحزب الله حجة الإسلام والمسلمين
السيد حسن نصر اللّه (حفظه الله) في شهر رمضان المبارك



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا شفيع ذنوبنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين وعلى جميع الشهداء والمجاهدين في سبيل الله منذ آدم إلى قيام يوم الدين.
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

موضوعنا عن الموت وما بعد الموت: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ (1) . هذه المسألة كانت موضع نِقاش منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا، والأسئلة عن ذلك كثيرة: هل نفنى؟ هل يتلف الجسد في التراب وتنتهي الروح؟ هل هناك حياة أخرى، ورجوع إلى الله سبحانه وتعالى بعد الموت: ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾؟

*الأمثال من حياة الإنسان:

في القرآن الكريم، وفي دعوات الأنبياء يوجد استدلال عقلي، ومنطقي، وعلمي للناس عن الحياة بعد الموت. فالقرآن الكريم يضرب الأمثال من حياة الناس كما في موضوع الأرض والزراعة والمطر وهي مسألة حيويّة
وحياتيّة لكل البشر على مدار التاريخ. فيضرب الأمثال في القرآن الكريم، عن الأرض الميتة التي يحييها الله بعد موتها. كيف تنبت، وكيف تصير خضراء ؟.

*عناوين عامة من القرآن الكريم:

أريد أن أتحدّث عن عناوين تعرّض لها القرآن، والأحاديث الشريفة. وبعد ذلك، أعرض بعض الآثار التربويّة، والمعنويّة، لهذه المعرفة وهذا الاعتقاد بعقيدة الموت وما بعده.

أ - أينما تكونوا يدرككم الموت:

الجانب العملي الذي يمكن أن نستفيد منه هو من القرآن أو من الأحاديث الشريفة، فكلام القرآن هو:
أولاً: عن أصل الموت وحتمية الموت.
ثانياً: أنه لا مفر من هذا الموت: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ (2) .
وفي القرآن الكريم كلام عن سكرات الموت وحالة نزْع الروح، وعن القبر، هل هو روضةٌ من رياض الجنة، أم حفرةٌ من حفر النيران؟ وعن البرزخ وأحوال البرزخ. كذلك الآيات القرآنية، تحكي عن أحداث الكون في
تلك الساعة، عن السماوات، والأرض، والكواكب، والجبال، والبحار، الإنسان، الوحوش، الحيوانات والقبور: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ (3) .

ب - لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه:

الله سبحانه وتعالى يدكّ الجبال ويهزّها ويزلزلها ويمدّها فتصير ما يسمّى بـ «صحراء المحشر» ثم إنّه سبحانه وتعالى يأمر بنفخ الصّور، فيُبعث الناس، ويعودون إلى الحياة ويخرجون من قبورهم، وهذا هو «يوم
الخروج... يخرجون من بطون الحيتان، والأسماك أو الطيور والوحوش. ويجمع هؤلاء الناس ويبعثون من جديد مذهولين، مرعوبين؛ هذه الحالة كلّها موصّفة في القرآن، ثم يُحشر الناس في الصحراء، في هذه الأرض الممدودة. ويقفون بين يدي الله سبحانه وتعالى: ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ (4) .


ج - يوم لا مفرّ:

كلُّ إنسان مشغول بنفسه، يوضَع الميزان، وتُنشر الكتب ويقف الناس، يتقدّمون للحساب أمام الله سبحانه وتعالى... يُحاسب الناس أفراداً، وجماعات، يحاسبهم الله أيضاً كشعوب وكأمم، في موقف الحساب تظهر الموازين والمعايير، والمقاييس الأخرويّة غير مقاييس الدنيا - هناك لا ابن عشيرة ولا ابن دولة، الموازين مختلفة تماماً - ليس المعيار هناك، كم تملك من المال، أو كم عندك قصور، أو جاه أو زعامة، أو ألقاب، لا معيار هناك سوى الإيمان والعمل الصالح، يُعرَض هذا أمام القضاء الإلهي الذي لا مهرب منه ولا مفرّ.
الموت والحساب، من الموضوعات التي كانت دائماً موضع اهتمام أنبياء الله عزَّ وجل، وهذا كله من أنباء الغيب التي أوحى بها الله سبحانه وتعالى. وهو يريدنا أن نؤمن بهذه الأنباء، وبهذه الأخبار، وبهذه الأحداث، أي أن نعتقد به وأن نؤمن بذلك بقلوبنا وعقولنا.
ثالثاً: عندما ينبئنا الله سبحانه وتعالى بذلك إنما يقيم الحجّة على البشرية كلّها إلى يوم القيامة.
فلا يقول قائل: «أنا ما علمت أو ما أخبرتُ أو ما سمعت». العقل هو حجة أيضاً، وحتى نعمل عندما يحدّثنا الله عن الجنة: ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾ (5) ، ويحدثنا الله عن النار من أجل أن نحذر، أن ننتبه، أن لا نذهب
بأنفسنا وأهلينا وأحبّائنا والناس من حولنا إلى جهنم.

د - الله تعالى يذكّرنا:

إذاً، الأمر ليس موضوعاً عقائدياً معرفياً علمياً فقط، وإنما يترتّب عليه أثر وله علاقة بعمل الإنسان، وبسعيه، وسلوكه، أن يعمل ليكون من أهل الجنّة والثواب والقرب من الله سبحانه وتعالى أن يحذر عذاب الله ولقاء الله.
الله سبحانه وتعالى، أيضاً، يريدنا أن نتذكّر هذا المعنى دائماً، وأن نبقى منتبهين لهذه الحقيقة الّتي نحن مقبلون عليها، الموت وما بعده، وألّا نغفل عن هذا الحضور الذهني، والنفسي، والروحي لفكرة القيامة وأحداث القيامة.

*نتائج اليقظة والانتباه:

من صفات الله عزَّ وجل أنه ربنا، فهو مربٍّ لنا، يأخذ بيدنا درجة درجة كما يُربّي الأب والأم ولدهما. هنا، يوجد تربية إلهيّة لنا، وهذا الانتباه وهذا التذكّر الدائم تترتّب عليه مجموعة نتائج تربوية، ومعنوية، ونفسية مهمة وكبيرة جداً:

أ - الانتباه من الحساب الآتي:

النتيجة الأولى، لهذا الانتباه وهذا الحضور الذهني، والنفسي، لفكرة القيامة وعقيدة القيامة أن نبقى منتبهين، ويقظين، ومتيقنين أننا لسنا متروكين سُدىً، وسنحاسب.
إذا لم يكن من سؤال وحساب، يتفلّت الإنسان من القيود، والضوابط، لأن النفس الأمارة بالسوء، أضف إليها شياطين الإنس والجن يوسوسون للإنسان فعل المعصية، والظلم. الله سبحانه وتعالى يبدأ تربيته لنا من لحظة التكليف: أنت قلت كذا، وعملت كذا، هنا كذبت، وهنا اغتبت، وهنا قتلت، وهنا اعتديت... يبدأ معنا من لحظة التكليف إلى لحظة بلوغ الروح للحلقوم. فأين المفرّ؟
﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴾ (6) ، نُواجَه بالحقائق وبالشهود في محكمة العدل الإلهي، عندما نتكلم يجب أن ننتبه وعندما نعمل أيضاً، هذا الوعي وهذه اليقظة يصبحان رادعَين عن المعصية، عن الذنب، عن الخطيئة.

ب - الرجاء للثواب الإلهي:

تهتم الروايات وما ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بالتأكيد على الرجاء والرغبة بما عند الله عزَّ وجل. فعندما نقرأ عمّا أعدّ الله سبحانه وتعالى للمطيعين، وللمحسنين، وللمجاهدين وللشهداء،
وللصّابرين إلخ... تتطلع نفس الإنسان وقلبه وعقله إلى ما أعدّ الله سبحانه وتعالى في تلك الحياة التي طبيعتها: الخلود والأبدية، وكل ما يطمح له الإنسان في هذه الدنيا، وفي الآخرة العزَّة حقيقية، الكرامة حقيقية، والأمن والسلامة والعافية، والسعادة كل ذلك حقيقي، كل ما يخطر ببالك من نعمة، راحة بال، عافية.. أعدّه الله سبحانه وتعالى للصالحين وللمؤمنين وللمجاهدين وللخيّرين وللمحسنين. هذا الشوق، هذه اللهفة للشهادة عند الشهداء، هي لأنهم عرَفوا ما أعدَّ الله سبحانه وتعالى لهم.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة المتقين، إنهم عندما يمرّون بآية، من القرآن الكريم، فيها حديث عن الجنة وفيها تشويق تطلّعت نفوسهم إليها طمعاً، وحتى أرواحهم تكاد تخرج من شدّة شوقها إلى ما أعدّ الله سبحانه وتعالى لها «وَلَوْلاَ اَلْأَجَلُ اَلَّذِي كَتَبَ اَللهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى اَلثَّوَابِ وَخَوْفاً مِنَ اَلْعِقَاب» (7) .

ج - التزوّد للآخرة:
من النتائج التربوية لهذا الحضور الإيماني والذهني والنفسي للقيامة حُسن الاستفادة من الدنيا ومن هذا العمر. عندما نلتفت للآخرة ولا تغيب عنّا القيامة يصبح لهذا العمر قيمة عالية جداً، ويتحوّل إلى فرصة للتزوّد لذلك اليوم، لتلك الحياة الأبديّة والأزليّة. أستفيد من هذه الحياة الزائلة، الزائفة، الفانية، المحدودة وأتزوّد.
إذاً، من آثار الانتباه والحضور العقائدي والإيماني للقيامة حُسن الاستفادة من الدنيا وممّا أتاحه الله لنا في هذه الدنيا. ولذلك كان دائماً الأمير (عليه السلام) يقول للناس: «تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اَللهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيل» (8) ، وفي مكان آخر أوضَحَ (عليه السلام) : « أَنَّ خَيْرَ اَلزَّادِ اَلتَّقْوَى » (9) (10) .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


(1) - سورة آل عمران، الآية: 185.
(2) - سورة النساء، الآية: 78.
(3) - سورة إبراهيم، الآية: 48.
(4) - سورة عبس، الآية: 37.
(5) - سورة الصافات، الآية: 61.
(6) - سورة يس، الآية: 24.
(7) - نهج البلاغة:، من كلام الإمام (عليه السلام) (204) .
(8) - نهج البلاغة: خطبة (130) .
(9) - نهج البلاغة: خطبة (193) .
(10) - من كلمة له (حفظه الله) بتاريخ: 31/7/2013، الموافق 22، شهر رمضان 1434هـ..

 

   التفسير والبيان


 


﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .


سبب النّزول:

قال جماعة من المفسّرين إنّه بعد نزول ما تقدّم من الآيات آنفاً جاء النّبي طائفةٌ من الأعراب وحلفوا أنّهم صادقون في إدّعائهم بأنّهم المؤمنون وظاهرهم وباطنهم سواء، فنزلت الآية الأولى من الآيات محل البحث وأنذرتهم أن لا يحلفوا، فالله يعرف باطنهم وظاهرهم، ولا يخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.

لا تمنُّوا عليَّ إسلامكم:

كانت الآيات السابقة قد بيّنت علائم المؤمنين الصادقين، وحيث أنّا ذكرنا في شأن النّزول أنّ جماعة جاؤوا النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا إنّ ادّعاءهم كان حقيقةً وإنّ الإيمان مستقرٌّ في قلوبهم، فإنّ هذه الآيات تنذرهم وتبيّن لهم أنّه لا حاجة إلى الإصرار والقسم، كما أنّ هذا البيان والإنذار هو لجميع الذين على شاكلة تلك الجماعة، فمسألة (الكفر والإيمان) إنّما يطّلع عليها الله الخبير بكل شيء!
فذاته المقدّسة هي علمه بعينه وعلمه هو ذاته بعينها ولذلك فإنّ علمه أزلي أبدي!
ذاته المقدّسة في كلّ مكان حاضرة، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد، ويحول بين المرء وقلبه، فمع هذه الحال لا حاجة لادّعائكم، وهو يعرف الصادقين من الكاذبين ومطّلع على أعماق أنفسهم حتى درجات إيمانهم المتفاوتة ضعفاً وقوّةً، وقد تنطلي عليهم أنفسهم، إلاّ أنّه يعرفها بجلاء، فعلامَ تصرّون أن تعلّموا الله بدينكم؟!
بتعبير آخر أتخبرون الله بالدين الذي أنتم عليه فهو سبحانه عالم بذلك فلا يحتاج إلى إخباركم به وهذا استفهام إنكار وتوبيخ أي كيف تعلمون الله بدينكم ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ﴾ لأن العالم لنفسه يعلم المعلومات كلها بنفسه فلا يحتاج إلى علم يعلم به ولا إلى من يعلمه كما أنه إذا كان قديماً موجوداً في الأزل لنفسه استغنى عن موجد أوجده.

نقاط وتأمُّلات:

كان البعض يحلفون للنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن إيمانهم به إيماناً صادقاً، فنزلت هذه الآية تصرّح بأنَّه لا حاجة إلى الحلف واليمين، فإن الله تعالى يعلم بكل شي‏ء.
إنَّ عرض الإيمان والمعتقدات على أولياء الله سبحانه إن كان بهدف التقييم والتصحيح، أو لأجل حصول الاطمئنان، كان عملاً محموداً جداً، وهذا هو الذي فعله العالم التقيّ والمحدّث الجليل السيد عبد العظيم الحسني الّذي عرض عقائده على الإمام الهادي (عليه السلام).
أما إذا كان عرض العقائد رياء كالمخاطبين في هذه الآية فهو أمر يستدعي التوبيخ والتنديد.

دروسٌ وبصائر:

1 - إنَّ التظاهر عند النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو في الحقيقة تظاهر عند الله تعالى.
فمع أنَّ تلك الجماعة تظاهرت بإيمانها عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن القرآن الكريم يقول: ﴿ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ ﴾ .
2 - لا ينبغي لنا الادّعاء والتظاهر أمام الله سبحانه الذي يعلم كل شي‏ء: ﴿ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ . ﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
3 - إنَّ الله تعالى عالم موجد الأشياء كما هو عالم بخصوصيات كل شي‏ء: ﴿ يَعْلَمُ ... وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ . يمكن أن يعلم المحافظ على مخزن بكل البضائع الموجودة في ذلك المخزن، ولكنه لا يعلم ممّ يتركب كل واحد من هذه الأشياء، أو ما هو أثر كل واحد منها على وجه الدّقة والتحديد.

سعة علم الله تعالى.

الله سبحانه يعلم منذ الأزل (بروحية الإنسان) وبكل الحوادث والموجودات، وإن ظهرت بالتدريج على مسرح الوجود، فحدوث الموجودات والأحداث لا يزيد الله علماً، بل إن هذا الحدوث تحقّق لما كان في علم الله، وهذا يشبه علم المهندس بكل تفاصيل البناء عند وضعه التصميم، ثم يتحول التصميم إلى بناء عملي، والمهندس يقول حين ينفّذ تصميمه على الأرض: أريد أن أرى عملياً ما كان في علمي نظرياً، (علم الله يختلف دون شك عن علم البشر اختلافاً كبيراً، وإنما ذكرنا هذا المثال للتوضيح) .

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : «إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ، لَطُفَ بِهِ خُبْراً، وَأَحَاطَ بِهِ عِلْماً، أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ، وَجَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ، وَضَمائِرُكُمْ عُيُونُهُ، وَخَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ».
أيضاً إنّ جميع ما ينفذ في الأرض يعلم به الله، سواء قطرات المطر والسيول، وبذور النبات التي تنتشر في الأرض بمساعدة الهواء والحشرات، وجذور الأشجار التي تنفذ، بحثاً عن الماء والغذاء، إلى أعماق الأرض، وأنواع المعادن والذخائر التي كانت يوماً على سطح الأرض ثمّ دفنت فيها، وأجساد الموتى وأنواع الحشرات... نعم إنّه يعلم بكلّ ذلك.

ثمّ إنّه يعلم بالنباتات التي تخرج من الأرض، وبالعيون التي تفور من أعماق التراب والصخور، وبالمعادن والكنوز التي تظهر، وبالبشر الذين ظهروا ثمّ ماتوا، وبالبراكين التي تخرج من أعماقها، وبالحشرات التي تخرج من بيوتها وجحورها، وبالغازات التي تتصاعد منها، وبأمواج الجاذبية التي تصدر منها الجاذبية.. الله تعالى يعلم بذلك جزءاً جزءاً وذرّة ذرّة. وكذلك ما ينزل من السماء من قطرات المطر إلى أشعّة الشمس الباعثة للحياة، ومن الأعداد العظيمة من الملائكة إلى أنوار الوحي والكتب السماوية، ومن أشعّة الكونية إلى الشهب والنيازك المنجذبة نحو الأرض، إنّه عالم بأجزاء كلّ ذلك. وكذلك ما يصعد إلى السماء، أعمّ من الملائكة، وأرواح البشر، وأعمال العباد، وأنواع الأدعية، وأقسام الطيور، والأبخرة، والغيوم وغير ذلك، ممّا نعلمه وممّا لا نعلمه، فإنّه واضح عند الله وفي دائرة علمه.
وإذا فكّرنا قليلا بأنّ في كلّ لحظة تدخل الأرض ملايين الملايين من الموجودات المختلفة، وملايين الملايين من الموجودات تخرج منها، وملايين الملايين تنزل من السماء أو تصعد إليها، حيث تخرج عن العدّ والحصر والحدّ، ولا يستطيع أي مخلوق أن يحصيها.. إذا فكّرنا بهذا الموضوع قليلا فسنعرف مدى إتّساع علمه سبحانه.
وأخيراً يقول سبحانه مبيناً ما تقدَّم: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .


(1) - سورة الأنفال، الآية: 2.
(2) - سورة النور، الآية: 62.
(3) - سورة الأنفال، الآيات: 4 - 74.
(4) - سورة البقرة، الآية: 74.
(5) - سورة النساء، الآية: 137.
(6) - سورة فصلت، الآية: 30.
(7) - سورة البقرة، الآية: 132.
(8) - سورة آل عمران،الآية: 193.
(9) - سورة يوسف، الآية: 101.
(10) - سورة الأنعام، الآية: 98.
(11) - ميزان الحكمة: (الإيمان).
(12) - بحار الأنوار: ج70، ص681.
(13) - سورة الأنفال، الآية: 12.
(14) - سورة الكهف،الآية: 14.
(15) - سورة هود، الآية: 120.
(16) - تفسير سورة الحجرات: لسماحة الشيخ قراءتي، ص190.

 

   مفردات قرآنية

 

 

سُورَة النَّحل مكيّة وعَدَدُ آيَاتِها مَئة وَثمان وَعشرون آية



فضلها:

روي عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، في فضل سورة النحل، أنّه قال: «من قرأها لم يحاسبه الله تعالى بالنعم التي أنعمها عليه في دار الدنيا وأعطي من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية وإن مات في يوم تلاها أو ليلة كان له من الأجر كالذي مات فأحسن الوصية » وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من قرأ سورة النحل في كل شهر كفي المغرم في الدنيا وسبعين نوعاً من أنواع البلاء أهونه الجنون والجذام والبرص وكان مسكنه في جنة عدن وهي وسط الجنان» (1) .
فقراءة الآيات - التي تتناول جانباً كبيراً من النعم الإِلهية - بتدبر وتفكر مع وجود العزم على العمل والسير وفق الشكر للمنعم، تكون سبيلا لأنْ يستعمل الإِنسان كل نعمة بما ينبغي عليه أن يستعمل، فلا يحبس ولا يهمل، ويكون من الشاكرين.


الآيات من (106 إلى 110) :
يقول سبحانه: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .


اللغة والبيان:

تشير الآية (106) الأولى إِلى نوعين من الذين كفروا بعد إِيمانهم:
النوع الأوّل: هم الذين يقعون في قبضة العدو الغاشم ويتحملون أذاه وتعذيبه، ولكنّهم لا يصبرون تحت ضغط ما يلاقوه من أعداء الإِسلام، فيعلنون براءتهم من الإِسلام وولاءهم للكفر، على أنّ ما يعلنوه لا يتعدى حركة اللسان، وأمّا قلوبهم فتبقى ممتلئة بالإِيمان.
فهذا النوع يكون مشمولاً بالعفو الإِلهي بلا ريب، بل لم يصدر منهم ذنب، لأنّهم قد مارسوا التقية التي أحلها الإِسلام لحفظ النفس وحفظ الطاقات للإِستفادة منها في طريق خدمة دين الله عزَّوجلّ.
النوع الثّاني: هم الذين يفتحون للكفر أبواب قلوبهم حقيقةً، ويغيّرون مسيرتهم ويتخلّون عن إِيمانهم، فهؤلاء يشملهم غضب الله عزَّ وجلّ وعذابه العظيم.
يقول سبحانه: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ ﴾ اختلف في تقديره فقيل إن تقديره وتلخيص معناه من كفر بالله بأن يرتد عن الإسلام وشرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ﴾ فتكلم بكلمة الكفر على وجه التقية مكرها ﴿ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ ﴾ أي ساكن ﴿ بِالْإِيمَانِ ﴾ ثابت عليه فلا حرج عليه في ذلك وقيل إنه يتصل بما تقدم فمعناه إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه ثم استثني من ذلك من أكره على ذلك وكان مطمئن القلب إلى الإيمان في باطنه فإنه بخلافه ﴿ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ﴾ أي من اتسع قلبه للكفر وطابت نفسه به ﴿ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ إِشارة إِلى حرمانهم من الرحمة الإِلهية والهداية في الحياة الدنيا، وإِلى عقابهم في الحياة الأُخرى، ثم قال سبحانه ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ ﴾ أي آثروا ﴿ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ والتلذذ فيها والركون إليها ﴿ عَلَى الْآخِرَةِ ﴾ عنى بذلك أنهم فعلوا ما فعلوه للدنيا طلبا لها دون طلب الآخرة ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ هؤلاء لم يريدوا إلا الدنيا وانقطعوا عن الآخرة وكفروا بها والله لا يهدي القوم الكافرين وإذا لم يهدهم الله ضلوا عن طريق السعادة والجنة والرضوان فوقعوا في غضب من الله وعذاب عظيم.

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ إشارة إلى أن اختيار الحياة الدنيا على الآخرة والحرمان من هداية الله سبحانه هو الوصف الذي يوصف به الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم والذين يسمون غافلين، فهم مطبوع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فلا تنال قلوبهم ولا سمعهم وأبصارهم ما يدلهم على الآخرة، وهم غافلون عنها لا يتنبهون لشيء من أمرها، وبمعنى آخر هو أن الكفر تمكن من قلوبهم فصارت كالمختوم عليها وصاروا بمنزلة من لا يفهم ولا يبصر ولا يسمع.
﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ وصفهم بعموم الغفلة مع أن الخواطر تزعجهم لجهلهم عما يؤدي إليه حالهم في الآخرة، ثم قال ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ هذا تأكيد لحكم الخسار عليهم يعني أنهم هم المغبونون إذ حرموا الجنة ونعيمها وعذبوا في النار ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ﴾ أي عذبوا في الله وارتدوا على الكفر فأعطوهم بعد ما أرادوا ليسلموا من شرهم ﴿ ثُمَّ جَاهَدُواْ ﴾ مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ﴿ وَصَبَرُواْ ﴾ على الدين والجهاد ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا ﴾ أي من بعد تلك الفتنة أو تلك الفعلة التي فعلوها من التفوه بكلمة الكفر ﴿ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وعد جميل من ربك للمهاجرين من بعد ما فتنوا بالمغفرة والرحمة يوم القيامة.


سبب النزول:

قيل نزل قوله ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ في جماعة أكرهوا وهم عمار وياسر أبوه وأمه سمية وصهيب وبلال وخباب عذبوا وقتل أبو عمار وأمه وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا منه ثم أخبر سبحانه بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال قوم كفر عمار فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) كلا أن عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه وجاء عمار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يبكي فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ما وراءك فقال شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح عينيه ويقول إن عادوا لك فعد لهم بما قلت فنزلت الآية عن ابن عباس وقتادة وقيل نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا وخرجوا يريدون المدينة فأدركهم قريش وفتنوهم فتكلموا بكلمة الكفر كارهين وقيل أن ياسرا وسمية أبوي عمار أول شهيدين في الإسلام وقوله
﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ ﴾ و ﴿ مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ﴾ وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح من بني عامر بن لؤي وأما قوله «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا» الآية فقيل إنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الرضاعة وأبي جندل بن سهيل بن عمرو والوليد بن المغيرة وغيرهم من أهل مكة فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ثم أنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا فنزلت الآية فيهم (2) (3) .


(1) - مجمع البيان: ج6، ص327.
(2) - مجمع البيان: ج6، ص327.
(3) - أهم المصادر:مجمع البيان، الميزان، الأمثل. .

 

  الأمثال في القرآن

قلوب قاسية كالحجارة

 


قال تعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ (1) .

لغة: القسوة ذهاب اللين والرحمة من القلب والقسوة الصلابة في كل شيء ونقيضه الرقة، والشدة القوة في الجسم والشدة صعوبة الأمر، والنهر المجرى الواسع من مجاري الماء، والتفجر التفعل من فجر الماء وذلك إذا أنزل خارجاً من منبعه، وأصل يشقق يتشقق أدغمت التاء في الشين وهو أن ينقطع من غير أن يبين، والغفلة السهو عن الشيء وهو ذهاب المعنى عن النفس بعد حضوره.

توضيح الآية وتصوير التمثيل:

جاءت الآية بعد قصة البقرة التي ذبحها بنو إسرائيل، وقد كانوا يجادلون موسى (عليه السلام) بغية التملّص من ذبحها، ولكن قاموا بذبحها وما كادوا يفعلون. وكان ذبح البقرة لأجل تحديد هوية القاتل الذي قام بقتل ابن عمه غيلة واتهم بقتله شخصاً آخر من بني إسرائيل، فصاروا يتدارأون ويدفعون عن أنفسهم هذه التهمة، فرجعوا في أمرهم إلى موسى (عليه السلام) ، وشاء الله تعالى أن يظهر حقيقة الأمر بنحو معجز، فقال لهم موسى (عليه السلام) : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ ، فلمّـا ذبحوها ـ بعد مجادلات طويلة، أمر سبحانه أن يضربوا المقتول ببعض البقرة حتى يحيى المقتول ويعين هوية القاتل، قال سبحانه:
﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ (2) .
ومع رؤية هذه المعجزة الكبرى التي كان من المفروض أن تزيد في إيمانهم وانصياعهم لنبيهم موسى (عليه السلام) ، لكن ـ وياللأسف ـ قست قلوبهم بنحو يحكي سبحانه شدة تلك القساوة ويقول: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ .

شبه قلوبهم بالحجارة في الصلابة واليبس والغلظ والشدة وقد ورد الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله يقسي القلب، وإن أبعد الناس من الله القاسي القلب» (3) ، فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة أي أشد صلابة لامتناعهم عن الإقرار اللازم بقيام حجته والعمل بالواجب من طاعته بعد مشاهدة الآيات.
وبما أنّ الحجر هو المعروف بالصلابة والقساوة شبّه سبحانه قلوبهم بالحجارة وقال: إنَّ قُلوبهُمْ ﴿ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ أي: بل أشدّ قسوة، فكلمة (أو) موضوعة مكان بل.
ثمّ إنّ القلوب إمّا بمعنى النفوس الناطقة، فعندئذ تكون نسبة القساوة إلى الروح نسبة حقيقية، أو أنّ المراد منها هو العضو المودع في الجهة اليسرى من الصدر الذي ليس له دور سوى تصفية الدم وإرساله إلى سائر الأعضاء، وعندئذٍ تكون النسبة مجازية، وإنّما نسبت القساوة إلى ذلك العضو، لأنّه مظهر من مظاهر الحياة الإنسانية، وأوّل عضو يتأثر بالأمور النفسانية كالفرح والغضب والحزن والجزع، فلامنافاة في أن يكون المدرك هو النفس الناطقة، ومع ذلك يصحّ نسبة الإدراك إلى القلب.

ثمّ إنّه سبحانه وصف قلوبهم بأنّها أشدّ قسوة من الحجارة، وعلّل ذلك بأُمور ثلاثة:
الأوّل: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَار ﴾ . معناه أن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم القاسية فيتفجر منه أنهار الماء أي تفجّر الأنهار من الحجارة، كالعيون الجارية من الجبال الصخرية.
الثاني: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ﴾ ، يعني ومن الحجارة ما يخرج منه الماء فيكون عيناً نابعة لا أنهاراً جارية حتى يكون مخالفاً للأوّل فهو كالعيون الحادثة عند الزلازل المستتبعة للانشقاق والانفجار المستعقب لجريان الأنهار.
الثالث: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ أي ومن الحجارة ما يهبط من خشية الله كهبوط الحجارة من الجبال العالية إلى الأودية المنخفضة من خشية الله.
ولا مانع من أن يكون للهبوط علة طبيعية كالصواعق التي تهبط بها الصخور وعلة معنوية التي كشف عنها الوحي، وهي الهبوط من خشية الله.

وعلى ضوء ذلك فالحجارة على الرغم من صلابتها تتأثر طبقاً للعوامل السالفة الذكر، وأمّا قلوب بني إسرائيل فهي صلبة لا تنفعل أمام وحيه سبحانه وبيان رسوله، فلا تفزع نفوسهم ولا تخشع لأمره ونهيه.
ومن عجيب الأمر أنّ بني إسرائيل رأوا بأمّ أعينهم ليونة الحجارة حيث استسقى موسى (عليه السلام) لقومه، فأمر بأن يضرب بعصاه الحجر، فلمّا ضربه انفجرت منه اثنتا عشرة عيناً بعدد الأسباط، بينما قلوب اليهود لا تخشى ولا تخشع ولا تلين لأنهم عارفون بصدق محمد ثم لا يؤمنون به فقلوبهم أقسى من الحجارة. إنها أشد قسوة من الحجارة، لأن بعض الحجارة تتفجر منها الأنهار، أو تنبع منها المياه أو تسقط من خوف الله لكن قلوب بني إسرائيل أشدّ قسوة من الحجارة، فلا تنفجر منها عاطفة ولا علم، ولا تنبع منها قطرة حبّ، ولا تخفق من خوف الله تعالى.
فقد قوبل فيه بين الحجارة والماء لكون الحجارة يضرب بها المثل في الصلابة والماء يضرب به المثل في اللين فهذه الحجارة على كمال صلابتها يتفجر منها الأنهار على لين مائها وتشقق فيخرج منها الماء على لينه وصلابتها، ولا يصدر من قلوبهم ما يلائم الحق، ولا قول حق يلائم الكمال الواقع.

ثمّ إنّ ظاهر الآية نسبة الشعور إلى الحجارة حيث إنّها تهبط من خشية الله سبحانه، وهذه حقيقة علمية كشف عنها الوحي وإن لم يصل إليها الإنسان بأدواته الحسية.
يقول صدر المتألهين: إنّ الكون بجميع أجزائه يسّبح لله ويحمده ويثني عليه تعالى عن شعور، فلكلّ موجود من هذه الموجودات نصيب من الشعور والإدراك بقدر ما يملك من الوجود من نصيب.
وعلى هذا الشعور تسّبح الموجودات كلّها، خالقها وبارئها وربّها سبحانه وتنزّهه عن كلّ نقص وعيب.

ثمّ يقول: إنّ العلم والشعور والإدراك كلّ ذلك متحقّق في جميع مراتب الوجود، ابتداء من (واجب الوجود) إلى النباتات والجمادات، وانّ لكلّ موجود يتحلّى بالوجود سهماً من الصفات العامة كالعلم والشعور والحياة، و... و... ولا يخلو موجود من ذلك أبداً، غاية ما في الأمر أنّ هذه الصفات قد تخفى علينا ـ بعض الأحيان ـ لضعفها وضآلتها.
على أنّ موجودات الكون كلما ابتعدت عن المادة والمادية، واقتربت إلى التجرد، أو صارت مجردة بالفعل ازدادت فيها هذه الصفات قوة وشدة ووضوحاً، وكلّما ازدادت اقتراباً من المادة والمادية، وتعمّقت فيها، ضعفت فيها هذه الصفات، وضؤلت حتى تكاد تغيب فيها بالمرّة، كأنّها تغدو خالية من العلم والشعور والإدراك، ولكنّها ليست كذلك ـ كما نتوهم ـ إنّما بلغ فيها ذلك من الضعف، والضآلة بحيث لا يمكن إدراكها بسهولة وسرعة (4) وليست هذه الآية هي الفريدة في بابها، بل هناك آيات تؤكد على جريان الشعور في أجزاء العالم من الذرة إلى المجرّة.
يقول سبحانه: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾ (5) .
فإنَّ كل ورقة توحد الله ليلاً وَنهاراً، وَينتشر صوت تسبيحها في البساتين والغابات، وَفوق الجبال وَفي الوديان، إِلاَّ أنَّ الجهلاء لا يفقهون ذلك، وَيعتبرونها جامدة لا تنطق (6) .


(1) - سورة البقرة، الآية: 74.
(2) - سورة البقرة، الآية: 73.
(3) - بحار الأنوار: ج90، ص164.
(4) - الأسفار: 1/118 و 6/139، 140.
(5) - سورة الإسراء، الآية: 44.
(6) - أهم المصادر: مجمع البيان، الأمثل، الأمثال في القرآن.

 

  مناهج التفسير

التفسير الإشاري بين القبول والرفض



هناك منهج اصطلحوا عليه بالتفسير الإشاري وهو نفس التفسير الصوفي، وعرّفوه بأنّ نصوص القرآن محمولة على ظواهرها ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة [1] .

وبعبارة أُخرى: ما يظهر من الآيات بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة.

وبعبارة ثالثة: القائل بالتفسير الإشاري لا ينكر كون الظاهر مراداً، ولكن يقول بأنّ في هذه الظواهر، إشارات إلى معانٍ خفية تفهمه عدّة من أرباب السلوك وأُولو العقل والنهى، وبذاك يمتاز عن تفسير الباطنية فإنّهم يرفضون كون الظواهر مرادة ويأخذون بالبواطن، هذا هو حاصل التفسير الإشاري.

واستدلّ القائلون بالتفسير الإشاري بوجهين:

الأوّل: إنَّ القرآن يدعو إلى التدبّر والتفكّر فيه، ومعنى ذلك هو أَنّ القرآن يحتوي على معانٍ وحقائق لا تدرك بالنظر الأُولى، بل لابدّ من التأمّل والتعمّق حتى يقف الإنسان على إشاراته ورموزه، يقول سبحانه: ﴿ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ [2] .

وقوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً ﴾ [3] .

وقوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [4] .

فهذه الآيات تصف الكافرين بأنّهم لا يكادون يفقهون حديثاً لا يريد بذلك أنّهم لا يفهمون نفس الكلام، لأنّ القوم كانوا عرباً والقرآن لم يخرج عن لغتهم فهم يفهمون ظاهره بلا شك، وإنّما أراد بذلك أنّهم لا يفهمون مراده من الخطاب، فحضّهم على أن يتدبّروا في آياته حتى يقفوا على مقصود الله ومراده، وذلك هو الباطن الذي جهلوه ولم يصلوا إليه بعقولهم [5] .

يلاحظ عليه: أوّلاً: إنَّ الاستدلال بهذه الآيات من الضعف بمكان، فإنّها تدعو إلى التدبّر في نفس المفاهيم المستفاد من ظاهر الآيات وكون القرآن عربياً، وكون القوم عُرباً لا يكفي في فهم القرآن الكريم من دون التدبّر والإمعان، فهل يكفي كون القوم عرباً في فهم مغزى قوله سبحانه: ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [6] ؟

أو في فهم قوله سبحانه: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [7] ؟

أو في فهم قوله سبحانه: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [8] ؟

فالدعوة إلى التدبّر لا يدلّ على أنّ للقرآن وراء ما تفيده ظواهره بطناً.

وثانياً: أنَّه يمكن أن يكون الأمر بالتدبّر هو تطبيق العمل على ما يفهمونه من القرآن، فربّ ناصح يدلي بكلام فيه نصيحة الأهل والولد، ولكنّهم إذا لم يطبقوا عملهم على قول ناصحهم، يعود الناصح إليهم، ويقول: لماذا لا تتدبّرون في كلامي؟ لماذا لا تعقلون؟ مشعراً بذلك أنّكم ما وصلتم إلى ما أدعوكم إليه وإلاّ لتركتم أعمالكم القبيحة وصرتم عاملين بما أدعو إليه.

الثاني: ما دلّ من الروايات على أنّ للقرآن ظهراً وبطناً، ظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق [9] .

يلاحظ عليه: أنّ ما روي عن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بأنّ للقرآن بطناً وظهراً فالحديث فيه ذو شجون.

- المقصود من البطن هو أنّ ما ورد في القرآن حول الأقوام والأُمم من القصص، وما أصابهم من النعم والنقم، لا ينحصر على أُولئك الأقوام، بل هؤلاء مظاهر لكلامه سبحانه وهو يعم غيرهم ممّن يأتون في الأجيال فقوله سبحانه: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [10] وإن كان وارداً في قوم خاص، لكنّها قاعدة كلية مضروبة على الأُمم جمعاء.

- المراد من بطن القرآن هو الاهتداء إلى المصاديق الخفية التي يحتاج الوصول إليها إلى التدبّر، أو تنصيص من الإمام، ولأجل ذلك نرى أنّ علياً (عليه السلام) يقول في تفسير قوله سبحانه: ﴿ وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ﴾ [11] : « إنّه ما قوتل أهلها منذ نزلت حتى اليوم ».

وفي رواية أُخرى قال علي (عليه السلام): « عذرني الله من طلحة والزبير بايعاني طائعين، غير مكرهين، ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته » ثم تلا هذه الآية [12] .

- وهناك احتمال ثالث للبطن، وهو حمل الآية على مراتب مفهومها وسعة معناها واختلاف الناس في الاستفادة منها حسب استعداداتهم وقابلياتهم، لاحظ قوله سبحانه: ﴿ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [13] .

إنّ للآية مراتب ودرجات من التفسير كل يستفيد منها حسب قابليته والكل يستمد من الظاهر، ونظيرها آية النور [14] . فقد خاض المفسرون في تفسير الآية وتطبيقها على موارد مختلفة وكل استفاد من نورها حسب مؤهّلاته وكفاءاته.

وحاصل القول في التفسير الإشاري: إنّ ما يفهمه المفسّر من المعاني الدقيقة إن كان لها صلة بالظاهر فهو مقبول، سواء سمّي تفسيراً على حسب الظاهر أم تفسيراً إشارياً، وعلى كل تقدير فالمفسّر على حجّة من ربّه في حمل الآية على ما أدرك، وأمّا إذا كان مقطوع الصلة عن الظاهر، المتبادر إلى الأذهان، فلا يصح له حمل القرآن عليه إلاّ إذا حصل له القطع بأنّه المراد، وعندئذ يكون القطع حجّة له لا لغيره وإن كان مخالفاً للواقع، ولإيضاح الحال نأتي بأمثلة:

يخاطب سبحانه أُمّ المسيح بقوله: ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ [15] .

فلو قال أحد: إنّه سبحانه هيّأ مقدّمات الولادة ومؤخّراتها لأُمّ المسيح، حتى الرطب في غير فصله من الشجرة اليابسة، ومع ذلك أمرها أن تهُزَّ بجذع النخلة مع أنّ في وسع المولى سبحانه أن يرزقها الرطب بلا حاجة إلى الهز، ـ أمرها بالهزّ ـ هذا لتفهيمها أنّها مسؤولة في حياتها عن معاشها، وأنّه سبحانه لو هيّأ كل المقدّمات فلا تغني عن سعيها وحركتها ولو بالهز بجذع النخلة.

هذا ربما ما يعلق بذهن بعض المفسّرين، ولا بأس به، لأنّ له صلة بالظاهر.

روي أنّه بعدما نزل قوله سبحانه: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾ [16] فرحَ الصحابة وبكى بعضهم فقال: الآية تنعي إلينا برحلة النبي (صلّى الله عليه وآله) [17] وكأنّه فهم الملازمة بين إكمال الدين ورحلة النبي (صلّى الله عليه وآله).

نعم هناك تفاسير باسم التفسير الإشاري لا يصح إسناده إلى الله سبحانه، كتفسير « الم » بأنّ الألف إشارة إلى الله واللام إلى جبرئيل والميم إلى محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فإنّه أشبه بالتفسير بالرأي إلاّ إذا كان هناك نصّ من المعصوم.

ولو صحّ هذا التفسير، فيمكن تفسيره بوجوه كثيرة بأنّ يقال الألف إشارة إلى ألف الوحدانية، واللام إلى لام اللطف، والميم إشارة إلى الملك، فمعنى الكلمة: من وحّدني تلطفت له فجزيته بالملك الأعلى.

وأسوأ من ذلك تفسير قوله سبحانه: ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ [18] بأن يقال: « والجار ذي القربى » هو القلب، « والجار الجنب » هو الطبيعة، « والصاحب بالجنب » هو العقل المقتدي بالشريعة، « وابن السبيل » هو الجوارح المطيعة لله.

فمثل هذا النوع من التفسير يلتحق بتفاسير الباطنية التي مضى البحث فيها.

الخلاصة:

التفسير الفيضي: فهو تأويل الآيات على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات رمزية تظهر لأرباب السلوك من غير دعم بحجة أو برهان.

وبتعبير آخر: التفسير الفيضي يرتكز على رياضة روحية يأخذ بها الصوفي نفسه حتى يصل بها إلى درجة تنهل على قلبه من سحب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف الإلهية، وعلى كل تقدير فتفاسيرهم من غير فرق بين النظري والفيضي مبنية على حمل القرآن على ما يعتقدون به من الأصول والقواعد من دون حجة وبرهان.

نموذج ذلك ما ورد في تفسير التستري حيث يفسر البسملة بالشكل التالي:

الباء: بهاء الله، والسين: سناء الله، والميم: مجد الله، والله: هو الاسم الأعظم الذي حوى الأسماء كلها، وبين الألف واللام منه حرف مكنّى، غيب من غيب إلى غيب، وسر من سر إلى سر [19] .


(1) - سعد الدين التفتازاني: شرح العقائد النسفية: 142.
(2) - سورة النساء، الآية: 78.
(3) - سورة النساء، الآية: 82.
(4) - سورة محمد، الآية: 24.
(5) - التفسير والمفسرون، نقلاً عن الموافقات: 3/382 ـ 383.
(6) - سورة الحديد، الآية: 3.
(7) - سورة الأنبياء، الآية: 22.
(8) - سورة المؤمنون، الآية: 91.
(9) - الكافي: 2/ 598 الحديث 2.
(10) - سورة النحل، الآيات: 112- 113.
(11) - سورة التوبة، الآية: 12.
(12) - البرهان في تفسير القرآن: 1/105.
(13) - سورة الرعد، الآية: 17.
(14) - سورة النور، الآية: 35.
(15) - سورة مريم، الآية: 25.
(16) - سورة المائدة، الآية: 3.
(17) - الآلوسي: روح المعاني: 6/60.
(18) - سورة النساء، الآية: 36.
(19) - المصدر: دروس في مناهج التفسير (جمعية القرآن الكريم) .

 

 

   معجم المفسرين

المفردات في غريب القرآن



المؤلف: العلامة الجامع أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصبهاني المتوفّي (502هـ) وأن العلماء اتفقوا على أنه كان أديباً، مفسراً، لغوياً، محدثاً.

قال الميرزا عبد الله الأفندي: كان من مشاهير حكماء الإسلام، واختلف في كونه شيعياً، والعامة قد صرحوا بكونه من العامة المعتزلة، وبعض الخاصة أيضاً قد صرح بكونه من العامة المعتزلة، ولكن الشيخ حسن بن علي الطبرسي (قده) قد صرّح في آخر كتاب (أسرار الإمامة) بأنه كان من حكماء الشيعة الإمامية.
له تآليف، منها: (المفردات في غريب القرآن) تفسير جامع لما ورد في القرآن الكريم من الكلمات الصعبة.

قال المحدث القمي في (سفينة البحار) قال الراغب الأصبهاني: من كان قصده الوصول إلى جوار الله والتوجه نحوه، كما قال الله تعالى: ﴿ فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ ﴾ ، وكما أشار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (سَافِروا تَغْنَمُوا) فحقه أن يجعل أنواع العلوم كزاد موضوع في منازل السفر فيتناول في كل منزل قدراً لبلغه ولا يعرج على تفصيه واستغراق ما فيه، فإنه لو قضى الإنسان جميع عمره في فن واحد لم يدرك قعره ولم يسبر غوره، وقد نبهنا الله سبحانه على ذلك بقوله: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ ﴾ ، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «العلم كثير فخذوا من كل شيء أحسنه». وكتاب (المفردات) مطبوع ومتداول بين أهل العلم.

منهج الراغب في كتاب «المفردات»: لقد سلك الراغب في كتابه منهجاً بديعاً، ومسلكاً رفيعاً، ينمّ عن علم غزير، وعمق كبير فنجده أولاً يذكر المادة بمعناها الحقيقي، ثم يتبعها بما اشتقّ منها، ثم يذكر المعاني المجازية للمادة، ويبيّن مدى ارتباطها بالمعنى الحقيقي، وهذا أمر لا يقدر عليه إلا من سبر غور اللغة، وخاض في لججها وبحارها، ويذكر على كل ذلك شواهد من القرآن أولاً، ثم من الحديث ثانياً، ثم من أشعار العرب وأقوالهم ثالثاً.
ففي نطاق الآيات يكثر الراغب من الاستشهاد بها على المعنى المراد، كما يورد القراءات الواردة، ثم نراه يفسر القرآن بالقرآن كثيرا، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، ثم يأتي بأقوال الحكماء التي تتفق مع الشريعة.

 

   علوم قرآنية

حصر القراءات



تمهيد:

تقدم الحديث عن مراحل ظهور قراءات القرآن وتطوره إلى القرن الهجري الثالث، وبينا أنَّ قراءة القرآن بلغت أوج ازدهارها بظهور قرّاء ممتازين وبارزين، ونظراً إلى انتشار قراءة القرآن واتساع دائرتها، بدأ في أواخر
ذلك القرن، أي القرن الثالث، تدوين وكتابة قواعد وأصول القراءات، وكذلك تدوين ما يوجد بينها من اختلافات، واستمر تدوين كتب القراءات طيلة القرن الثالث، فبالإضافة إلى ما تمَّ الحديث عنه من عوامل بروز الاختلاف في القراءة، كانت هناك قضية نفسية أخرى أدت إلى ظهور بعض الاختلافات الجديدة، ففي كل دور من الأدوار عندما كان التلاميذ يحلّون محل أساتذتهم ويتربّعون على كرسي القراءة، وينالون منصب شيخ القرَّاء، كانوا يبدأون بممارسة آرائهم وأذواقهم الشخصيَّة في بعض الحالات، لكي يظهروا أنفسهم وكأنهم أصحاب رأي ولا يكتفون بتقليد قراءة غيرهم.

فلمّا كانت المئةُ الثالثة، واتّسع الخرق، وقلّ الضبط، وكان علم الكتاب والسنّة أوفر ما كان في ذلك العصر، تصدّى بعض الأئمة لضبط ما رواه من القراآت، فكان أوّل إمام معتبر جمع القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم بن سلّام (تـ 224هـ) وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئاً مع هؤلاء السبعة وكان بعده أحمد بن جبير بن محمد الكوفي (تـ 258هـ) نزيل أنطاكية، جمع كتاباً في القراءات الخمس من كل مصر واحد، وكان بعده القاضي إسماعيل ابن إسحاق المالكي (تـ 282هـ) ، ألف كتاباً في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماماً منهم هؤلاء السبعة وتوفي، وكان بعده الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري جمع كتاباً حافلاً سماه الجامع جمع فيه نيفاً وعشرين قراءة (تـ 310هـ) ، وكان بعده أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الداجوني (تـ 324هـ) جمع كتاباً في القراءات (1) .

أدّى اختلاف القراءات بين عامّة الناس إلى إيجاد نوع من القلق، ويمكن القول إنَّ الآخرين - عدا الجماعة التي جعلت من القراءة فناً لها - وقد سئموا ذلك الاختلاف وباتوا يترقّبون الفرصة للتخلّص من ذلك الوضع، ووقع في القرن الرابع ما كان يترقّبه الناس، وحصلت ثورة في عالم القراءات.

ابن مجاهد في مسند قراءة القرآن:

أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس (245 - 324هـ) ، مقرىء بغداد الكبير وأول من أضفى صبغة رسمية على القراءات السبع.
أهم أساتذته في القراءة أبو الزعراء عبد الرحمن بن عبدوس، حيث قرأ عليه الكثير من الختمات بقراءة نافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي.
ولم يتردد ابن مجاهد حتى في الأخذ عمّن هم من طبقته كمحمد بن جرير الطبري (تـ 310هـ) وابن ابي داود السجستاني (تـ 316هـ) ، وأبي بكر الداجوني (تـ 324هـ) وحتى عن أبي بكر النقاش (تـ 351هـ) .
وعلى أية حال فإنَّ ابن مجاهد قد ارتقى مدارج الرقي في أوساط بغداد ووصل به الأمر إلى رئاسة قرَّاء عصره.
وقال فيه النحوي الكوفي الشهير ثعلب في سنة 286هـ ما بقي في عصرنا هذا أحد أعلم بكتاب الله من أبي بكر ابن مجاهد.
واستقطب شهرته طلّاب القراءة وجمعتهم حوله، حتى قيل إنه لم يكن من شيوخ القراءات من هو أكثر تلاميذ منه.
فالصدارة العلمية لابن مجاهد وتقربه من زعماء الدولة، قد جعلا منه رجلاً ذا نفوذ بإمكانه أن يؤثر في الحوادث الاجتماعية لعصره.
وكان هذا الرجل من بين الأشخاص الذين لعبوا دوراً مؤثراً في تشكيل محكمة ضد ابن مقسم في 322هـ وابن شنبوذ في 323هـ حول قضايا تتعلّق بالقراءة، وأجبرهما على إعلان التوبة (2) .


ابن مجاهد والقراءات السبع:

كان الاهتمام بالقراءات السبع في آثار القرن 3هـ بمستوى الاهتمام بالقراءات الأخرى، ولم يكن هناك تأكيد خاص عليها، فالكتّاب الذين صنّفوا قبل ابن مجاهد في مجال القراءة كأبي عبيد القاسم بن سلّام، وأبي حاتم
السجستاني، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، ومحمد بن جرير الطبري، قد سجّلوا حوالي 20 قراءة شائعة، ويعد أحمد بن جبير الأنطاكي (تـ 258هـ) أوّل مؤلف معروف حاول أن يختار مثلاً عن كل مدينة من المدن
الخمس وهي المدينة ومكة والكوفة والبصرة ودمشق، باعتبارها مهد القراءات، وقد أورد في مؤلّف له قراءات خمسة قرّاء.
ويمكن أن يعد عمل الأنطاكي مقدمة لطرح القراءات السبع بواسطة ابن مجاهد، إلّا أنَّ ابن مجاهد هو الوحيد الذي أبدى اهتماماً خاصاً بقرّاء الكوفة في عملية انتقائه للقرّاء، وقد اختار ثلاثة قرّاء من الكوفة بدلاً من قارىء واحد (3) .

انتقى ابن مجاهد من كلّ مدينة القارىء الذي يتفق اهلها على ترجيح قراءته على غيرها من القراءات، لكنّه لم يلتزم بهذه القاعدة تجاه الكوفة، فرغم تصريحه بأنَّ قراءة حمزة هي القراءة الغالبة في الكوفة، نجده قد أورد إلى جانبه كُلاً من عاصم والكسائي، ويدل موقف ابن مجاهد إزاء ابن شنبوذ الذي أجاز القراءة خلافاً للمصحف، وابن مقسّم الذي أجاز كلّ قراءة إذا صحّت من الناحية العربيّة حتى لو كان سند تلك الرواية ضعيفاً، على أنَّه كان يعد مخالفة المصحف وضعف السند، من عوامل شذوذ القراءة، وقد أشار في كتاب السبعة مراراً إلى العامل الثالث ؛ أي مخالفة العربيّة (4) . ويتبيّن من دراسة كتاب السبعة أنَّ ابن مجاهد لم يكن مجرّد ناقل للقراءات فحسب بل نجده قد انبرى في كتابه إلى نقد ودراسة القراءات من حيث السند ومن حيث الجانب الأدبي أيضاً.

ومما لا ريب فيه أنَّ رئاسة ابن مجاهد ونفوذه تُعدُّ من العوامل الأساس التي أدّت إلى إرساء قواعد القراءات السبع بين أهل القراءة، حيث تمَّ تأليف عدَّة كتب في القراءات السبع في ذلك النصف الأول من القرن الرابع.
هذا العمل الذي قام به ابن مجاهد في سدِّ باب القراءات، واجه اعتراض جماعة من معاصريه، ولا شك في أنَّ نجاحه في سد باب الاجتهاد في القراءات يعود إلى رهافة حسّه وذكائه في اختيار سبع قراءات، فعددُ القراءات السبع يشبه تماماً عدد المصاحف العثمانيَّة (على أحد الأقوال) ، والأهم من كلّ ذلك، أنه يشبه تماماً الحديث الذي ينص على نزول القرآن على سبعة أحرف، ولهذا السبب لقي إقبالاً عامَّاً كان ابن جبير قد ألَّفَ قَبْلَ ابن مجاهد كتاباً في قراءة القرآن اسمه الثمانية (5) . ولكن سرعان ما طواه النسيان.

قال ابن الجزري: بلغنا عن بعض من لا علم له أنَّ القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة، أو أنَّ الأحرف السبعة التي أشار إليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هي قراءة هؤلاء السبعة، بل غلب كثير من الجهّال أن القراءات الصحيحة هي التي في الشاطبيَّة وفي التيسير وأنها هي المشار إليها بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أُنزل القرآن على سبعة أحرف، حتّى إنَّ بعضهم يُطلق على ما لم يكن في هذين الكتابين أنه شاذ، وكثير منهم يُطلق على مالم يكن عن هؤلاء السبعة شاذاً، وربّما كان كثير مما لم يكن عن هؤلاء السبعة شاذاً، وربّما كان كثير مما لم يكن في الشاطبية والتيسير (6) . وعن غير هؤلاء السبعة أصبح من كثير مما فيهما، وإنما وقع هؤلاء في الشبهة كونهم سمعوا:«أُنزل القرآن على سبعة أحرف»، وسمعوا قراءات السبع، فظنوا أنّ هذه السبع هي تلك المشار إليها، ولذلك كره كثير من الأئمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القرّاء، وخطّأوه في ذلك، وقالوا ألا اقتصر على دون هذا العدد أو زاده، أو بيّن مراده ليخلص من لا يعلم من هذا الشبهة (7) .

وفي النصف الثاني من القرن الرابع عمل تلاميذ ومعاصرو ابن مجاهد على تثبيت ما قام به، فكتب أحد أكابر علماء النحو، وهو أبو علي الفارسي (تـ377هـ) ، شرحاً على كتاب القراءات السبع لابن مجاهد، سماه الحجّة في القراءات السبع ومن بعده دخل ابن خالويه (تـ 370هـ) ، الذي كان من تلاميذ ابن مجاهد في منافسة مع أبي علي فألّف كتاباً بهذا الاسم، وقد استمر هذا السباق الهادف إلى تبيين وتوجيه القراءات السبع في القرن الخامس أيضاً، فكتب أبو محمد مكي بن أبي طالب (355 - 437هـ) كتاب الكشف عن وجوه القراءات السبع عام 424هـ على غرار كتاب الحجّة لأبي علي الفارسي.
وذكر مكّي بأنه قد ألّف قبل الكشف كتاباً موجزاً حول القراءات السبع في عام 391هـ (8) .
وكتب أبو عمرو الداني (تـ 444هـ) كتاب التيسير الذي يُعتبر واحداً من أفضل الكتب في القراءات السبع، ونظمه الشاطبي شعراً سُمّي الشاطبية، وقد ذاع صيت الشاطبية حتى صار فرع «الشرح المنظوم» أكثر شهرة
من الأصل، وقد كُتبت كل هذه الكتب للاحتجاج والاستدلال على القراءات السبع (9) .


(1) - النشر في القراءات العشر: ج1، ص33 - 34.
(2) - دائرة المعارف بزرك اسلامي: ج4، ص54.
(3) - المصدر السابق: ص55.
(4) - بعد أن أصبح ابن مجاهد شيخ القرّاء في بغداد، هبَّ لمواجهة اثنين من القرَّاء المحسوبين من طبقته، وهما محمد بن الحسن بن يعقوب المشهور بابن مقسّم (تـ 354هـ) ، ومحمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ (تـ 328هـ) اللذين كانا من نحاة بغداد وقرّائها فعُقد مجلسان لمحاكمة كل واحد منهما بأمر من ابن مجاهد، وبحضور الوزير ابن مقلة. هذا في حين أن كلاً من ابن مجاهد، وابن مقسّم، وابن شنبوذ ينتمون إلى مدرسة واحدة في القراءة، وهي مدرسة ابن شاذان (أبو الفضل الرازي) وقالوا في سبب تلك المحاكمة أنَّ ابن مقسّم كان يختار من القراءات ما بدا له أصح في العربية، وإن خالف رسم المصاحف العثمانيّة، وأما ابن شنبوذ فلأنه كان يجيز القراءة خلاف ما في المصحف، وبما يوافق ما جاء في قراءتي أُبي وابن مسعود، وقرر ابن مقلة عام 323هـ محاكمة هذين الشخصين بحضور القضاة والفقهاء والقرّاء، وعلى رأسهم ابن مجاهد، وبعد اعتراف ابن شنبوذ بما نسب إليه، جُلِد وحبس بأمر الوزير وأعلن توبته، أما ابن مقسّم فقد اعترف في مجلس المحاكمة بخطئه ... ( مباحث في علوم القرآن: ص251 - 252 ؛ مقدّمة كتاب السبعة: ص8 ؛ التمهيد: ج2، ص232).
(5) - الإبانة عن معاني القراءات: ص90.
(6) - كتاب «التيسير في القراءات السَّبع» لأبي عمرو الداني (تـ 444هـ).
(7) - النشر في القراءات العشر: ج1، ص36.
(8) - مقدّمة الإبانة عن معاني القراءات: ص18؛ الكشف عن وجوه القراءات: ص3.
(9) - دروس في علوم القرآن الكريم: ص157 - 162، (إصدارات جمعية القرآن الكريم).

 

 

استفتاءات قرآنية
لسماحة المرجع آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله)

 


سؤال: قسم مسقوف من أحد المساجد كان قد ترك منذ ثلاثين سنة ولا تقام فيه الصلاة وقد تحوّل الى خربة واتّخذ جزءٌ منه مخزناً، وأخيراً أُجريت بعض الاصلاحات عليه من قبل قوّات التعبئة المستقرّة في هذا القسم
المسقوف منذ 15 عاماً، وكان سبب تلك الاصلاحات هو الوضع غير المناسب الذي كان عليه ذلك البناء، خصوصاً أنّ السقف كان معرّضاً للسقوط، ولمّا كان الاخوة في قوّات التعبئة جاهلين بالأحكام الشرعيّة للمسجد، والذين يعلمون بها لم يرشدوهم فقد قاموا ببناء عدّة غرف في قسم من هذا الجزء من المسجد، وعلى أثر هذه الاصلاحات صُرفت مبالغ كبيرة، وحالياً فإنّ عمليات البناء أشرفت على الإنتهاء، فنرجو بيان الحكم الشرعي في الموارد التالية:
1- على فرض أنّ المتصدّين لهذا العمل وأعضاء الهيئة المشرفة عليه كانوا جاهلين بالمسألة، فهل يعتبرون مسؤولين شرعاً عن النفقات التي صرفت من بيت المال؟ وهل هم مذنبون أم لا؟
2- نظراً إلى أنّ النفقات كانت قد صُرفت من بيت المال، فهل تُجيزون (ما دام المسجد غير محتاج إلى هذا الجزء ولا تقام الصلاة فيه) أن يُنتفع من هذه الغرف - ومع الرعاية التامّة للأحكام والحدود الشرعيّة للمسجد - من أجل القيام بالنشاطات التعليميّة كتعليم القرآن الكريم والأحكام الشرعيّة، وكذلك الاستفادة منها في أمور المسجد؟ أو تجب المبادرة إلى هدم تلك الغرف؟
الجواب: يجب أن يعيدوا القسم المسقوف من المسجد إلى حالته السابقة بهدم الغرف المبنيّة فيه، ونفقات هذا المورد إذا لم يكن هناك تعدٍ وتفريطٍ، وتعمدٍ وتقصيرٍ فليس معلوماً أنّها مضمونة على أحد. والإستفادة من القسم المسقوف من المسجد لعقد حلقات تعليم قراءة القرآن الكريم، والأحكام الشرعيّة، والمعارف الإسلاميّة، وسائر المراسم الدينيّة والمذهبيّة في حال عدم مزاحمتها للمصلين، وتحت إشراف إمام جماعة المسجد، لا إشكال فيها، ويجب أن يتعاون إمام الجماعة، وقوّات التعبئة، وباقي المسؤولين في المسجد، فيما بينهم ليحافظوا على تواجد قوّات التعبئة في المسجد، ولئلّا يقع الخلل في أداء المسجد لوظائفه العباديّة كالصلاة وغيرها.

سؤال: ما هو حكم إذاعة البرامج الخاصّة بسحَر شهر رمضان المبارك (بإستثناء أذان الصبح) بواسطة مكبّر الصوت في المسجد ليسمعها الجميع؟
الجواب: في الأمكنة التي يكون فيها أغلب الناس مستيقظين في ليالي شهر رمضان المبارك لقراءة القرآن الكريم، وتلاوة الأدعية، والمشاركة في المراسم الدينيّة وأمثال ذلك لا إشكال فيه، ولكن إذا سبّب الأذى لجيران
المسجد فهو غير جائز.

سؤال: هل يسمح في المساجد والمراكز بإذاعة الآيات القرآنيّة قبل أذان الصبح، والأدعية بعده بصوت عالٍ جدّاً، بحيث يصل مداه إلى مسافة عدّة كيلو مترات؟ علماً بأنّ ذلك يسّتمر أحياناً أزيد من نصف ساعة؟
الجواب: لا بأس ببثّ الأذان بالنحو المتعارف للإعلان بدخول وقت فريضة الصبح بواسطة مكبّر الصوت، ولكن إذاعة الآيات القرآنيّة، والدعاء وغيرهما في أيّ وقت بواسطة مكبّر الصوت في المسجد إذا كان يسبّب أذيّة للجيران لا مبرّر له شرعاً، بل فيه إشكال. وأساساً لا يصح جلب الأذى للأخرين من خلال إذاعة تلاوة الآيات القرآنيّة والأدعية.

سؤال: من قدر على القيام بعد أن صلّى من جلوس لعذرٍ ما هو حكمه؟
الجواب: من يصلّي من جلوس فإنّ إستطاع القيام للركوع بعد قراءة الحمد والسورة يجب عليه القيام والركوع عن قيام.

سؤال: ما هو حكم صلاتنا إذا لم تكن القراءة فيها جهراً؟
الجواب: يجب على الرجال قراءة الحمد والسورة جهراً في صلاة الصبح والمغرب والعشاء وتبطل صلاتهم بتعمّد الإخفات، ولكن تصحّ لو كان الإخفات سهواً أو جهلاً.

سؤال: إذا أردنا الإتيان بصلاة الصبح قضاءً، فهل يجب أن تُقرأ جهراً أو إخفاتاً؟
الجواب: يجب الجهر في قراءة الحمد والسورة في صلاة الصبح والمغرب والعشاء أداءً وقضاءً، وفي كلّ حال حتّى وإن كان قضاؤها في النهار فلو لم يجهر بها بطلت صلاته (1) .


(1) - استفتاءات قرآنيَّة: اصدار جمعية القرآن الكريم، ص41.

 

 

   قصص قرآنية

فتح مكّة والعفو والرحمة المحمّديّة

 


يقول سبحانه: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾

فتح مكّة فتح في الواقع صفحة جديدة في تاريخ الإسلام، ودحر الأعداء بعد عشرين عاماً من المقاومة. وتطهرت أرض الجزيرة العربية من الشرك والأوثان، والإسلام تأهب لدعوة بقية أصقاع العالم.

ملخص الواقعة على النحو التالي:

بعد صلح الحديبية، عمد المشركون إلى نقض العهد، وإلى خرق بنود وثيقة الصلح، واعتدوا على المتحالفين مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فشكى المتحالفون ذلك إلى الرسول، فقرر النّبي أن يهب لحمايتهم.
من جهة أُخرى، الظروف في مكّة ـ حيث مركز الوثنية والأصنام والشرك والنفاق ـ توفرت لتطهيرها. وهذه مهمّة كان لابدّ من أدائها في وقت من الأوقات. لذلك استعد النّبي للحركة بأمر الله سبحانه صوب مكّة.
فتح مكّة تمّ في ثلاث مراحل. المرحلة التمهيدية وفيها تمّ تعبئة القوى اللازمة واختيار الظروف الزمانية المساعدة، وجمع المعلومات الكافية عن العدوّ، والمرحلة الثّانية كانت فتح مكّة باسلوب ماهر خال من التلفات.
والمرحلة الأخيرة هي مرحلة عطاء الفتح وآثاره.
1 ـ هذه المرحلة اتصفت بالدقّة المتناهية . ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سيطر على الطريق بين مكّة والمدينة سيطرة تامّة حتى لا يسرب خبر هذا الإستعداد الإسلامي إلى مكّة، ولكي يتمّ الفتح بشكل مباغت. وهذا أدى إلى فتح مكّة دون إراقة دماء تقريباً.
انقطاع أخبار المدينة عن مكّة كان متقناً، حتى أن نفراً من ضعاف الإيمان اسمه «حاطب بن أبي بلتعة» كتب رسالة إلى قريش يخبرهم بأمر المسلمين في المدينة، وبعثها بيد امرأة من قبيلة «مزينة» اسمها «كفود»، أو«سارة». فعلم بها النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بطريق إعجازي، وبعث عليّاً (عليه السلام) إلى المرأة، فوجدها في منزل بين مكّة والمدينة. أخذ منها الرسالة وأعادها إلى المدينة، وقد أوردنا قصّتها في تفسير الآية الأولى من سورة الممتحنة.

النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استخلف أحد المسلمين على المدينة، وتوجه في العاشر من رمضان سنة ثمان للهجرة إلى مكّة، ووصلها بعد عشرة أيّام.
في الطريق التقى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعمّه العباس وهو يهاجر من مكّة إلى المدينة. فطلب منه النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرسل متاعه إلى المدينة ويلتحق بالمسلمين، وأخبره بأنّه آخر مهاجر.

2 ـ وصل المسلمون إلى مشارف مكّة وعسكروا عند «مرّ الظهران» على بعد عدّة كيلومترات من مكّة. وفي الليل أشعلوا نيران كثيرة لإعداد الطعام (ولعلهم فعلوا ذلك لإثبات تواجدهم الواسع) . رأى جمع من أهل
مكّة هذا المنظر فتحيروا.
أخبار الزحف الإسلامي كانت لا تزال خافية على قريش في تلك الليلة خرج «أبو سفيان» ومعه عدد من سراة قريش للإستطلاع خارج مكّة. وفي نفس الليلة قال العباس عم النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : يا سوء
صباح قريش. والله لئن باغتها رسول الله في ديارها فدخل مكّة عنوة إنّه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. فاستأذن رسول الله وخرج على بغلته لعله يرى أحداً متجهاً إلى مكّة فيخبرهم بمكان رسول الله فيأتونه فيستأمنونه.

وبينما العباس يطوف بأطراف مكّة إذ سمع صوت أبي سفيان ومعه القرشيون الذين خرجوا يتجسّسون. فقال: أبوسفيان: ما رأيت نيراناً أكثر من هذه! فقال له أحد مرافقيه: هذه نيران خزاعة. فقال أبوسفيان: خزاعة أذلّ من ذلك. نادى العباس أبا سفيان، فسأله أبوسفيان على الفور: ما وراءك؟ قال العباس: هذا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسلمين أتاكم في عشرة آلاف.
قال أبوسفيان: ما تأمرني؟
أجابه العباس: تركب معي فأستأمن لك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فوالله لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك.
فخرجا يركضان نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكلما مرّا بنار من نيران المسلمين يقولون: عم رسول الله على بغلة رسول الله. (أي إن المارّ ليس بغريب) . حتى مرّا بنار عمر بن الخطاب. فما أن أبصر به عمر حتى قال له: أبوسفيان! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد!
دخل العباس وأبوسفيان على رسول الله وتبعهما عمر فدخل أيضاً وقال للرسول: يا رسول الله هذا أبوسفيان عدوّ الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعني اضرب عنقه. فقال العباس: يا رسول الله إني قد أجرته.

وكثر الكلام بين العباس وعمر فقال رسول الله للعباس: إذهب فقد أمنّاه حتى تغدو علّي به بالغداة.
فلما كان من الغدِ جاء العباس بأبي سفيان إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فلما رآه قال: ويحك يا أباسفيان! «ألم يأنِ لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟».
قال: بلى، بأبي أنت وأمي لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنّي شيئاً.

فقال النّبي: «ويحك ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول الله؟» فقال: بأبي أنت وأمي، أما هذه ففي النفس منها شيء. فقال: له العباس: ويحك تشهّد شهادة الحق قبل أن تضرب عنقك! فتشهّد.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للعباس: «إذهب فاحبس أباسفيان عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى تمرّ عليه جنود الله».
قال العباس: يا رسول الله إن أباسفيان يحب الفخر فاجعل له شيئاً يكون في قومه.
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن... ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن».
خرج العباس وأجلس أبا سفيان عند خطم الجبل فمرّت عليه القبائل، فيقول له العباس: هذه أسلم... هذه جهينة... حتى مرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتيبته الخضراء مع المهاجرين والأنصار متسربلين بالحديد لا يُرى منهم إلا حدق عيونهم. فقال: ومن هؤلاء؟ قال العباس: هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المهاجرين والأنصار.
فقال أبوسفيان: لقد أصبح مُلك ابن أخيك عظيماً. قال العباس: ويحك إنّها النبوة. فقال: نعم إذن. ثمّ قال له العباس: الحق بقومك سريعاً فحذّرهم. فخرج حتى أتى مكّة فصرخ في المسجد: يامعشر قريش هذا محمّد قد جاءكم بما لا قِبَل لكم به. ثمّ قال: مَن دخل داري فهو آمن. ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن... وقال: يا معشر قريش أسلموا تسلموا. فاقبلت امرأته هند فأخذت بلحيته وقالت: يا آل غالب اقتلوا هذا الشيخ الأحمق.
فقال: أرسلي لحيتي واقسم لئن أنت لم تُسلمي لتُضربن عنقك، ادخلي بيتك! فتركته.

ثمّ بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع جيش المسلمين منطقة «ذي طوى» وهي مرتفع يشرف على بيوت مكّة. فتذكر الرسول ذلك اليوم الذي خرج فيه مضطراً متخفياً من مكّة. وها هو يعود إليها
منتصراً،فوضع رأسه تواضعاً لله وسجد على رحل ناقته شكراً له سبحانه.
ثمّ ترجّل النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في «الحجون» إحدى محلات مكّة، وفيها قبر خديجة(عليها السلام)، واغتسل، ثمّ ركب ثانية بجهاز الحرب ودخل المسجد الحرام وهو يتلو سورة الفتح. ثمّ كبر وكبر
جند الإسلام معه، فدوّى صوت التكبير في أرجاء مكّة.
ثمّ نزل من ناقته، واقترب من الكعبة، وجعل يُسقط الأصنام واحداً بعد الآخر وهو يقول: ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ .
وكان عدد من الأصنام قد نصب فوق الكعبة، ولم تصل إليها يد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فأمر عليّاً أن يصعد على كتفه المباركة ويرمي بالأصنام فامتثل علي أمر الرسول.
ثمّ أخذ مفاتيح الكعبة، وفتحها ومحا ما كان على جدرانها من صور الأنبياء.

3 ـ بعد الانتصار الرائع السريع أخذ رسول الله حلقة باب الكعبة، وتوجّه إلى أهل مكّة وقال لهم:يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فانتم الطلقاء.
وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جيشه أن لا يتعرضوا لأحد، وأن لا يريقوا دم أحد. وأمر فقط بقتل ستة أفراد ـ حسب الرّوايات ـ ممن كانوا خطرين ومتوغلين في عدائهم للإسلام. وحين بلغه أن سعد بن عبادة
ـ وهو أحد حملة الوية الجيش الإسلامي ـ يصيح: اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرمة. أمر عليّاً (عليه السلام) أن يأخذ منه الرّاية ويدخل بها مكّة دخولا رقيقاً ويقول: اليوم يوم المرحمة!!
وبهذا الشكل فتحت مكّة دون إراقة دماء وكان لعفو الرسول ورحمته الأثر الكبير في القلوب، فدخل النّاس في دين الله أفواجاً. ودوّى خبر الفتح في أرجاء الجزيرة العربية وذاع صيت الإسلام، وتعززت مكانة المسلمين
(1) .
وجاء في كتب التاريخ أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما وصل الكعبة قال: لا إله إلا الله وحده وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مال أو مأثرة أو دم تدعى فهو تحت قدمي
هاتين!... (وبذلك الغى كل مخلفات الجاهلية وطوى جميع ملفاتها) .
هذا المشروع الإسلامي الجبار اقترن بالعفو العام، لينقل قبائل الجزيرة العربية من ماضيهم المظلم إلى نور الإسلام بعيداً عن كل ألوان الصراع والتخبط الجاهلي.
وهذا ساعد كثيراً على انتشار الإسلام واصبح قدوة لحاضرنا ومستقبلنا (2) .
اللّهمّ! نسألك أن تعيد للمسلمين عزّتهم وعظمتهم في ظلّ الإقتداء بسنّة رسولك المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم). ربّنا! اجعلنا في زمرة السائرين الحقيقيين على نهج نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم).
اللّهمّ وعجل فرج وليك لإقامة حكومة العدل الاسلاميّة ونشر رايتها في العالم ليدخل النّاس طواعية في دين الله أفواجاً. آمين يا ربّ العالمين.


(1) - بتلخيص عن الكامل لا بن الأثير، ج2، وتفسير مجمع البيان، تفسير سورة النصر.
(2) - الأمثل:ج20، ص523.



 

   القرآن في نهج البلاغة

القرآن دَوَاءُ دَائِكُمْ



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة (1) له: «أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ وَاِنْتِقَاضٍ مِنَ اَلْمُبْرَمِ فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَاَلنُّورِ اَلْمُقْتَدَى بِهِ ذَلِكَ اَلْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَلَنْ يَنْطِقَ وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَلاَ إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي وَاَلْحَدِيثَ عَنِ اَلْمَاضِي وَدَوَاءَ دَائِكُمْ وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ».

الشرح:

روى الكلينيّ في (الكافي) باب الرد إلى الكتاب والسنة عن محمّد بن يحيى عن بعض أصحابه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) أيّها النّاس إنّ الله تبارك وتعالى أرسل إليكم الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنزل عليه الكتاب وأنتم أميّون عن الكتاب ومن أنزله وعن الرّسول ومن أرسله على حين فترة من الرّسل، وطول هجعة من الأمم... فجاءهم (صلى الله عليه وآله وسلم) بنسخة ما في الصحف الأولى وتصديق الذي بين يديه وتفصيل الحلال من ريب الحرام، ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم اخبركم عنه أنّ فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة وحكم ما بينكم وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلّمتكم.

«أَرْسَلَهُ » أي محمّدا (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسله إلى الناس أجمعين رحمة للعالمين، بكتاب كريم، قد فضله وفصله وبينه وأوضحه وأعزه، وحفظه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، تنزيل، من حكيم
حميد «عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُل» أي في زمان فتور منهم وانقطاع الوحي عنهم واندراس معالم دينهم، وذلك أنّ الرسل إلى وقت رفع عيسى (عليه السلام) كانت متواترة وبعد رفعه (عليه السلام) انقطع الوحي
والرّسالة خمسمأة سنة على ما في بعض الروايات ثمّ بعث الله محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما قيّد (عليه السلام) نعمة الإرسال والانزال بتلك الحال وما يتلوها من الأحوال بيانا للواقع وإظهارا لجلالة تلك النعمة وجزالة تلك الموهبة حسبما أشرنا إليه فإنّ النعمة يتزايد قدرها بحسب تزايد منافعها، ولا ريب أنّ خلوّ الزمان عن الرّسول يستلزم ظهور الفساد والشّرور وانتشار البغي والفجور وكثرة الهرج والمرج، وتلك أحوال مذمومة وأفعال مشئومة توجب تبدّل النّظام واختلال الأحكام والانهماك في الجهالات والتّورّط في الضّلالات ولحوق الذّم بهم بمقدار ما يلحقهم من المدح في حال الطاعة والقيام بوظايف العبادة المتفرّعة على وجود الدليل وبعث الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) «وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ» أي غفلتهم واعراضهم عن الله وأحكامه استعار لفظ الهجعة التي هي عبارة من النّوم في اللّيل لانغماسهم في ظلمة الجهالة والضّلالة، ورشحها بذكر الطول الذي هو من ملايمات المستعار منه.

«وَاِنْتِقَاضٍ مِنَ اَلْمُبْرَمِ» أي: حلّ الحبلين اللذين فتلا فجعلا واحدا، والمراد نقض الديانات الإلهية. المبرم المحكم وقد أشار به إلى ما كان الخلق عليه من استحكام أمورهم بمتابعة الأنبياء وأراد بانتقاضه فساده.
«فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» أي: التوراة والإنجيل والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (3) مِن قَبْلُ هُدىً لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ ﴾ (2) . وقال سبحانه: ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ ﴾ (3) ، وقال سبحانه: ﴿ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ ﴾ (4) ، وقال سبحانه: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ (5) .

وقال سبحانه: ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ (6) . وقال سبحانه: ﴿ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ (7) ، ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ (8) ، وقال سبحانه: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً ﴾ (9) .

وأما نسخه لبعض ما فيهما فلا ينافي تصديقه لما فيهما. فالقرآن ينسخ بعضه بعضا والنسخ أيضا نوع تصديق كما أنَّ نسخ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لشرائع من تقدّم عليه من الرسل لا ينافي تصديقه لهم وكيف لا والكافر بموسى وعيسى عليهما السلام كافر به.

«وَاَلنُّور» عطف على ( تصديق) «اَلْمُقْتَدَى بِه» فالنور يقتدى به ليهتدى به كما الإمام هو المقتدى به ليهتدى به «ذَلِكَ » مبتدأ «اَلْقُرْآنُ » خبره «فَاسْتَنْطِقُوهُ » بالنطق المعنوي «وَلَنْ يَنْطِقَ » نطقاً ظاهراً
كبشر ينطق.
«وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ » كان (عليه السلام) يخبر عن التوراة والإنجيل والزبور كما يخبر عن القرآن ذكر الثعلبي في تفسير قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ (10) عن زاذان قال: قال علي (عليه السلام) : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم والذي نفسي بيده ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلاّ وأنا أعرف له آية تسوقه إلى الجنّة أو تقوده إلى النار، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين فما آيتك التي أنزلت فيك ؟ فقال: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ (11) فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على بيّنة وأنا شاهد منه (12) .

«أَلاَ إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي وَاَلْحَدِيثَ عَنِ اَلْمَاضِي » كقوله (عليه السلام) (وفي القرآن نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم) .
«وَدَوَاءَ دَائِكُمْ » قالوا لاشتماله على الفضائل العلمية والعملية التي بها يحصل اصلاح النفوس والشفاء من الأمراض النفسانية.
«وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ » إشارة إلى ما اشتمل عليه من القوانين الشرعية والحكم السياسية التي بها نظام العالم، قال تعالى: ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (13) .

عن الإصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال: والذي بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بالحق وأكرم أهل بيته ما من شيء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابة من صاحبها (14) أو ضالة أو آبق إلا وهو في القرآن، فمن أراد ذلك فليسألني عنه، قال: فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عما يؤمن من الحرق والغرق؟ فقال: اقرأ هذه الآيات، ﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾ (15) ، ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ (16) ، فمن قرأها فقد أمن الحرق والغرق قال: فقرأها رجل واضطرمت النار في بيوت جيرانه وبيته وسطها فلم يصبه شيء ثم قام إليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين إن دابتي استصعبت علي وأنا منها على وجل فقال: اقرأ في اذنها اليمنى، ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ (17) ، فقرأها فذلت له دابته وقام إليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين إن أرضي أرض مسبعة وإن السباع تغشى منزلي ولا تجوز حتى تأخذ فريستها(18) فقال: اقرأ، ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ (19) ، فقرأهما الرجل فاجتنبته السباع ثم قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين إن في بطني ماء أصفر (20) فهل من شفاء؟ فقال: نعم بلادرهم ولا دينار ولكن اكتب على بطنك آية الكرسي وتغسلها وتشربها وتجعلها ذخيرة في بطنك فتبرأ بإذن الله عزّ وجل ففعل الرجل فبرأ بإذن الله ثم قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الضالة؟ فقال: اقرأ يس في ركعتين وقل: يا هادي الضالة رد علي ضالتي ففعل فرد الله عزَّوجل عليه ضالته ثم قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الآبق فقال: اقرأ، ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴾ (21) ، فقالها الرجل فرجع إليه الآبق ثم قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن السرق فإنه لا يزال قد يسرق لي الشيء بعد الشيء ليلا؟ فقال له: اقرأ إذا أويت إلى فراشك، ﴿ قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ﴾ (22) ، ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : من بات بأرض قفر فقرأ هذه الآية، ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ (23)» حرسته الملائكة وتباعدت عنه الشياطين، قال: فمضى الرجل فإذا هو بقرية خراب فبات فيها ولم يقرأ هذه الآية فتغشاه الشيطان وإذا هو آخذ بخطمه (24) فقال له صاحبه: أنظره واستيقظ الرجل فقرأ الآية فقال الشيطان لصاحبه: أرغم الله أنفك أحرسه الآن حتى يصبح، فلما أصبح رجع إلى أميرالمؤمنين (عليه السلام) فأخبره وقال له: رأيت في كلامك الشفاء والصدق، ومضى بعد طلوع الشمس فإذا هو بأثر شعر الشيطان مجتمعاً في الأرض (25) .

نعوذ بالله من متابعة الشيطان، والقيام في مقابل الرحمن، مع وضوح الحقّ، وهداية البرهان (26) .


(1) - من الخطبة: 15.
(2) - سورة آل عمران، الآية: 3.
(3) - سورة يونس، الآية: 37.
(4) - سورة الجاثية، الآية: 20.
(5) - سورة الانعام، الآية: 92.
(6) - سورة البقرة، الآية: 97.
(7) - سورة فاطر، الآية: 31.
(8) - سورة الاحقاف، الآية: 30.
(9) - سورة المائدة، الآية: 48.
(10) - سورة هود، الآية: 17.
(11) - سورة هود، الآية: 17.
(12) - ذكر الطوسي ما يشابهه في «الأمالي » في المجلس الثالث عن رقم 800.
(13) - سورة يوسف، الآية: 111.
(14) - في بعض النسخ [أو شرق أو افلات دابة] والافلات والانفلات: التخلص من الشيء فجأة من غير تمكث.
(15) - سورة الأعراف، الآية: 196.
(16) - سورة الزمر، الآية: 67.
(17) - سورة آل عمران، الآية: 83.
(18) - الفربسة: ما افترسه السبع.
(19) - سورة التوبة، الآيتان: 128 ـ 129.
(20) - هو الصفراء التى تدفع من المثانة ممزوجة بالبول.
(21) - سورة النور، الآية: 40.
(22) - سورة الاسراء، الآيتان: 110 - 111.
(23) - سورة الاعراف، الآية: 54.
(24) - في القاموس: الخطم من كل طائر منقاره ومن كل دابة مقدم أنفه وفمه.
(25) - دل على أن الشيطان جسم له شعر ويمكن أن يراد بالشعر شعر ذلك الرجل الساقط منه بجذب الشيطان واضافته إليه لادنى ملابسة (لح) .
(26) - بقلم: الشيخ فادي الفيتروني.

 

 

   الأخلاق في القرآن

 


عموميّة التوبة:

لا تختص التّوبة بذنب من الذنوب، أو شخص من الأشخاص، ولا تتحدّد بزمان ولا مكان ولا عمر محدد.
وعليه فإنّ التّوبة تشمل جميع الذّنوب وتستوعب كلّ فرد في أي مكان أو زمان كان، وإذا ما احتوت على كلّ الشّروط، فستُقبل من قبل الباري تعالى، والاستثناء الوحيد الذي لا تُقبل فيه التّوبة، والذي أشار إلى القرآن الكريم، هو: التّوبة عند حضور الموت، أو نزول العذاب الإلهي، (كما تاب فرعون في آخر لَحَظات عمره) ، فعندها لن تُقبل توبته، لأنّ التّوبة عندها ليست توبةً حقيقيّةً، ولا هي صادرةٌ من الشّخص من موقع الإختيار، فيقول الباري تعالى: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ (1) .
ونقرأ في قصّة فرعون: عندما انفلق البحر لموسى(عليه السلام) ، وتبعه فرعون وجنوده، واُغرِق فرعون، فقال:
﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (2) .
ولكنّه سمع الجواب مباشرةً، فقال تعالى: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (3) .
وأمّا بالنسبة للأُمم السّابقة، فقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴾ .
فأجابهم القرآن الكريم: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ﴾ (4) .

وكذلك بالنّسبة للحدود الإلهيّة، عندما يقع المجرم في أيدي العدالة، فلن تقبل توبته، لأنّه لم يتب واقعاً بل خوفاً من العقاب لا غير.
فالتّوبة التي لا تقبل من الباري تعالى، هي التّوبة التي تخرج من شكلها الإختياري في مسيرة الإنسان.
وقال البعض: توجد ثلاثة موارد اُخرى لا تقبل فيها التوبة:
الأول: «الشّرك»، حيث يقول القرآن الكريم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ (5) .

ولكن هذا الأمر يبتعد عن الصّواب و الصّحة، بل أنّ الآية لم تتكلم عن التّوبة، ولكنّها تحدثت عن العفو عن المشرك من دون توبة، وإلاّ فانّ كلّ الأشخاص قبل الإسلام، تابوا من شركهم وقبلت توبتهم، وكذلك كلّ من يدخل في الإسلام في عصرنا الحاضر، فتوبته مقبولةٌ عند جميع علماء المسلمين، ولكن إذا مات المُشرك وهو على شِركه، فلن يتوب الله تعالى عليه، أمّا في حالة أن يموت على التّوحيد، ولكنّه قد ارتكب ذنوباً في سالف حياته، فمن الممكن أن يعفو عنه الله تعالى، وهذا ما نستوحيه من مفهوم الآية الكريمة.
وخلاصة القول، أنّ المشركين لن يشملهم العفو الإلهي المنفتح على الخلق، بل هو للمؤمنين الموحّدين، والتّوبة تغفر كلّ الذنوب حتى الشّرك.
ثانياً وثالثاً: يجب أن تكون التّوبة مُباشرةً بعد الذنب، ولا تؤخّر إلى وقت بعيد، وكذلك يجب أن يكون إرتكاب الذنب عن جهالة لا عن عناد، ونقرأ في الآية (17) من سورة النساء: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ .

والجدير بالملاحظة، أنّ كثيراً من المفسّرين، حملوا هذه الآية على التّوبة الكاملة، لأنّه من الطّبيعي، عندما يُذنب الإنسان من موقع العناد والغيّ، ثم يتوجّه لحقيقة الحال، ويندم على أفعاله السّابقة، فإنّ الباري تعالى يتوب عليه، وقد حدّثنا التأريخ عن نماذج كثيرةً وأفراداً كانوا في صفوف المُعاندين والأعداء، ثم رجعوا عن غيّهم وتابوا، وعادوا إلى حضيرة الإيمان والصّلاح.
ومن المعلوم حتماً، لو أنّ الإنسان أمضى عمره بالذّنوب والعصيان، ولكن تاب بعدها توبةً نصوحاً، وتحول من دائرة المعصية والإثم، إلى دائرة الطّاعة والإيمان، فإنّ الله تعالى سيقبل توبته لا محالة.
ونقرأ في الحديث المشهور عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنّه قال: «مَنْ تابَ إِلى اللهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِسَنَة تابَ اللهُ عَليهِ، وَقَالَ: ألا وَسنَةُ كَثِير، مَنْ تابَ إِلى اللهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِشَهْر تابَ اللهُ عَلَيهِ، وَقَالَ: شَهْرُ كَثِيرٌ، مَنْ تابَ إِلى اللهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِجُمْعَة تابَ اللهُ عَلَيهِ، قَالَ: وَجُمْعَةُ كَثيرٌ، مَنْ تابَ إِلى اللهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِساعَة تابَ اللهُ عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَساعَةُ كَثِيرٌ، مَنْ تابَ إِلى اللهِ قَبْلَ أنْ يُغَرغِرَ بِالمَوتِ تابَ اللهُ عَلَيهِ» (6) .
وطبعاً القصد منه، التّوبة بجميع شرائطها، فمثلاً إذا كان في عنقه حقوق الناس فعليه أن يوصي بها لمن هو بعده، ثم يتوب بعدها.

وتوجد آياتٌ كثيرةٌ، تدلّ على شمولية التوبة لجميع الذّنوب، ومنها:
1 ـ نقرأ في الآية (53) من سورة الزمر: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ .
2 ـ نقرأ في الآية (39) من سورة المائدة: ﴿ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
3 ـ نقرأ في الآية (54) من سورة الأنعام: ﴿ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
ففي هذه الآية نرى، أنّ سوء العمل مطلقٌ ويشمل كلّ الذّنوب، ومع ذلك فلا تُحجب عنه التّوبة وطريق العودة.
4 ـ نقرأ في الآية (135) من سورة آل عمران: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
وهنا الظّلم أيضاً يشمل جميع الذنوب، لأنّ الظلم مرّة يقع على الغير واُخرى على النفس، ووعدت هذه الآية، جميع المذنبين بالتّوبة عن جميع ذنوبهم وآثامهم، في إطار الذّكر والإستغفار.
5 ـ نقرأ في الآية (31) من سورة النّور، حيث خاطبت جميع المؤمنين: ﴿ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
فكلمة «جميعاً» تدعو جميع المذنبين للتوبة، ولولا شموليّة وعموميّة التّوبة، لما صحّت هذه الدّعوة القرآنية.

والجدير بالملاحظة، أنّ الآيات المذكورة آنفاً، مرّةً تؤكّد على الإسراف، واُخرى على الظّلم، ومرّةً على سوء العمل، والوعد الإلهي بالمغفرة لجميع هذه العناوين، في حال إنضوائها تحت عنوان التّوبة، عن كل سوء وظلم وإسراف يقترفه الإنسان ويتوب منه، فإنّ الله تعالى سيتوب عليه.
ووردت رواياتٌ كثيرةٌ في هذا المجال، في مصادر الفريقين، السّنة والشّيعة، وأنّ باب التّوبة مفتوح حتى اللّحظات الأخيرة من العُمر، ما لم يرى الإنسان الموت بعينه.
ويمكن الرجوع إلى الرّوايات في كتب، مثل: بحار الأنوار (7) ، واُصول الكافي(8) ، والدرّ المنثور (9) ، وكنز العمّال (10) ، وتفسير الفخر الرازي (11) ، وتفسير القُرطبي (12) ، وتفسير روح البيان (13) ، وتفسير روح المعاني (14) . وكتب اُخرى، ويمكن القول أنّ هذا الحديث هو من الأحاديث المتواترة (15) .


(1) - سورة النّساء، الآية: 18.
(2) - سورة يونس، الآية: 90.
(3) - سورة يونس، الآية: 91.
(4) - سورة غافر، الآيتان: 84 و 85.
(5) - سورة النّساء، الآية: 48.
(6) - مستدرك الوسائل: ج12، ص145، (باب صحة التوبة في آخر العمر، ح5) .
(7) - بحار الأنوار: ج6، ص19 و ج2، ص440.
(8) - اُصول الكافي: ج2، ص440.
(9) - الدرّ المنثور: ج2، ص131.
(10) - كنز العمّال: ح10187 و 10264.
(11) - تفسير الفخر الرازي: ج10، ص 7، في ذيل الآية أعلاه.
(12) - تفسير القرطبي: ج3، ص166، في ذيل الآية أعلاه.
(13) - تفسير روح البيان: ج2، ص178، ذيل الآية أعلاه.
(14) - تفسير روح المعاني: ج4، ص233.
(15) - الأخلاق في القرآن: 196.

 

   الجهاد في القرآن الكريم

عوامل الانتصار في الجهاد



قال الله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ (1) .

الإشارة إلى محل البحث:

إنّ أبا سفيان بعدما استطاع النجاة بقافلة قريش التجارية من مواجهة المسلمين، أرسل مبعوثاً إِلى قريش الذاهبين إِلى ساحة بدر ودعاهم إِلى العودة، لأنّه رأى أن لا حاجة إِلى القتال، لكن أبا جهل هذا المغرور والمتعصب والمتكبر أقسم أن لا يرجعوا حتى يبلغوا أرض بدر «وكانت بدر قبل هذه المعركة من مراكز اجتماع العرب، وتقام فيها سوق تجارية كل عام» ويمكثوا فيها ثلاثة أيّام، وينحروا الإِبل ويأكلون ما يشتهون ويشربون الخمر، وتغني لهم المغنيّات، حتى يسمع جميع العرب بهم وتثبت بذلك قوتهم وقدرتهم!...
لكن أمرهم آل إِلى الهزيمة فشربوا كؤوس المنايا المترعة بدلا من كؤوس الخمر، وجلست المغنيات ينُحن على جنائزهم!!
والآيات محل البحث تشير إِلى هذا الموضوع، وتنهى المسلمين عن مثل هذه الأعمال، وتضع لهم تعاليم جديدة في شأن الجهاد.

ستة أوامر في شأن الجهاد:
وبصورة عامة فإنّ في الآيات محل البحث ستة أوامر للمسلمين هي:
1 ـ الثبات في مواجهة العدو: تقول الآية أوّلاً: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ﴾ أي أن إحدى علائم الإِيمان هي ثبات القدم في جميع الأحوال، وخاصّة في مواجهة الأعداء (2) ، نستفيد هنا أمرين:
أ- ضرورة ثبات المؤمنين عند لقاء العدو: كلمة (لقاء) المستفادة من ﴿ لَقِيتُمْ  ﴾ يكثر استعمالها في القتال. والفئة بمعنى الجماعة «جماعة المقاتلين» والمراد منها هنا الكفّار الحربيين أو الباغين (3) . (الثبات) في هذا المورد عكس الفرار من العدو، والثبات بحسب ما له من المعنى أشمل من الصَّبر الذي يأمر به في قوله: ﴿ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ .
عبارة﴿ فَاثْبُتُواْ ﴾ أمر بمطلق الثّبوت أمام العدو، وعدم الفرار منه (4) . ووجوب الاستقامة في هذه الآية لا يتنافى مع الآية 16 من سورة الأنفال -آية التحرّف والتحيّز أو آية تكتيكات المواجهة: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ ، فهذه الآية توجب الثبات في الجملة، وآية التحرّف والتحيّز لا تعني عدم الثبات في الميدان، بل هي تجيز اللجوء إلى نوعين من أنواع القتال، ولا يتعارض ذلك مع الثبات، بل إنّ الثبات لا يحصل -في تلك الظروف- إلا بالتحرُّف والتحيُّز (5) .
ب - الثبات في مقابل العدو من لوازم الإيمان الواقعي بالله: المخاطب في هذه الآية هم المؤمنون، وفيه دلالة على أنّ الثبات في مقابل العدوّ من شروط الإيمان (6) ، بمعنى أنّ ثبات القدم في جميع الميادين خاصّة في القتال مع أعداء الحقّ من العلامات البارزة للإيمان (7) .

2 ـ كثرة ذكر الله تعالى: يقول سبحانه: ﴿ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
ولا ريب أنّ المراد من ذكر الله هنا ليس هو الذكر اللفظي فحسب، بل حضور القلب، وذكر عِلمه تعالى وقدرته غير المحدودة ورحمته الواسعة، فهذا التوجه إِلى الله يقوّي من عزيمة الجنود المجاهدين، ويُشعر الجندي بأنّ سنداً قويّاً لا تستطيع أية قدرة في الوجود أن تتغلب عليه يدعمهُ في ساحة القتال. وإذا قُتل فسينال السعادة الكبرى ويبلغ الشهادة العظمى، وجوار رحمة الله، فذكر الله يبعث على الإِطمئنان والقوّة والقدرة والثبات في نفسه.
بالإِضافة إِلى ذلك، فذكر الله وحبّه يخرجان حبّ الزوجة والمال، والأولاد من قلبه، فإنّ التوجه إِلى الله يزيل من القلب كل ما يضعفه ويزلزله، كما يقول الإِمام علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام) في دعائه المعروف ـ في الصحيفة السجادية ـ بدعاء أهل الثغور (8) : «اللّهُمّ صَلّ عَلَى مُحَمّدٍ وَآلِهِ، وَأَنْسِهِمْ عِنْدَ لِقَائِهِمُ الْعَدُوّ ذِكْرَ دُنْيَاهُمُ الْخَدّاعَةِ الْغَرُورِ، وَامْحُ عَنْ قُلُوبِهِمْ خَطَرَاتِ الْمَالِ الْفَتُونِ، وَاجْعَلِ الْجَنّةَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ».
نستوحي هنا ثلاثة أمور هي:
أ - وجوب الذكر الدائم لله حين لقاء العدو وقتاله:
﴿ اذْكُرُواْ اللَّهَ ﴾ معطوفة على ﴿ فَاثْبُتُواْ  ﴾ . وهي في الواقع جواب الشرط: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ ﴾ . وعلى هذا التقدير المقصود بالذكر في هذه الآية الذكر الكثير لله عند قتال العدو.
ب - فلسفة ضرورة المداومة على ذكر الله في ميدان القتال: السبب الذي دعى إلى تقييد الذكر «بالكثير» هو تجدّد روح التقوى عند المجاهدين كلّما لاح لهم ما يصرف نفوسهم إلى حبّ الحياة الفانية، والتمتّع بزخارفها، والخواطر النفسانية التي يلقيها الشيطان بتسويله، فالمداومة على ذكر الله تجدّد روح التقوى كلّ لحظة في قلوبهم (9) .
ج - الثبات عند لقاء العدو والمداومة على ذكر الله في ساحة القتال سبب فلاح المجاهدين: من الممكن أن يكون المقصود من الفلاح الفوز والوصول إلى الثواب في الآخرة (10) ، في هذه الحال فالاستقامة وذكر الله في ساحة القتال موجبان للفلاح وفوز المجاهدين في الآخرة.
والتعبير بجملة ﴿ لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ والذي يفيد أنّ الفوز الأخروي غير مؤكّد- لأنّ القتال إذا كان لأجل طاعة الله تعالى استوجب النصر أو الشهادة، أمّا إن كان القتال لأجل الثناء في الدنيا، وطلب المال، لم يكن ذلك وسيلة إلى الفلاح والنجاح (11) .

3 ـ طاعة القيادة: كما أنّ من أهم أسس المبارزة والمواجهة هو الإِلتفات للقيادة وإطاعة أوامر القائد والآمر، الآمر الذي لولاه لما تحقق النصر في معركة بدر، لذلك فإنّ الآية بعدها تقول: ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ (12) .
وهنا أمران هما:
أ - ضرورة إطاعة المجاهدين لأوامر الله والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حول الجهاد والدفاع: ظاهر السياق أنّ المراد من جملة ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ إطاعة وأداء ما صدر من ناحيته تعالى وناحية رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) من التكاليف والأنظمة المتعلّقة بالجهاد والدفاع عن حومة الدين ووجود الاسلام، وهي ما اشتملت عليه آيات الجهاد وكذلك السنّة النبوية، كالابتداء بإتمام الحجّة قبل القتال، وعدم التعرّض للنساء والذراري (الأطفال) ، وغير ذلك من أحكام الجهاد (13) .
ب - ضرورة إطاعة المجاهدين للقائد الأعلى في القتال: أي وأطيعوا الله ورسوله في هذه الأوامر المرشدة إلى أسباب الفلاح في القتال وفي غيرها، وأطيعوا رسوله فيما يأمر وينهى عنه من شؤون القتال وغيرها، من حيث إنّه هو المبيّن لكلام الله، والمنفّذ له بالقول والعمل والحكم. ومنه أيضاً ولاية القيادة العامة في القتال، فطاعة القائد العام هي أساس وقوام النِّظام الذي هو ركن من أركان الظفر؛ خاصّة إذا كان القائد العام هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المؤيّد من لدنه بالوحي والتوفيق (14) .

4 ـ ترك التنازع والخلاف: يقول تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ ... ﴾ لأنّ النزاع والفرقة أمام الأعداء يؤدي إِلى الضعف وخور العزيمة، ونتيجة هذا الضعف والفتور هي ذهاب هيبة المسلمين وقوتهم وعظمتهم ﴿ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ ، «والريح» في اللغة، هي الهواء، فالنزاع يولد الضعف والوهن. وأمّا ذهَاب الريح، فهو إشارة لطيفة إِلى زوال القوّة والعظمة، وعدم سير الأُمور كما يرام، وعدم تحقق المقصود، لأنّ حركة الريح فيما يرام توصل السفن إِلى مقاصدها، ولما كانت الريح في ذلك العصر أهم قوّة لتحريك السفن فقد كانت ذات أهمية قصوى يؤمئذ.
وحركة الرّيح في الرّايات والبيارق تدل على إرتفاع الرّاية التي هي رمز القدرة والحكومة، والتعبير آنف الذكر كناية لطيفة عن هذا المعنى (15) .
هنا نقطتان هما:
أ - ضرورة اجتناب المجاهدين للاختلاف أثناء القتال: التَّنازع هو الميل إلى شيء ما، فكلّ واحد من المتنازعين في مسألة يميل إلى غير ما يميل إليه الآخر (16) ، وفي هذه الآية ينهى الله عزَّ وجلّ المجاهدين المؤمنين عن الاختلاف والتنازع.
ب- الضعف في القتال وفقدان الهيبة والاقتدار نتيجة اختلاف الاشارات والمضامين: بيّن تعالى في هذه الآية أنّ النزاع بين المجاهدين يوجب أمرين: لا أحدهما: أنّه يوجب حصول الفشل والضّعف. والثاني: خسارة الحكم والدولة (17) ، وعلى هذا التقدير يكون معنى جملة ﴿ وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ... ﴾ ولا تختلفوا بالنزاع فيما بينكم فيورث ذلكم ضعف إرادتكم، وذهاب عزّتكم ودولتكم، فإنّ اختلاف الآراء يخلّ بالوحدة ويوهن القوّة(18) .

5 ـ الصبر والاستقامة: ثمّ تأمر الآية بالإِستقامة بوجه العدوّ، وفي قبال الحوادث الصعبة، فتقول: ﴿ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ .
والفرق بين ثبات القدم في الأمر الأوّل، والاستقامة والصبر في الأمر الخامس، هو من جهة أن ثبات القدم يمثل الناحية الظاهرية، «الجسمية» أمّا الإِستقامة والصبر فليسا ظاهريين، بل هما أمران نفسيان ومعنويان (19) .
هنا أمران هما:
أ- ضرورة صبر المجاهدين على مكاره القتال: الثّبات أعمّ من الصبر، الصبر ثبات قبال المكروه بالقلب بأن لا يضعف، ولا يفزع، ولا يجزع، وبالبدن بأن لا يتكاسل، ولا يتساهل، ولا يزول عن مكانه، ولا يعجل فيما لا يحمد فيه العجل، فالصبر ثبات خاصّ. وقوله: ﴿ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ أي الزموا الصبر على ما يصيبكم من مكاره القتال مما يهدّدكم به العدو (20) .
ب- نصرة الله للمجاهدين الصابرين: المراد من المعيّة في جملة ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ النصرة والمعونة (21) بمعنى أنّه الضامن للفوز والنصر للصابرين (22) .

6 ـ قدسية الهدف: وتدعو الآية الأخيرة - من الآيات محل البحث - المسلمين إِلى اجتناب الأعمال الساذجة البَلهاء، ورفع الأصوات الفارغة، وتشير إِلى قضية أبي سفيان وأسلوب تفكيره هو وأصحابه، فتقول: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ .
فأهدافهم غير مقدسة، وكذلك أساليبهم في الوصول إليها، ولقد رأينا كيف أبيدوا وتلاشى كلّ ما جاؤوا به من قوّة وعدّة، وسقط بعضهم مضرجاً بدمائه في التراب، وأسبل الآخرون عليهم الدّموع والعبرات في مأتمهم، بدل أن يشربوا الخمر في حفل إبتهاجهم، وتختتم الآية بالقول: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ (23) .
نَسْأَلُ اَللهَ مَنَازِلَ اَلشُّهَدَاءِ وَمُعَايَشَةَ اَلسُّعَدَاءِ وَمُرَافَقَةَ اَلْأَنْبِيَاءِ وأَنْ يَعْصِمَنَا مِنَ الزّلَلِ وَلَا يَكِلْنَا إلى أَنْفُسِنا طَرْفَةَ عَينٍ بِمُحَمّدٍ وَآلِهِ الطّاهرِينَ، وَصَلَواتُهُ وَتَسلِيماتُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعينَ.


(1) - سورة الأنفال، الآيات: 45 - 47.
(2) - تفسير الأمثل : ج4، ص348.
(3) - تفسير المنار: ج 10، ص21.
(4) - تفسير الميزان: ج9، ص94.
(5) - التفسير الكبير: ج15، ص171.
(6) - تفسير الأمثل : ج4، ص348.
(7) - المصدر السابق : ج4، ص348.
(8) - المصدر السابق : ج4، ص348.
(9) - تفسير الميزان: ج 9، ص95.
(10) - تفسير مجمع البيان: ج 3-4، ص842.
(11) - التفسير الكبير: ج 15، ص171.
(12) - تفسير الأمثل : ج4، ص348.
(13) - تفسير الميزان: ج 9، ص95.
(14) - تفسير المنار: ج 10، ص24.
(15) - تفسير الأمثل : ج4، ص348.
(16) - المصدر نفسه.
(17) - التفسير الكبير: ج 15، ص172.
(18) - تفسير الميزان: ج 9، ص95.
(19) - تفسير الأمثل : ج4، ص348.
(20) - المصدر نفسه، ص 94-96.
(21) - التفسير الكبير: ج 15، ص172.
(22) - تفسير في ظلال القرآن، ج 6، ص510.
(23) - تفسير الأمثل : ج4، ص348.

 

   المرأة في القرآن



لم يكن للمرأة شأن يذكر، فكانت من توابع الرجل وممتلكاته، ليس لها حقوق معترف بها إلا من كانت من الأشراف،فكانت تحظى ببعض الحقوق. وكانت المرأة في نظرهم لا تستحق الحياة، وقضية وأد البنات وهنّ أحياء مشهورة فلمّا جاء الإسلام ونزل القرآن وسطع نور الوحي في وجود البشرية، أعاد لها كرامتها وشخصيتها ومنحها حقوقها في أوضح وأسمح تشريع، فجعلها ريحانة بعد ما كانت سلعة تباع وتشرى.
لقد ساوى القرآن بين المرأة والرجل من حيث الشخصية والكرامة الإنسانية والحقوق العامّة. ثمّ إنه أخصها بحقوق أخرى دون الرّجل، ويمكن القول أنَّ ما جاء به الإسلام لصالح المرأة وحقوقها لم تأتِ به شريعة من قبل: فلقد أعاد إليها الدين الإسلامي حقوقها المبدئية الأولية، بالإضافة إلى حق التعليم والعمل والتكسّب والإرث والتملك، كما لها الحق في اختيار شريك حياتها وعدم تزويجها ممن لا ترغب به كما كان يحصل في عصر الجاهلية.

كذلك ميّزتها الشريعة السمحاء بحقوق خاصة بها دون الرجال، فأوجب لها القرآن حق المهر والمعاشرة الحسنة بالمعروف، ومنع تقبيحها، وفرض فوق ذلك النفقة بالمعروف وجعلها واجبة على الرّجل...وهناك الكثير من الحقوق التي لا يسعنا ذكرها جميعاً، وفي بحثنا هذا سوف نتطرق إلى الحقوق العامّة.

حق الحياة:

للمرأة حق الحياة كما للرجل، فكل إنسان في الوجود له حق الحياة الذي هو حق مقدّس، ويأتي في أولوية حقوق البشر، فلا يحلّ لأحد انتهاك حرمته ولا استباحته، يقول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ (1) . وإذا عدنا إلى قصّة وأد البنات في العصر الجاهلي، نجد أنَّ القرآن قد وبخ أولئك الذين كانوا يقدمون على هذا الفعل القبيح، وعدّه ذنباً كبيراً وسفهاً وجهلاً ما بعده جهل: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ (2) . ﴿ وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴾ (3) .

حقّ التعلّم:

يقول الله تعالى: ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ (4) . لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان (الذكر والأنثى) وأودع فيه الشعور وركّب فيه السمع والبصر، ففيه قوّة الإدراك والفكر، بها يستحضر ما هو ظاهر عنده من حوادث.
وقال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ (5) . ﴿ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ (6) .
من هنا، فالمرأة والرجل مشتركان في مجال كسب الكمالات والقيم...حيث تستطيع النساء - كما الرجال- مع رعاية الحدود الإسلامية أن يقمن بتحصيل العلم ويصلن إلى أعلى مراتبه وإلى درجة الفقاهة، ولا حدّ أو مانع لهن من ذلك.
ويمكن القول بكل جرأة أنَّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي فرض العلم وأوجبه على المسلم والمسلمة، ففتح بذلك أمام المرأة أبواب العلم والمعرفة، وأباح لها تعلم ما تشاء، لاسيما العلوم المقدّسة (قرآن - أحكام الدين وتعاليمه...) ولم يكتفِ الإسلام بمنح المرأة حق التعلم، بل فرض عليها طلب العلم وأوجبه على كل مسلم ومسلمة. قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ».
أمّا الآيات التي تتحدث عن العلم وتحث المسلم على طلبه: ﴿ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (7) .
﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ ﴾ (8) .
وإذا تصفحنا تاريخ صدر الإسلام، نجد أنَّ السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت تعلّم النساء القرآن وتثقفنّ بالحكم الشرعي والمعارف الإلهية الضرورية، وشاركت مشاركة مؤثرة في الدعوة إلى الله تعالى. وقد خطبت في مسجد النبي خطبة رائعة تعدّ مدرسة ومعيناً يرفد الأجيال بالمعرفة.

حق العمل والتكسب:

من حق المرأة أن تعمل وتتكسب، والإسلام لا يمنعها من العمل، لكن يجب عليها مراعاة الموازين الشرعية والأخلاقية، فلا يكن هناك ما يخدش عفتها، والأمثلة على عمل المرأة المسلمة كثيرة، ومما لاشك فيه أنَّ السيدة خديجة (عليه السلام) زوجة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت تعمل بالتجارة فكانت تسيّر القوافل المحمّلة بالبضائع إلى الشام.
ذكر المفسر الكبير العلّامة الشيخ قراءتي، في تفسير سورة القصص «قضية بنات شعيب (عليه السلام) ، أنه لا إشكال في عمل المرأة خارج المنزل، ولكن بشروط:
أ- أن لا تكون المرأة وحيدة في محيط عملها ولا تختلط بالرّجال.
ب- يحق للمرأة العمل والخروج من المنزل مع عدم وجود رجل في المنزل قادر على العمل.
ج- إذا وجدت في موضع غير طبيعي تدفع الشبهة عن نفسها (كوجود نسوة في محيط رجال) .
د- إنَّ جميع الأبناء حتى الإناث يكونون مسؤولين لتأمين مصاريف الحياة والتكسب عندما يعجز رب الأسرة عن ذلك بسبب الكبر والمرض.

حق الإرث والتملك:

﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ (9) .
﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ (10) .
كانت العرب في الجاهلية تورث الذكور دون الإناث، وكانوا يعتقدون أنه لا يرث من لا يطاعن بالرمح ولا يقاتل، ولهذا كانوا يحرمون النساء والأطفال من الإرث. لكن الإسلام قد أكد على حقّ المرأة في الإرث.
بالإضافة إلى أنه منح المرأة حق التملك ابتداء دون طلب منها، وبدون ثورة وبدون جمعيات نسوية وبدون عضوية برلمان !! منحها هذا الحق تمشياً مع نظرته العامّة إلى تكريم الإنسان جملة، وإلى تكريم شقيّ النفس. لقد أعطى الإسلام للمرأة حق الملكية وحق الاستقلال الاقتصادي ولم يعتبر الرجل مجازاً بالتصرف في أموال المرأة، كما لم يجعل مصاريف البيت والأسرة على عاتق المرأة، بل أوجب نفقتها.

حق اختيار الدّين:

﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ (11) .
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ (12) .
القرآن الكريم يقول لا تكرهوا أحداً على الدخول في الإسلام، لأنَّ الإيمان يقوم على الإقتناع والحجّة والبرهان، فلا يفيد فيه الإلجاء أو القصر أو الإلزام أو الإكراه ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (13) .
وقد بان طريق الحق من الباطل، وعرف سبيل الرشد والفلاح، وظهر الغي والضلال، وإنَّ الإسلام هو منهج الرشد، وغيره طريق الضلال، فمن شاء فاليؤمن به ومن شاء فاليكفر، ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ (14) .

حق إبداء الرأي:

يحق للمرأة أن تبدي رأيها بحرية كاملة، لأنَّ للمرأة إرادة مستقلة تمكنها من إظهار رأيها وطرح اقتراحاتها في شتى المسائل، وقد يؤخذ برأيها إن كان صائباً، ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ (15) . في هذه الآية تبدي إحدى بنات شعيب (عليه السلام) رأيها بحريّة على أبيها، وبالفعل قد قبل، فإنَّ البنات في الأسرة لهنّ حق طرح الرأي وإبداء النظر وتقديم المقترحات على أساس المنطق والحكمة، ولا فرق في ذلك بين الذكور والإناث.
﴿ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا ﴾ (16) .

حق اختيار الزوج:

قضت الأعراف الجاهلية أن تسوم المرأة ألوان التحكم، فتارة تقسرها على التزويج ممن لا ترغب فيه وأخرى تورث كما يورث المتاع، يتحكم بها الوارث كيف يشاء.
وقد حررها الإسلام من ذلك الأسر الخانق والعبودية المقيتة، ومنحها حرية اختيار الزوج الكفوء، فلا يصح تزويجها إلا برضاها.
﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ (17) . «كما وجعل لهنّ الحرية في الزواج وفي الرفض، بعيداً عن أي ضغط »(18) .
لا شك في أنَّ الزوج هو شريك عمر الزوجة، وهو المسؤول عنها وعن نشئة الأطفال، وهو المسؤول عن توفير ما تحتاجه الأسرة، لذا يستحب اختياره طبقاً للموازين الإسلامية، من أجل سلامة الزوجة والأسرة من الناحية الخلقية والنفسية. قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه». قال تعالى: ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ (19) . ﴿ وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ ﴾ (20) .

حق المهر:

﴿ وَآتُواْ النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ (21) . أي اعطوا المهر للزوجة كاملاً، واهتموا بذلك كما تهتمون بما عليكم من ديون.
يأمر الله سبحانه وتعالى بأن تعطى النساء مهورهن كاملة ومن دون نقصان حفظاً لحقوقهنّ.
وورد في الأحاديث الشريفة: «من تزوج امرأة ولم ينو أن يوفيها صداقها فهو عند الله زان ».
هذه هي بعض الحقوق التي ركّز عليها القرآن، والتي لا يسعنا ذكرها جميعاً.
بناء عليه، نجد أنَّ الإسلام قد كرّم المرأة ومنحها شخصيتها الإنسانية، وأقام حدوداً لا يمكن لأي شخص -يؤمن بالله ورسوله وشرائعه ويؤمن بالقيم الإنسانية - أن يتجاوزها أو يعتدي على حريمها فيما يخص المرأة وحقوقها الممنوعة (22) . (23) .


(1) - سورة الإسراء، الآية: 33.
(2) - سورة الأنعام، الآية: 140.
(3) - سورة التكوير، الآيتان: 8 - 9.
(4) - سورة القلم، الآية: 1.
(5) - سورة النحل، الآية: 78.
(6) - سورة العلق، الآية: 5.
(7) - سورة فاطر، الآية: 28.
(8) - سورة الزمر، الآية: 9.
(9) - سورة النساء، الآية: 7.
(10) - سورة النساء، الآية: 32.
(11) - سورة الكهف، الآية: 29.
(12) - سورة الإنسان، الآية: 3.
(13) - سورة يونس، الآية: 99.
(14) - سورة البقرة، الآية: 256.
(15) - سورة القصص، الآية: 26.
(16) - سورة القصص، الآية: 9.
(17) - سورة البقرة، الآية: 232.
(18) - تفسير من وحي القرآن.
(19) - سورة النور، الآية: 26.
(20) - سورة البقرة، الآية: 221.
(21) - سورة النساء، الآية: 4.
(22) - إعداد: فاطمة علي علاء الدين، جمعية القرآن الكريم، منطقة الهرمل.
(23) - المصدر: كتاب المرأة في القرآن الكريم، (أحمد حسين عودة) .

 

  العقيدة في القرآن الكريم

 

يقول الله عزّ وجلّ: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ (1) .

لقد كانت البشريّة في مطلع حياتها تعيش حياة اجتماعيّة بسيطة، وبازدياد أفراد المجتمع البشريّ ظهر التّضاد بين المصالح ومن ثمّ الاختلاف، ووجدت الحاجة إلى التّوجيه والقانون.
وكان من الضّروريّ أن يعمل رسل ربّ العالمين في الوهلة الأولى على توعية النّاس على الحياة الأخرى باعتبارها آخر مرحلة للمسيرة التّكامليّة وعلى ما سيواجهه الإنسان في تلك الحياة من نعيم أو جحيم. فجاؤوا مبشّرين بما سينعم الله تعالى به على المحسنين من ثواب، ومنذرين بما سيجازي به الله عزّ وجلّ المجرمين من عقاب ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ وبعد هذا الانشداد إلى العالم الآخر تتوفّر الأرضيّة لتطبيق الأحكام الإلهيّة الّتي تضمن سعادة البشر، ثمّ تتوالى هذه الأحكام على الأنبياء لابلاغها إلى النّاس. لقد بعث الله سبحانه الكثير من الأنبياء لهداية النّاس وإرشادهم. وكان آدم (عليه السّلام) أوّل أولئك الأنبياء والنّبيّ محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) آخرهم وخاتمهم، إنّ عدد الأنبياء غير معلوم لنا على وجه التّحديد واليقين ولكن جاء في بعض الرّوايات أنّ عددهم هو مئة وأربعة وعشرون ألفًا (124000).

عن أبي ذرّ رحمه الله قال: قلت: يا رسول الله كم النّبيّون؟ « قال: مئة ألف وأربعة وعشرون ألف نبيّ، قلت: كم المرسلون منهم؟ قال: ثلاث مئة وثلاثة عشر جمًّا غفيرًا، قلت: من كان أوّل الأنبياء؟ قال: آدم، قلت: وكان من الأنبياء مرسلاً؟ قال: نعم ... » (2) لقد كان بعض أولئك الأنبياء أصحاب ديانات وشرائع خاصّة، ولم يكن بعضهم الآخر أصحاب شريعة خاصّة، بل كانوا يروّجون لشريعة من سبقهم من الأنبياء ويدعون إليها.

كما كان بعضهم أصحاب كتب وبعضهم الآخر لم يكونوا أصحاب كتب وربّما كان في زمن واحد أنبياء متعدّدون يقومون بمهامّهم ومسؤوليّاتهم الإلهيّة في البلدان والمدن المختلفة.
لقد ذكر في القرآن الكريم أسماء (26) منهم وهم: آدم، نوح، إدريس، هود، صالح، إبراهيم، لوط، إسماعيل، اليسع، ذو الكفل، إلياس، أيّوب، يونس، إسحاق، يعقوب، يوسف، شعيب، موسى، هارون، داوود، سليمان، زكريّا، يحيى، إسماعيل صادق الوعد، عيسى، محمّد صلوات الله عليهم أجمعين.


مفهوم النّبوّة

النّبوّة حالة إلهيّة يدرك الإنسان من خلالها المعارف الّتي بها يرتفع الاختلاف والتّناقض في حياة الإنسان، وهذا الإدراك والتّلقّي من الغيب هو المسمّى في لسان القرآن بالوحي، والحالة الّتي يتّخذها الإنسان منه لنفسه بالنّبوّة.
والنّبيّ: العَلَمُ من أعلام الأرض الّتي يُهتدى بها، قال بعضهم: ومنه اشتقاق النّبيّ لأنّه أرفع خلق الله، وذلك لأنّه يُهتدى به والنّبيّ على وزن فعيل مأخوذ من النّبأ، سُمّي به النّبيّ لأنّه عنده نبأ الغيب بوحي من الله.
وقيل هو مأخوذ من النّبوّة بمعنى الرّفعة سُمّي به لرفعة قدره ولأنّه شُرِّف على سائر الخلق. والنّبيّ هو الّذي أنبأ عن الله.
والنّبيّ الطّريق، والأنبياء طُرق الهُدى، قال أبو معاذ النّحويّ: سمعت أعرابيًّا يقول: من يدلّني على النّبيّ؟ أي على الطّريق.


الفرق بين النّبيّ والرّسول

الفرق بين النّبيّ والرّسول هو:
الرّسول هو الّذي يبعث فيؤمر بالتّبليغ ويحمل الرّسالة والنّبيّ هو الّذي يبعث سواء أمر بالتّبليغ أو لم يؤمر.


أنبياء أولي العزم

يقول الله سبحانه: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (3) .
قال الإمام زين العابدين (عليه السّلام): لبعض أصحابه: منهم خمسة أولو العزم من الرّسل، وقلنا: من هم؟ قال: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمّد صلوات الله عليهم أجمعين، قلنا له: ما معنى أولو العزم؟ قال: بعثوا إلى شرق الأرض وغربها، جِنِّها وإنسها (4) .


أهداف الأنبياء (عليهم السّلام)

هناك عدّة أهداف للأنبياء جاءت الإشارة إليها في الآيات القرآنيّة، والأحاديث الشّريفة نذكر منها:
1 - الدّعوة إلى معرفة الخالق والإيمان به وحده وهذه هي الأساس في دعوة الأنبياء والرّسل جميعًا يقول الله عزّ وجلّ:
﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ (5) .

2 ـ إلفات النّظر إلى مسألة المعاد وحياة ما بعد الموت والإيمان بها، وبالجنّة ونِعَمِها وجهنّم وعذابها يقول الله سبحانه: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ (6) .
وقوله سبحانه: ﴿ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴾ (7) .

3 - الدّعوة إلى الإيمان بالنّبوّة وبارتباط الأنبياء والرّسل بالله تعالى، عبر الوحي، وتصديق الأنبياء السّابقين من دون تفريق يقول الله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (8) .
هذه الأمور الثّلاثة كانت تشكّل الأساس في دعوة الأنبياء. ولقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند دعوته عشيرته وقومه:
الحمد لله، أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكّل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثمّ قال: إنّ الرّائد لا يكذب أهله، والله الّذي لا إله إلا هو إنّي رسول الله إليكم خاصّة وإلى النّاس عامّة والله لتموتنّ كما تنامون ولتبعثنّ كما تستيقظون ولتحاسبنّ بما تعملون، وإنّها الجنّة أبدًا والنّار أبدًا » (9) .

4 - الدّعوة إلى تزكية النّفس:
يقول الله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ (10) .
فقد دعى الأنبياء إلى مكارم الأخلاق وفضائلها وحذّروا من ذمائم الأخلاق ورذائلها وبيّنوا الآثار الدّنيويّة والأخرويّة الطّيّبة لمكارم الأخلاق، والتّبعات السّيّئة للأخلاق الذّميمة لكي يجتنبها النّاس. وفي هذا السّياق يقول سبحانه: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ (11) .
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): « إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق ».

5 - دعوة النّاس إلى عبادة الله الواحد والتّسليم لأوامره سبحانه:
يقول عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ﴾ (12) .
وقال سبحانه: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾.

6 - قيام النّاس بالقسط:
يقول الله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ (13) .
هذا ولقد اعتنى الأنبياء بإصلاح أمور النّاس الاجتماعيّة والاقتصاديّة عنايةً كاملةً فدعوا النّاس إلى اكتساب العلم والمعرفة والاستفادة من المصادر الطّبيعيّة والعمل والسّعي وكانوا يرغبون في رعاية العدل والحقّ ويحذّرون من الظّلم والعدوان حفاظًا على سلامة المجتمع وأمنه.


المعجزة عند الأنبياء (عليهم السّلام)

يقول الله عزّ وجلّ: ﴿ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ (14) .
وقال سبحانه: ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ (15) .
وقال عزّ وجلّ أيضًا: ﴿ قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَانصُرُواْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ (16) .
وقال تعالى: ﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾ (17) .
اِعلم إنّ الأنبياء يدّعون بأنّهم على ارتباط بالله سبحانه وبعالم الغيب، وأنّهم قد كلّفوا من جانب الله تعالى بأن يتلقّوا رسالاته، ثمّ يبلّغوها إلى النّاس، وعليهم أن يجتهدوا في إرشادهم وهدايتهم.
إنّه ادّعاء كبير لا يقبله النّاس من دون شاهد قويّ، ودليل معتبر، ولهذا يجب أن يمتلك الأنبياء دليلاً وشاهدًا لإثبات صحّة دعواهم. إنّ أكبر دليل للأنبياء هو المعجزة، وهي العمل الخارق للعادة الّذي يعجز عن إتيانه النّاس العاديّون.
إنّ وجود المعجزة عند رسل الله سبحانه أمر ضروريّ في نظر القرآن الكريم وقد أشير إليها بصراحة في عشرات الآيات. اكتفينا هنا بما ذكرنا، ثمّ إنّ القرآن الكريم هو معجزة النّبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الخالدة والّتي كانت تتناسب مع عصره كما هو حال من سبقه من الأنبياء.


الوحي للأنبياء (عليهم السّلام)

يقول الله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ (18) .
الوحي هو الطّريق الّذي تحصل بواسطته علوم الأنبياء فهم يتلقّون رسالتهم عن طريق الوحي ويبلّغوها إلى البشر.


عصمة الأنبياء (عليهم السّلام)

يقول الله سبحانه: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ﴾ (19) .
تظهر الآية أنّه تعالى شأنه يختصّ رسله بالوحي فيظهرهم ويؤيّدهم على الغيب بمراقبة ما بين أيديهم وما خلفهم والإحاطة بما لديهم لحفظ الوحي عن الزّوال والتّغيّر بتغيّر الشّياطين وكلّ مغيّر غيرهم، ليتحقّق إبلاغهم رسالات ربّهم.
وقال سبحانه: ﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ﴾ (20) .
فنفى عن المهتدين بهدايته كلّ مضلّ يؤثّر فيهم بضلال فلا يوجد فيهم ضلال، وكلّ معصية ضلال.
ونعني بالعصمة وجود أمر في الإنسان المعصوم يصونه عن الوقوع فيما لا يجوز من الخطأ أو المعصية.
والعصمة على ثلاثة أقسام:
1 - العصمة عن الخطأ في تلقّي الوحي.
2 - العصمة عن الخطأ في التّبليغ والرّسالة.
3 - العصمة عن المعصية وهي ما فيه هتك حرمة العبوديّة ومخالفة مولويّة ويرجع بالآخرة إلى قول أو فعل ينافي العبوديّة منافاة ما، وممّا يدلّ على عصمتهم (عليهم السّلام) قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ (21) .
فلو تحقّق من الرّسول خطأ في فهم الوحي أو في التّبليغ كان ذلك إرادة منه تعالى للباطل والله سبحانه لا يريد إلا الحقّ.


العلم بالغيب

يقول الله عزّ وجلّ: ﴿ قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (22) .
ويقول سبحانه: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ (23) .
وقوله سبحانه: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾ (24) .
يستفاد من هذه الآيات أنّ العلم بالغيب وإن كان أوّلاً وبالذّات مختصًّا بالله تعالى، وأنّ باب الاطّلاع على ذلك العالم موصد في وجه البشر ولكنّه تعالى يُطلع أنبياءه على عالم الغيب عن طريق الوحي ويوقفهم إذا شاء ومتى شاء على الحقائق والأمور الغيبيّة.
عالم الغيب يقابل عالم الشّهادة، فإنّ جميع الموجودات الّتي تكون أسمى وأعلى من المادّة والمادّيّات تعدّ من عالم الغيب مثل « الله » سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته والملائكة وعالم البرزخ والموجودات البرزخيّة، والقيامة وأحوالها وأوضاعها والجنّة والنّار ونِعَم الجنّة والعذاب الأخرويّ.


خاتم النّبيّين

يقول الله عزّ وجلّ: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ (25) .
عن الإمام الصّادق (عليه السّلام): جاء محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة (26) .


عالميّة رسالة النّبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

يقول الله سبحانه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (27) .

رواية قصّة الرّسول وعمّه أبو طالب

لمّا أكمل النّبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأربعين من عمره الشّريف، نزل عليه جبرئيل ليبشّره بالبعثة النّبويّة لإرشاد وهداية النّاس، وبدون أدنى تردّد قام النّبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأمر التّبليغ على أحسن وجه، بكلّ صبر ومقاومة واستقامة ضدّ الجاهليّة والوثنيّة العمياء، ويومًا بعد يوم كان الدّين الإسلاميّ يجد له محلاًّ في قلوب النّاس عبر كلمات التّوحيد ودعوات الإخاء، والصّداقة، والمحبّة، والعدل، والمساواة، الّتي كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يصوغها ببلاغته الرّائعة، وكلماته الدّافئة، وسلوكه الطّاهر، فكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يستغلّ مناسبات قدوم النّاس إلى مكّة في الأشهر الحرم فيقابلهم ويدعوهم إلى الإسلام، وكان هؤلاء النّاس ينقلون كلمات النّبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعقائد الدّين الجديد إلى أهاليهم وأقوامهم عندما يعودون، وهكذا اتّسع الإسلام بسرعة فائقة، ممّا أثار حفيظة فراعنة قريش، والمنتفعين من عبادة الأصنام فقاموا بصدّ ومنع النّبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومقاومته وإبعاد النّاس عنه وتحذيرهم منه، وكانوا يشْكُون أمره إلى أبي طالب (عليه السّلام) عمّه ويطلبون منه أن يمنع محمّدًا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الدّعوة إلى الإسلام.

فيقولون له: يا أبا طالب: إنّ ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي كعبتنا وفي ديارنا ويسمعنا ما نَكْرَه، فإن رأيت أن تكُفَّه عنّا وأنت كبيرنا وسيّدنا. ورأى أبو طالب (عليه السّلام) أنّ من المناسب أن يمتصّ غضبهم ويجاريَهم ويُهَدّئ فورتهم، وهو المحامي العاقل، والمدافع المتّزن الكامل، فقال لهم سوف أتكلّم مع ابن أخي، وهو يعلم رفض ابن أخيه لمطالب القوم، ولكن أراد بحكمته أن يهدّئ الأوضاع، فذهب أبو طالب (عليه السّلام) وقال للنّبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا ابن أخي إنّ قومك قد جاؤوني وقالوا كذا وكذا، فأجابه النّبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بجواب خلّده التّاريخ برمّته وهو يحكي صمود وصبر واستقامة النّبيّ: يا عمّ والله لو وضعوا الشّمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته، ثمّ استعبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فبكى، ثمّ قام فلمّا ولّى ناداه أبو طالب (عليه السّلام) فقال: أقبل يا ابن أخي وقل ما أحببت فوالله لا أسلّمك لشيء أبدًا (28) .

نسأل الله عزّ وجلّ أن يعرّف بيننا وبين رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم القيامة وأن يحشرنا إلى جواره (29) ، والسّلام عليكم ورحمة الله.


(1) - سورة البقرة، الآية: 213.
(2) - بحار الأنوار: ج11، ص32.
(3) - سورة الأحقاف، الآية: 35.
(4) - البحار: ج11، ص33، ح25.
(5) - سورة الأعراف، الآية: 59.
(6) - سورة آل عمران، الآية: 194.
(7) - سورة الرعد، الآية: 35.
(8) - سورة آل عمران، الآيتان: 84 - 85.
(9) - الكامل في التاريخ، ج2، ص61.
(10) - سورة الجمعة، الآية: 2.
(11) - سورة آل عمران، الآية: 164.
(12) - سورة النحل، الآية: 36.
(13) - سورة الحديد، الآية: 25.
(14) - سورة الأعراف، الآيات: 106- 108.
(15) - سورة الشعراء، الآيات: 63 - 67.
(16) - سورة الأنبياء، الآيات: 68-69.
(17) - سورة الاسراء، الآية: 88.
(18) - سورة الشورى، الآية: 51.
(19) - سورة الجن، الآيات: 26-28.
(20) - سورة الكهف، الآية: 17.
(21) - سورة النساء، الآية: 64.
(22) - سورة الأعراف، الآية: 188.
(23) - سورة الجن، الآيتان: 26-27.
(24) - سورة آل عمران، الآية: 44.
(25) - سورة الأحزاب، الآية: 40.
(26) - الكافي: ج2، ص17، ح2 .
(27) - سورة سبأ، الآية: 28.
(28) - مناقب ابن شهر آشوب: ج1، ص 58، الغدير: ج7، ص359.
(29) - مفاهيم قرآنيّة (إعداد جمعية القرآن الكريم).

 

 

   حوارات قرآنية

حفظة القرآن الجامعيين


الاسم والشهرة: غدير سعيد جميل،
طالبة في الجامعة اللُّبنانيَّة – كلّيَّة العلوم – السنة الثّالثة كيمياء من بلدة عيتا الشعب الجنوبية،
حافظة لكامل القرآن الكريم وقد فازت بجائزة الشهيد السيد عباس الموسوي (رض) من هذا العام 2015م.

س 1: ماذا تفهمين من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ .
ج : إنَّ الله سبحانه وتعالى يدعونا في هذه الآية الكريمة إلى التَّمسُّك بحبل الله وأن نكون جميعاً يداً واحدة لنشكّل قوّةً قاهرة نستطيع بها محاربة أعداء الله ورفع شعار (لا إله إلاّ الله) .

س 2: ماذا تفهمين من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنَّ أهل القرآن (1) في أعلى درجة من الآدميين ما خلا النّبيين والمرسلين، فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم، فإنَّ لهم من الله العزيز الجبّار لمكاناً علياً؟
ج : يشير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الحديث المبارك إلى المكانة العالية لأهل القرآن عند الله سبحانه وتعالى وضرورة احترامهم وتبجيلهم، ولكن - بالطبع - على أهل القرآن أن يعملوا على أنفسهم ليكونوا في موقع يستحقّ هذه المكانة.

س 3: مروي عن أبي عبد الله (الصادق (عليه السلام)) أنَّ: «الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة (2) الكرام البررة (3)»، هل هذا الحديث يشعرك بالمعنويات والتواضع لله سبحانه وللناس؟ ولماذا؟
ج : بالفعل هذا الحديث مؤثّر جدّاً ويدخل البهجة والسّرور على قلبي، ولكنّه في الوقت نفسه يُشعرني بالمسؤولية العظمى التي تلقى على عاتق الحافظ أمام الله والمجتمع.

س 4: كيف تقيِّمين مشروع جائزة سيِّد شهداء المقاومة الإسلامية التي قدمتها جمعية القرآن الكريم بالتعاون مع حزب الله؟
ج : إنَّ هذا المشروع بالفعل هو مشروع مبارك ومميّز، فهو يشجّع ويحفّز الحافظ والحافظات على الحفظ والمراجعة فبارك الله بكم وبهم ووفقكم وإيّاهم بعون الله تعالى.

س 5: ماذا تقولين لطلاب الجامعات لحثهم على حفظ القرآن الكريم والاستفادة منه؟ وبماذا تنصحينهم؟
ج : أقول لهم ما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما قال:«اقرؤوا القرآن واستظهروه، فإن الله تعالى لا يعذب قلباً وعى القرآن» فلا تجعلوا حياتكم الجامعيَّة بعيدة عن القرآن وتعاليمه وعليكم الالتفات دائماً إلى أن سعادتكم وحياتكم هي في القرآن وفي حفظه وتلاوته، وأودّ أن أشير إلى الطلاب الجامعيين إلى أنّ العمل بالقرآن هو أساس ومحور إحياء المجتمع، فعلينا ومن واجبنا أن نجعل من مجتمعنا مجتمعاً قرآنيَّاً، وأن يكون فكرنا قرآنيّاً وأن يكون سلوكنا قرآنيّاً. فعلينا أن نقدم على حفظ كتاب الله ونتدبّر معانيه وآياته ونتعمّق في مفاهيمه دائماً أكثر فأكثر، وأدعو الله دائماً بأن يرزقنا روحاً ومعرفةً حقّة بالقرآن الكريم.

س 6: ما هي الكلمة التي توجهينها لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن نصر الله (حفظه الله) الداعم لهذا المشروع؟
ج : أقول لسماحته حفظكم الله قائداً وهادياً ومرشداً، فأنتَ قائد مسيرتنا إلى صراط الله المستقيم، فأسأل الله أن يحفظكم ويسدّد خطاكم ويعطيكم الصّحة والعافية لإكمال هذه المسيرة وتخريج المزيد والمزيد من أجيال عشّاق كتاب الله ونرجوكم أن لا تنسونا من دعائكم للثبات على نهج القرآن ونهج رسول الله وأهل بيته (عليهم السلام).


(1) - أهل القرآن: هم حفظته وحملته والتالين لآياته والعاملين بما فيه.
(2) - السفرة: الملائكة.
(3) - البررة: جمع بار وهو المطيع لله المنزّه عن النقائص.

 

 

أشهر القراء المبدعين

القارىء: الشيخ عبد العزيز علي فرج
(من جمهورية مصر العربية)


عاش الشيخ عبد العزيز 50 عاماً فقط منذ خروجه للحياة في أسرة كادحة بمحافظة المنوفية عام 1927 م، وحتى رحيله عام 1977 م، وما بين مولده ورحيله ولد كفيف البصر فحرص والده على الحاقه بكتاب
القرية مبكراً، وعندما بلغ الثامنة من عمره كان قد حفظ الجزء الأكبر من القرآن الكريم ولمس فيه والده حسن الصوت وإجادة التلاوة فقرر الانتقال إلى القاهرة بأسرته واستقر في حي روض الفرج العريق بمنطقة شمال القاهرة واصطحب ابنه الكفيف وسلمه للشيخ أحمد الأشموني الذي تحمس له وعلّمه أصول التلاوة، وعندما أتم العشرين من عمره كان قد تمكن تماماً من حفظ القرآن الكريم كاملاً وذاعت شهرته في منطقة شبرا بأكملها.

تعيّن قارئاً في الإذاعة عام 1961م وسرى صوته عبر الأثير عذباً رقيقاً متميزاً من مشاهير القراء وبلغ من المجد ما بلغ، وأصبحت لياليه بمسجد الحسين (عليه السلام) والسيدة زينب (عليها السلام) في القاهرة من أمتع الليالي القرآنية التي شهدتها مصر وكان معلماً من معالم شهر رمضان خاصة في قراءة الفجر في المسجد الحسيني.

كان الشيخ «عبد العزيز » مدرسة قائمة بذاتها في دولة التلاوة، وهبه الله صوتاً عذباً قوياً يدخل القلب مباشرة دون تمهيد، فاذا بالشيخ عبد العزيز وقد أصبح ملء السمع والبصر في منتصف الستينيات يحتل مكاناً مميزاً في الصفوف الأولى بين فطاحل القرّاء في عصره وفي مقدمتهم الشيخ مصطفى إسماعيل وصاحب الصوت الذهبي الشيخ عبد الباسط عبد الصمد إلى جانب القارئ الفذ الشيخ محمد صديق المنشاوي أعظم من رتل القرآن الكريم على امتداد العالم الإسلامي في العصر الحديث والشيخ «أبو العينين شعيشع» نقيب القرّاء وقارئ السورة بمسجد السيدة زينب (عليها السلام)، تحولت ليلة مـأتمه إلى احتفال قرآني مشهود حرص جميع حملة القرآن الكريم على المشاركة فيه.

 

 

    مقابلة العدد

القرآن غذاء للروح
 


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


لقد وجهت جمعية القرآن الكريم مجموعة من الأسئلة القرآنيَّة إلى القارئ سامي عنتر مسلم المتّخصّص بقراءة وتجويد القرآن كريم والمولود بجمهورية مصر العربية بتاريخ/ 25/12/1958م في بلدة دمياط مركز قطور محافظة غربية وكانت الأسئلة والأجوبة على الشكل التالي:

س 1 ـ بداية حدّثنا عن علاقتك ومسيرتك واستئناسك بالقرآن الكريم؟
ج: حفظت القرآن الكريم في سن مبكر لأنني نشأت في بيت قرآني، ولأن والدي رحمه الله كان من القرّاء المشهورين بجمهورية مصر العربية وجميع الدول العربية.

س 2 ـ ما هي التّخصّصات الّتي حصلت عليها خلال رحلتك مع القرآن الكريم؟
ج: حصلت على إجازة قارىء على يد أساتذة كبار رحمة الله عليهم كما أخذتها بالأزهر الشريف.

س 3 ـ ما هي أهمّ النّشاطات القرآنيّة الّتي تقوم بها خلال الأسبوع؟
ج: لي ورد يومي أقوم بقراءتي عقب صلاة الفجر حتى شروق الشمس ومن آخر النهار إن كان عندي حفل أقوم بقراءته.

س 4 ـ هل شاركت في مسابقات قرآنيّة محلّيّة أو دوليّة، وما هي النّتائج الّتي حقّقتها فيها؟
ج: شاركت في مسابقات محلية كثيرة ومعتمد من نقابة القرّاء بمصر وعضو نقابة القراء ولكن لم أشارك بمسابقة دولية.

س 5 ـ ما هي الطّريقة الّتي اتّبعتها في حفظ كتاب الله عزّ وجلّ؟
ج: طريقة التلقي عن طريق الكتّاب وهي طريقة متداولة عندنا في مصر عن طريق الأزهر الشريف.

س 6 ـ برأيك ما هي مواصفات الحافظ النّموذجيّ؟
ج: يجب على حافظ القرآن أن يراعي الله في كلامه العزيز وأن يكون متقناً للقرآن الكريم بالتدبر والمعاني.

س 7 ـ ما هي تجربتك الخاصّة في حفظ أو تعليم أو تلاوة القرآن الكريم وتعتقد أنّها مفيدة للآخرين؟ لو سمحت بشرحها لنا وللقرّاء الأعزّاء.
ج: يجب على حامل أو حافظ كتاب الله عزّ وجلّ أن يحفظ القرآن الكريم على يد شيخ متقن للقرآن الكريم ويجب عليه أن يراجع ما حفظه على يد الشيخ المتقن للقرآن الكريم.

س 8 ـ ما هو دور المسابقات القرآنيّة في إيجاد روح التّنافس لدى الشّباب في تلاوة القرآن؟
ج: المسابقات القرآنية لها دور كبير في بث روح التنافس في روح الشباب.

س 9 ـ برأيك ما هي الأمور الّتي يجب أن يتبّعها القرّاء للوصول إلى القمّة في التّلاوة؟
ج: عليه أن يستمع القرآن من إخوانه جميعاً المتقنين للقرآن وأن يكون متواضعاً للقرآن ولزملائه حفظة القرآن لكي يحافظ الله عليه ببركة القرآن الكريم.

س 10 ـ برأيك ما هي المميّزات الّتي يجب أن يتحلّى بها معلّم أو مدرّس القرآن؟
ج: أن يكون قدوة ومثلاً يحتذى به لطلابه وأن يتعهد طلابه بالرعاية بروح الأبوة وأن يكون مخلصاً لهم.

س 11 ـ ما هي الأساليب التي يجب إتّباعها مع الأطفال لتنشئتهم تنشئة قرآنيّة؟
ج: يجب عليهم أن يسمعوا للأشرطة القرآنية من خلال الكمبيوتر حيث أصبح هو الوسيلة المفضلة للأطفال ويجب أن نشجعهم بالجوائز ليتمسكوا بالقرآن الكريم.

س 12 ـ كيف يساعد التّدبّر في القرآن الكريم على تزكية النّفس الإنسانيّة؟
ج: إذا تدبر الإنسان من قراءة القرآن فإنه يزكو بنفسه لأن القرآن غذاء للأرواح، وبه تسمو النفس الإنسانية وتعرف ربها سبحانه وتعالى.

س 13 ـ ما هي الآية القرآنيّة الشّريفة الّتي كان لها تأثير عليك واستفدت منها عمليًّا في حياتك؟
ج: حيث قال الله تعالى في كتابه: ﴿ وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ وحيث قال الله في كتابه: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ .

س 14 ـ ماذا تفهم من قوله سبحانه: ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ﴾ ؟
ج: لقد بيّن الله سبحانه وتعالى أن بني إسرائيل سيفسدون في الأرض مرتين فإذا جاء وعد الأولى بعث الله عباداً أشداء.

س 15 ـ من خلال عملكم القرآنيّ وتجربتكم كيف نفهم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه»؟
ج: هذا الحديث يحثنا على تعلم القرآن وتعليمه للآخرين لما في ذلك من الفضل والثواب العظيم.

س 16 ـ ما هي الإرشادات لمجاميع القرّاء والمسابقات القرآنيّة الدّوليّة والمحلّيّة؟
ج: الإكثار من إقامة مثل هذه المسابقات القرآنية الدولية والمحلية لتشجيع وتحفيظ الطلاب وحفظة كتاب الله للمحافظة على القرآن الكريم.

س 17 ـ تزورون لبنان بدعوة من جمعيّة القرآن الكريم للمشاركة في الأمسيات القرآنيّة، فحبّذا لو تحدّثنا عن تقييمك لآثار هذه الأمسيات لدى الشّباب والمجتمع الّذي يواجه العدوّ الصّهيونيّ وكيانه؟
ج: في الحقيقة أن مثل هذه الأمسيات تنمي لدى الشباب روح التضحية والفداء من أجل الأوطان حيث يحث القرآن الكريم على الجهاد في سبيل الله.

س 18 ـ ما هو تأثير القرآن الكريم على العلاقات بين الدّول الإسلاميّة؟ وما هو رأيك بالنّشاطات القرآنية في لبنان.
ج: ينمي ويزيد الترابط بين الدول الإسلامية بعضها ببعض والنشاطات القرآنية في لبنان لها دور عظيم في نشر القرآن الكريم.

س 19 ـ ما هو دور وسائل الإعلام في العالم الإسلاميّ لتغطية ونشر النّشاطات والثّقافة القرآنيّة؟
ج: على وسائل الإعلام والعالم الإسلامي الدور الأكبر في تغطية النشاطات والثقافة القرآنية والاهتمام بهما حيث أنهما هما الأساس.

س 20 ـ كيف يمكن للبرامج القرآنية أن تساعد على تقديم الصّورة الحقيقيّة للإسلام أمام العالم؟
ج: يمكن البرامج القرآنية أن تساعد على تقديم الصورة الحقيقية للإسلام أمام العالم بنشر وإذاعة الثقافات الإسلامية والقصص القرآنية بما فيها العبر والأحكام.

س 21 ـ كيف نستفيد من البرامج القرآنيّة لتقوية الوحدة الإسلاميّة بين المسلمين؟
ج: لتقوية الوحدة الاسلامية بين المسلمين يجب أن نستفيد من البرامج القرآنية عن طريق نشرها خلال الوسائل الحديثة للاتصالات (انترنت - تلفاكس - إذاعة) .

س 22 ـ ما هو واجب ودور النّاشطين القرآنيّين في مواجهة ظاهرة الإرهاب في العالم الإسلاميّ؟
ج: دور الناشطين القرآنيين من مواجهة ظاهرة الإرهاب في العالم الإسلامي يجب عليهم أن يوضحوا للأمة الإسلامية ضرورة تمسكهم بالوحدة: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ ﴾ .

س 23 ـ ما هي نصيحتكم لحفّاظ وقرّاء القرآن الكريم ولمن لديه رغبة في حفظه وتلاوته؟
ج: تقوى الله عزّ وجلّ، طاعة الوالدين، احترامه لأستاذه ومشايخه، ليس منا من لا يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا قدره، المتابعة لكتاب الله قراءة واستماعاً (1) .


(1) - أجرى الّلقاء مدير قسم العلاقات العامة الحاج عباس عساف.

 

حفظ القرآن

حفظ القرآن على ظهر قلب
ولو كان بمشقة للبعض

 


روى الصدوق في أماليه عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة » (1) .
وقال (عليه السلام) : «إنَّ الذي يعالج القرآن ويحفظه بمشقة منه وقلة حفظ له أجران » (2) .
وفي الآمالي عن شيخ الطائفة بسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لايعذب الله قلباً وعى القرآن » (3) .


طريقة حفظ القرآن على ظهر القلب:

يرى بعض العلماء أن أفضل وأجود وأحسن طريقة لمن يريد أن يحفظ القرآن كاملاً على ظهر قلبه أن يكرر كل جزء من أجزاء القرآن الثلاثين في كل يوم لمدة أسبوع وهكذا حتى يأتي على آخره فإنه سيجد في نفسه من علائم الحفظ ومن الآثار مالا ينكر وليعيد تلاوته وختمه بهذا النحو حتى يأتي على حفظه كاملاً ويختلف قدر وعدد مرّات ذلك باختلاف الأفراد استعداداً وملكة وقوّة وضعفاً.

أجر المستظهر والحافظ:

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «من استظهر القرآن وحفظه وأحلّ حلاله وحرّم حرامه ادخله الله الجنّة به وشفَّعه في عشرة من أهله كلّهم قد وجب لهم النار» (4) .
عن حفص قال: سمعت موسى بن جعفر L يقول لرجل: «أتحبّ البقاء في الدنيا ؟ فقال: نعم. فقال (عليه السلام) : ولم ؟ قال: لقراءة قل هو الله أحد، فسكت عنه فقال له بعد ساعة: يا حفص من مات من أوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن علّم في قبره ليرفع الله به من درجته فإنَّ درجات الجنّة على قدر آيات القرآن، يقال له: اقرأ وارق، فيقرأ ثمّ يرقى. قال حفص: فما رأيت أحداً أشدّ خوفاً على نفسه من موسى ابن جعفر عليهما السلام ولا أرجأ الناس منه وكانت قراءته حزناً فإذا قرأ فكأنّه يخاطب إنساناً » (5) .
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «حملة القرآن عرفاء أهل الجنّة، والمجتهدون قوّاد أهل الجنّة (6) ، والرُّسل سادة أهل الجنّة» (7) .

أوَّل من جمع القرآن حفظاً:
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوَّل من جمع القرآن حفظاً في صدره من البشر وهذا ما تحدّثنا عنه في بحث جمع القرآن، كما أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أيضا ـ كان أوَّل من جمع القرآن , أي: أمر بكتابة جميع القرآن. كان ذلكم معنى جمع القرآن حفظاً في الصدور وكتباً في المصاحف , حتى عصر الصحابة , وسمي بعدهم جامع القرآن في صدره بحافظ القرآن.

أهمّ ما حثَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه:

لا شكّ أنّ المؤمنين الذين كانوا مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي خدمته، لهم شرفٌ عظيمٌ بتلك الصحبة المباركة، حيث كانوا يرتبطون بمعين القدس والوحي ويعيشون في أجوائه الطاهرة الشريفة، وكانوا
يتسابقون إلى خدمته، وامتثال أوامره وتنفيذ إرادته، وكانوا يتفانون في حبّه، ويكرمون شخصه ومقامه ومقاله، فهم أسعدُ الناس في الوجود بلقائه والتزوّد من نور وجهه، ومن كلامه، ولقد كانوا يعظّمونه ويقدّسونه بشكلٍ أعجب الناس، وكانوا حريصين كلّ الحرص على الائتمام به واتّباع أوامره واجتناب نواهيه.
ومن أهمّ ما كان هو (صلى الله عليه وآله وسلم) يحثّهم عليه ويؤكّده عليهم، هو حفظُ القرآن وضبطُ آياته، عندما كانت تنزلُ وحياً من الله تعالى، فقد عيّنَ بينهم كُتّاباً للوحي عديدين بلغوا (أربعين كاتبا) فكانوا رضي الله عنهم أوعية الوحي الأُمناء، وحفظته الأقوياء، ورعاته الأوفياء، ودعاته الأصفياء، لا يكلّون عن العمل به، ولا يتهاونون في حفظه، وعلى أيديهم كان بناء القرآن، وعلى عواتقهم صار حمله وضبطه، وبجهودهم ثبتَ نصه في المصحف، وانتشرَ وتواتَرَ، حتّى وصلَ إلينا والحمدُ لله على نعمه، فجزاهم الله عن القرآن، والرسول، والمسلمين، خير الجزاء.

دعاء لحفظ القرآن:

(اللهم ازجرني بترك معاصيك أبداً ما ابقيتني وارحمني من أن اتكلف طلب مالا يعنيني وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني اللهم بديع السموات والأرض ياذا الجلال والاكرام والعزة التى لاترام يا الله يا رحمن يا رحيم
اسألك بجلالك وبنور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك المنزل على رسولك وترزقني أن اتلوه على النحو الذي يرضيك عني اللهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والاكرام والعز الذي لا يرام يا الله يا رحمن اسألك
بجلالك وبنور وجهك أن تنور بكتابك بصري وتطلق به لساني وتفرح به قلبي وتشرح به صدري وتستعمل به بدني وتقويني على ذلك وتعينني عليه فإنه لا يعين على الخير غيرك ولا يوفّق له إلا أنت لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم» (8) .
وعن زين العابدين الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من قرأ أربع آيات من أول البقرة وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها لم ير في نفسه وماله شيئاً يكرهه ولا يقربه الشيطان ولا ينسى القرآن » (9) .

وفي الكافي روى الثقة الكليني بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرفوعاً قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اعلمك دعاءاً لاتنسى القرآن قل: (اللهم ارحمني بترك معاصيك أبداً ما ابقيتني وارحمني من تكلف مالا يعنيني وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني والزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني وارزقني أن اتلوه على النحو الذي يرضيك عني اللهم نوّر بكتابك بصري واشرح به صدري وفرج به قلبي واطلق به لساني واستعمل به بدني وقوني على ذلك واعني عليه أنه لا معين عليه الا أنت لا اله الا أنت».


(1) - الآمالي: ص 57.
(2) - أصول الكافي: ص 595.
(3) - الآمالي: ص 4.
(4) - مستدرك الوسائل: ج1، ص 290.
(5) - الكافي: ج2.
(6) - الكافي: ج2، ص 606، ح 10.
(7) - علّق على هذا الحديث في كتاب الكافي انّ المقصود من المجتهدين هم المبلّغون رسالة الله سبحانه وتعالى كالمجتهدين والخطباء والكتاب الذين يعتقدون بالله ورسوله وأهل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام.
(8) - مكارم الاخلاق: ص 341.
(9) - جامع الاخبار ص 53-52.

 

 

   دروس في تجويد القرآن

كيفية الوقف على أواخر الكلمات وأنواعه



كنا في العدد السابق مع شرح أنواع الابتداء في القرآن الكريم وتعرفنا إلى الجائز منه وغير الجائز.
والآن سنتطرق بالحديث عن درس تخصصي يتعلق بكيفية الوقف على أواخر الكلمات وأنواعه.
فالوقف كما أشرنا إليه سابقاً هو عبارة عن قطع الصوت على الكلمة زمناً يتنفس فيه عادة القارىء بنية استئناف القراءة.

والوقف على الكلمة الصحيحة الآخر له خمسة أنواع:
1- الوقف بالسكون المجرد.
2- الوقف بالرّوم.
3- الوقف بالاشمام.
4- الوقف بالحذف.
5- الوقف بالابدال.

النوع الأول: الوقف بالسكون المجرد: وهو الأصل في الوقف، لأن العرب لا يبدأون بساكن ولا يقفون على متحرك ولأن الوقف بالسكون أخف من الوقف بالحركة. نحو: نستعينْ - غفورْ - الدارْ

النوع الثاني: الوقف بالرّوْم: الرّوم هو تبعيض الحركة وخفض الصوت قليلاً عمّن جاوره من الحروف بشكل يسمعه القريب دون البعيد ويكون في المرفوع والمضموم والمكسور والمجرور. وحكمه حكم الوصل فلا يصح معه إلا القصر (حركتان) فإذا وقفنا على كلمة ﴿ نَسْتَعِينُ ﴾ بالروم نمد الياء بمقدار حركتَيْن كما في الوصل.

أماكن تطبيق الرَّوْم

يُطَبقُ الرَّوْمُ:

1 - على كل ما خُتم بالضم أو الكسر. نحو: ﴿أَحَدٌ﴾، ﴿وَالْعَصْرِ﴾.
2 - على قصر المد العارض للسكون أي بمقدار حركتَيْن نحو: ﴿نَسْتَعِينُ﴾.
3 - على توسط وفويق توسط المد العارض للسكون إن كان مهموزاً نحو: ﴿السَّمَاءِ﴾ أي 4 أو 5 حركات.
والرَّوْمُ حكمُه حكم الوصل من حيث مقدار الحركات.



الإشمام
هو ضم الشفتَيْن بُعَيْد تسكين الحرف بغير صوت كهيئتهما عند النطق بالضمة وذلك إشارة للحركة التي خُتمت بها الكلمة ويكون في المرفوع والمضموم لا غير، والإشمام حكمه حكم الوقف بالسكون فيطبق عليه نفس مقادير المد. فإذا وقفنا على كلمة ﴿نَسْتَعِينُ﴾ بالإشمام فتمد الياء بمقدار حركتَيْن أو أربعاً أو ست حركات.



أماكن تطبيق الإشمام

يطبق الإشمام:

1 - على كل ما ختم بالضم أصلاً. نحو: ﴿فَصْلٌ﴾.
2 - على تثليث العارض للسكون إن كان غير مهموز نحو: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ على المد 4 - 5 - 6 حركات إن كان مهموزاً نحو: ﴿السَّمَاءِ﴾.
3 - مراعاة إظهار القلقلة عند الوقف بالإشمام نحو: ﴿نَعْبُدُ﴾.
 

كيفية الوقف على أواخر الكلمات القرآنية

 

الحركة كيفية الوقف عليها
السكون الأصلي الوقف بالسكون فقط مثل، تَنْهَرْ
الفتحة الوقف بالسكون فقط مثل: الْعَالَمِينَ
الضمة الوقف بالسكون والرَّوم والإشمام مثل: نَسْتَعِينُ، قَبْلُ
الكسرة الوقف بالسكون والرَّوم مثل: الرَّحِيمِ، وَالْعَصْرِ



كيفية الوقف على الكلمات المنونة
 

التنوين كيفية الوقف عليها
الرفع بحذف النون والوقف بالسكون وبالرَّوم وبالإشمام، مثل:رَّحِيمٌ
الكسر بحذف التنوين والوقف بالسكون وبالرَّوم، مثل، مُبِينٍ
النصب بالتعويض عن التنوين بالألف


 

لا يدخل الرَّوم والإشمامُ على خمسة مواضع:

1 - ما كان ساكناً في الحالَيْن نحو: ﴿فَلاَ تَنْهَرْ﴾ وحرف المد نحو:﴿قَالُواْ﴾.
2 - ولا على ميم الجماعة نحو: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ أو واو الجماعة نحو: ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ﴾.
3 - ولا على عارض الشكل أو الحركة العارضة للتخلص من التقاء الساكنَيْن نحو: ﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ﴾، ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾.
4 - ولا على تاء التأنيث التي يوقف عليها بالهاء ﴿رَحْمَةً﴾ بخلاف التاء الطويلة التي يدخل فيها الروم والإشمام نحو: ﴿رَحْمَةً﴾.

5 - أما هاء الضمير فاختلف فيها، فبعضهم منع الروم والإشمام فيها مطلقاً وبعضهم جوّزهما مطلقاً وبعضهم فصل حيث منعوا الروم والإشمام في أربع حالات:
1 - إذا كان قبلها ضم ﴿يَرْفَعُهُ﴾.
2 - أو واو ساكنة ﴿عَقَلُوهُ﴾.
3 - أو كسر ﴿بِهِ﴾.
4 - أو ياء ساكنة ﴿فِيهِ﴾.

وأجازوا في ثلاثة حالات:
1 - إذا كان مفتوحاً ما قبل الهاء ﴿تُخْلَفَهُ﴾.
2 - إذا كان قبلها ألف ساكنة ﴿اجْتَبَاهُ﴾.
3 - إذا كان قبلها ساكن صحيح ﴿عَنْهُ﴾.


نماذج عن الوقف بالسكون أو الروم أو الإشمام

 

الكلمة السكون المجرد الروم الإشمام
أَعُوذُ 3 أوجه، 2 - 4 - 6 حركات وجه واحد (حركتان) 3 أوجه، 2 - 4 - 6 حركات
يَقْبِضُ الوقف بالسكون وجه واحد وجه واحد
عَلَيْهِ 3 أوجه، 2 - 4 - 6 حركات لا شيء لا شيء
نَعْبُدُ الوقف بالسكون وجه واحد وجه واحد مع إظهار القلقلة
خُسْر الوقف بالسكون وجه واحد لا شيء
السَّمَاءَ 3 أوجه، 4 - 5 - 6 حركات لا شيء لا شيء
السَّمَاءَ 3 أوجه، 4 - 5 - 6 حركات وجهان، 4- 5 حركات 3 أوجه، 4 - 5 - 6 حركات
السُّفَهَاءُ 3 أوجه، 4 - 5 - 6 حركات وجهان، 4 - 5 حركات 3 أوجه، 4 - 5 - 6 حركات
عَنْهُ وجه واحد وجه واحد وجه واحد
هَؤُلَاءِ 3 أوجه، 4 - 5 - 6 حركات وجهان، 4 - 5 حركات لا شيء



هذا ونكمل البحث في نوعي الرابع والخامس في العدد القادم بإذن الله (1) .
والحمد لله رب العالمين


(1) - إعداد: مدير التعليم المركزي الحاج عادل خليل.

 

 

   أهل البيت (عليهم السلام)

القرآن و أهل البيت (عليهم السلام)
ما نزل في الإمام الحسن (عليه السلام) من القرآن

 

الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) هو السبط الأكبر، وريحانة رسول الله، ووارث علم أبيه، وحامل راية الإمامة بعده، كنا قد بينا في عدد سابق بعض الآيات التي نزلت بحقه (عليه السلام) ، والآن نبين مجموعة جديدة من الآيات القرآنية في حقّ الإمام الحسن (عليه السلام) منضمّاً مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووالديه علي (عليه السلام) وفاطمة (عليه السلام) وأخيه الحسين (عليه السلام) ، فللإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) كما لسائر أهل البيت عليهم السلام مكانة عظمى في كتاب الله تعالى، فهذا القرآن الكريم، دستور الأمة ومعجزة الإسلام الخالدة، يحمل بين طياته الآيات البينات التي تنطق بمكانة الإمام الحسن (عليه السلام) وأهل البيت عليهم السلام عند الله تعالى، ومن تلكم الآيات منها:

1 - قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً ﴾ (1) .فعن ابن عباس: الحسن والحسين وفاطمة نسب، وعليّ الصهر(2) .
2 - قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ (3) الآيات، عن سعيد بن جبير، قال: نزلت هذه الآية والله خاصّة في أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: كان أكثر دعائه يقول: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا ﴾ ، يعني فاطمة و﴿ وَذُرِّيَّاتِنَا ﴾ يعني الحسن والحسين. ﴿ قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : والله ما سألت ربّي ولداً نضير الوجه، ولا سألته ولداً حسن القامة، ولكن سألت ربي وُلداً مطيعين لله، خائفين وجلين منه، حتى إذا نظرت إليه وهو مطيع الله قرَّت به عيني (4) .
3 - قوله تعالى: ﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ﴾ (5) . عن ابن عباس قال: هم أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : عليّ ابن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين وأولادهم إلى يوم القيامة، هم صفوة الله وخيرته من خلقه (6) .
4 - قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾ (7) .عن الصادق (عليه السلام) قال: الكفلين: الحسن والحسين(8) .

من كلمات الإمام الحسن (عليه السلام) :

وقد أُثر عن الإمام الحسن (عليه السلام) أنه قال: «إنّ هذا القرآن فيه مصابيح النور، وشفاء الصدور، فليجلُ جالٍ بضوئه، وليلجم الصفة قلبه، فإنّ التفكير حياة القلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور» (9) .
وقال (عليه السلام) : «ما بقي من الدنيا بقيّة غير هذا القرآن، فاتخذوه إماماً يدلّكم على هُداكم، وإنّ أحقّ الناس من عمل به، وإن لم يحفظه، وأبعدهم من لم يعمل به، وإن كان يقرأه» (10) .
وقال (عليه السلام) : «إنّ هذا القرآن يجيء يوم القيامة قائداً وسائقاً: يقود قوماً إلى الجنّة، أحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، وآمنوا بمتشابهه؛ ويسوق قوماً إلى النار، ضيّعوا حدوده وأحكامه، واستحلّوا محارمه»(11) .
وقال (عليه السلام) : «من قال في القرآن برأيه، فأصاب، فقد أخطأ» (12) .

وذكر أنه قال (عليه السلام) : عن سليم بن قيس عن الإمام الحسن بن علي(عليه السلام) إنه حمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ﴾ فكما أن للسابقين فضلهم على من بعدهم كذلك لأبي علي بن أبي طالب(عليه السلام) فضيلته [ فضله] على السابقين بسبقه السابقين. وقال: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ واستجاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وواساه بنفسه، ثم عمّه حمزة سيد الشهداء وقد كان قتل معه كثير فكان حمزة سيدهم بقرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثم جعل الله لجعفر جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة حيث يشاء وذلك لمكانهما وقرابتهما من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنزلتهما منه، وصلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على حمزة سبعين صلاة من بين الشهداء الذين استشهدوا معه، وجعل لنساء النبي فضلا على غيرهم لمكانهن من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفضل الله الصلاة في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بألف صلاة على سائر المساجد إلا المسجد الذي بناه النبي إبراهيم (عليه السلام) ، بمكة لمكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفضله وعلم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) [الناس الصلوات] فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، فحقنا على كل مسلم أن يصلّي علينا مع الصلاة فريضة واجبة من الله، وأحل الله لرسوله الغنيمة وأحلها لنا وحرم الصدقات عليه وحرمها علينا، كرامة أكرمنا الله وفضيلة فضلنا الله بها (13) .

نماذج ممّا روي عنه في مجال التفسير:
1. سئل (عليه السلام) عن معنى الشاهد والمشهود، في قوله سبحانه: ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ (14) فقال: أمّا الشاهد فمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأمّا المشهود فيوم القيامة، أما سمعته يقول:﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ (15) . وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ (16) (17) . وهذا كما ترى تفسير للقرآن بالقرآن.
2. وسئل عن تفسير قوله تعالى: ﴿  آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ قال: هي العلم والعبادة في الدنيا، والجنّة في الآخرة»(18) .فقد نبّه الإمام في كلامه هذا إلى ما يغفل عنه أكثر الناس، إذ أيّة حسنة أعلى من العلم والمعرفة، وعبادته سبحانه في الدنيا؟ وثمرة المعرفة هي الطاعة والعبادة.
3. كان الحسن بن عليّ إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، وقال: «إنّ الله جميل، ويحبّ الجمال، فأتجمّل لربّي، وقرأ: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾» (19) (20) . فالصلاة وفود العبد إلى الله سبحانه، فيليق بالوافد أن يحضر بأجمل الحالات، وأحسن الاَوضاع، لاَنّ الموفود إليه مالك الملك والملكوت.
ونكتفي بهذا القدر اليسير من الآيات والآثار، التي تؤكد مكانة الإمام الحسن السبط وأهل البيت (عليهم السلام) جميعاً عند الله تعالى. 

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في شَهْرِ رَمَضَانَ وَالحَجّ واَلْقُرْآنَ وغيرهم:
«إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ اَلْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اَللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اَلْإِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَاَلْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ اَلْإِسْلاَمِ وَكَلِمَةُ اَلْإِخْلاَصِ فَإِنَّهَا اَلْفِطْرَةُ وَإِقَامُ اَلصَّلاَةِ فَإِنَّهَا اَلْمِلَّةُ وَإِيتَاءُ اَلزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ اَلْعِقَابِ وَحَجُّ اَلْبَيْتِ وَاِعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ اَلْفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ اَلذَّنْبَ وَصِلَةُ اَلرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي اَلْمَالِ وَمَنْسَأَةٌ فِي اَلْأَجَلِ وَصَدَقَةُ اَلسِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ اَلْخَطِيئَةَ وَصَدَقَةُ اَلْعَلاَنِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ اَلسُّوءِ وَصَنَائِعُ اَلْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ اَلْهَوَانِ أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اَللهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ اَلذِّكْرِ وَاِرْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ اَلْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ اَلْوَعْدِ وَاِقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ اَلْهَدْيِ وَاِسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى اَلسُّنَنِ وَتَعَلَّمُوا اَلْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ اَلْحَدِيثِ وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ اَلْقُلُوبِ وَاِسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ اَلصُّدُورِ وَأَحْسِنُوا تِلاَوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ اَلْقَصَصِ وَإِنَّ اَلْعَالِمَ اَلْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ اَلْحَائِرِ اَلَّذِي لاَ يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ بَلِ اَلْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَاَلْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ وَهُوَ عِنْدَ اَللَّهِ أَلْوَمُ » (21) .

من كنت مولاه فهذا علي مولاه:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يا أيها الناس إني قد نبأني اللطيف الخبير إنه لن يعمر نبي إلا نصف عمر الذي يليه من قبله وإني قد يوشك أن أدعى فأجيب وإني مسؤول وإنكم مسؤولون فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت ورسوله وأن جنته حق وناره حق وأن الموت حق وأن البعث حق بعد الموت وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا مولاه يعني عليا اللهم وال من والاه وعاد من عاداه يا أيها الناس إني فرطكم وإنكم واردون علي الحوض أعرض ما بين بصرى إلى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضة وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما الثقل الأكبر كتاب الله عزَّ وجل سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا وعترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا حتى يردا علي الحوض » (22) .

الإكثار من قراءة القرآن:
عن الإمام الرضا (عليه السلام) : «وأَكثِرْ في هذا الشّهر المبارك من قراءة القرآن » (23) . نكتفي بهذا المقدار بما يتناسب مع المناسبات التي تأتي خلال الأربعة أشهر القادمة.


(1) - سورة الفرقان، الآية: 54.
(2) - بحار الأنوار: ج35، ص361.
(3) - سورة الفرقان، الآيات: 74 - 76.
(4) - بحار الأنوار: ج43، ص279.
(5) - سورة النمل، الآية: 59.
(6) - بحار الأنوار: ج43، ص279.
(7) - سورة الحديد، الآية: 28.
(8) - بحار الأنوار: ج43، ص279.
(9) - كشف الغمة: 2/195.
(10) - إرشاد القلوب:81.
(11) - نفس المصدر.
(12) - نفس المصدر.
(13) - بحار الأنوار: ج 26 / ص253.
(14) - سورة البروج، الآية:3.
(15) - سورة الاَحزاب، الآية:45.
(16) - سورة هود، الآية: 103.
(17) - بحار الاَنوار:1/13.
(18) - الاثنا عشرية:53.
(19) - سورة الاَعراف، الآية: 31.
(20) - تفسير الصافي: 2/189.
(21) - نهج البلاغة: الخطبة 1.
(22) - كنز العمال: باب الإعتصام بالكتب والسنة.
(23) - مستدرك الوسائل: ج4، ص197.

 

   نباتات ذكرت في القرآن الكريم

السدر في القرآن الكريم

 

 

ورد ذكر «السدر» في القرآن الكريم أربع مرات، فهي من أشجار الجنة يتفيأ تحتها أهل اليمين، حيث قال تعالى:
﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ﴾ (1) . وقال تعالى: ﴿ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ (2) . وقد نالت من الله الخالق سبحانه وتعالى مكانة تكاد تنفرد بها بين النباتات، حيث كرمها الله عزَّ وجل بأن جعل سدرة المنتهى في أعلى مراتب الجنة عند عرش الرحمن قال سبحانه: ﴿ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾ (3) .

نبذة عن السدر:

هو نبات شجري شائك قديم قدم الإنسان، وقد عرف منذ الاف السنين، وهو بري صحراوي في أصله ويمكن زراعته، لا يحتاج إلى ري غزير لطبيعته الصحراوية، موطنه الأصلي شبه الجزيرة العربية، وثمره إسمه النبق (الكنار) حلو في طعمه وعطر في رائحته، ومنها نوعان: «عبري» أو«بستاني» تنتشر زراعته في الحقول والحدائق وتؤكل ثماره، و«ضال» وهو النوع الفطري المنتشر بالمناطق البرية والأودية، فمنه ذو ثمر كبير الحجم والمتوسط والصغير، ومنه ذو نوى ومنه لا نوى به، وهناك أيضاً لون النبق أصفر أو أخضر أو أحمر، وهناك الحلو والمر، وهناك سدر ذا شوك وهناك ما لا شوك فيه، وشجرة السدر كثيفة جذورها متعمقة ومنتشرة ذات جذع متفرع لأفرع متعرجة لونها بني فاتح متباينة في الطول فقد يصل إرتفاعها من 2 إلى 5 أمتار وأكثر، أوراقها بيضاوية صغيرة بسيطة واضحة وبارزة العروق يصل طولها إلى 3 سنتيمترات، وأزهارها خضر مصفرة قطرها أيضا 3 سنتيمترات، ثمارها غضة خضراء تصفر عند نضجها وتحمر عندما تجف، أيضاً فإن ثمارها وأزهارها وأوراقها كثيراً ما استخدمت في تحضير المواد الطبية الشافية للعلل والأمراض، وقد ساهمت كل هذه الأسباب في إحاطة شجرة السدرة بهالة المحبة على مرّ التاريخ.

تكاثر السدر:

تتكاثر أشجار السدر بالعقل التي تزرع شتاءً أو بالبذور التي تجمع صيفاً، حيث أن البذور التي تجمع شتاء لا تنبت. ونسبة الإنبات في البذور منخفضة تصل إلى 30% تقريباً وتعامل البذرة بالنقع في الماء قبل زراعتها. كما يمكن إجراء التكاثر بالتطعيم على نوع السدر الهندي ذي الثمار الكبيرة.

الوصف النباتي:

ينتمي السدر إلى الفصيلة النبقية والتي تضم حوالي /58/ جنساً منها ثلاثة أجناس رئيسية أهمها جنس النبق وتضم الفصيلة حوالي /600/ نوع ما بين أشجار وشجيرات ومتسلقات ونادراً اعشاباً تنتشر في جميع مناطق العالم المختلفة.

البيئة التي تعيش فيها:

أشجار السدر ذات جذور متعمقة تتحمل الظروف البيئية القاسية إلا أنها تحتاج لشتاء دافئ حيث لا تتحمل درجات الحرارة المنخفضة وبصفة عامة تنمو أشجار السدر في المناطق الحارة والمعتدلة. ينمو السدر في جميع أنواع الأراضي بشرط عدم ارتفاع منسوب الماء الأرضي، وتجود زراعته في الأراضي الرملية أو الصفراء مما يشير إلى تحمل أشجار السدر للجفاف.

فوائد شجرة السدر:

إن من أهم أجزاء هذه الشجرة والتي يستفاد منها هي (القشور- الأوراق - الثمار - البذور - الأزهار) ، فقد عرف الإنسان فوائد السدر من قديم الأزل، حيث أن ما يثبت كلامنا هذا هو أن القدماء المصريين قد إستخدموا السدر في التحنيط، وقد استخدم قشر جذع أو نشارة خشب السدر في علاج قروح الأحشاء، أما نوى أو بذور النبق إذا دهس وهرس ووضع على الكسر جبره، وأزهار شجرة «السدر» فإن نحل العسل يرعى عليها ويتغذى على رحيقها وينتج منها عسلاً جيداً ذا قيمة غذائية عالية يسمى «عسل السدر» وهو من أغلى أنواع العسل البري المطلوبة.

فوائد ثمر السدر:

1- يستخدم في قتل الديدان الحلقية وإزالة الرياح الغليظة (غازات المعدة) وذلك بعد غلي النبق وشربه فينظف المعدة وينقي الدم.
2- عصير النبق الناضج مع السكر يزيل الحرقة ويروي العطش.
3- يؤكل قبل الوجبة وذلك لإعتباره فاتح للشهية.
4- ويمكن إعتباره منشط للجسم حيث بأكله يعيد للإنسان حيويته.
5- كما أن تناول كمية كبيرة من النبق يدر الطمث عند النساء وقد يؤدي إلى الإجهاض.

فوائد ورق السدر:

1- يستخدم مسحوق ورق السدر في لحم أو مداواة الجروح.
2- تستخدم الأوراق المهروسة أو المطحونة كمادة لتنظيم الجسم أو الشعر، والشعر المغسول بهذه الأوراق يصبح ناعماً ولامعاً جداً، فهو يقضي على الشقرة أيضاً.
3- ويمكن إعتباره أيضاً عنصر فعال في تنقية البشرة وتنعيمها كذلك.
4- كما يستخدم مهروس الأوراق في عمل لبخات لعلاج المفاصل.
5- تستعمل الأوراق لعلاج إضطرابات الجلد والجروح.

ذكر السدر في الروايات:

عن مولانا الصّادق صلوات الله عليه يقول: «كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يغسّل رأسه بالسدر ويقول: اغسلوا رؤوسكم بورق السدر، ونقّوا، فإنّه قدّسه كلّ ملك مقرّب وكلّ نبيّ مرسل. ومن غسّل رأسه بورق السدر، صرف الله عنه وسوسة الشيطان سبعين يوماً ـ الخبر » (4) .
وقال أبوعبد الله (الإمام الصادق (عليه السلام)) : «يغسل الميت ثلاث غسلات مرة بالسدر ومرة بالماء يطرح فيه الكافور ومرة اخرى بالماء القراح ثم يكفن، الحديث » (5) .
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل (عليه السلام) : «يا محمّد، إنّ لكلّ شيء سَيِّداً، فسَيِّد البشر آدم، وسَيِّد ولد آدم أنت... وسَيِّد الشجر السِّدْر، وسَيِّد الطير النَّسْر، وسَيِّد الشهور رمضان، وسَيِّد الأيّام يوم الجمعة، وسَيِّد الكلام العربيّة، وسَيِّد العربيّة القرآن، وسَيِّد القرآن سورة البقرة» (6) .
فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ


(1) - سورة الواقعة، الآيتان: 27 - 30.
(2) - سورة سبأ، الآيتان: 16 - 17.
(3) - سورة النجم، الآيتان: 14 - 16.
(4) - بحار الأنوار: ج63، ص87.
(5) - وسائل الشيعة: ج2، ص482.
(6) - غريب الحديث في بحار الانوار: ج2، ص242، باب السين مع الواو.

 

 

   حيوانات ذكرت في القرآن الكريم

البغال في القرآن الكريم


 

الآية التي ذكرت «البغال»:

جاء ذكر البغال في القرآن الكريم في سورة (النحل) : ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (1) .

تمهيد:

في تفسير العياشي، عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن أبوال الخيل والبغال والحمير قال: نكرهها، قلت: أليس لحمها حلالا؟ قال: فقال: أليس قد بين الله لكم: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وقال في الخيل والبغال والحمير: ﴿ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ فجعل الأكل من الأنعام التي قص الله في الكتاب، وجعل للركوب الخيل والبغال والحمير وليس لحومها بحرام ولكن الناس عافوها.
أقول: والروايات في الخيل والبغال والحمير مختلفة ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) حلية أكل لحومها على كراهية (2) .

معلومات عامة عن البغل:

البغل حيوان أليف هجين ينتج عن تزاوج الفرس (أنثى الخيل) مع ذكر الحمار، أما الحيوان الذي أبوه حصان وأمه أتان (أنثى الحمار) فيسمى النّغْل. والبغل حيوان ثديي من آكلات الأعشاب، وكانت في الماضي من حيوانات العمل المفضلة في جميع انحاء العالم وقد قام بعض المهتمين بتربية أنواع معينة من الحمير الضخمة باستيلاد بغال كبيرة الحجم، ويشبه البغل أبواه إلى حد ما في أذنيه الطويلتين وعرفه القصير وذيله الذي توجد به خصلة شعر طويلة في نهايته كما عند الحمار.. ويرث عن الحمار كذلك صغر رأسه ودقة قوائمه وصغر حوافره ويشبه أمه الفرس في قوتها وضخامة جسمها واللون والشكل.
والبغل حيوان معمر وعقيم وكذلك أنثاه وهو قليل التعرض للأمراض ويمتاز ببصره وقوته، ولذا فهو يقوم بأعمال شاقة يعجز عنها الحصان.
ومن هنا يطلق عليه (أبو الاثقال وأبو الحرون وأبو قُضاعة والكودن وأبو قموص) . وجمع البغل، بغال وأبغال، وتسمى أنثاه البغلة والسفواء. أما صوته فيسمى السحال والسّحيل والشّحاح والشّحيج، ويطلق على بيته الاسطبل.
ويضرب المثل في البغل والبغلة في العقر كما يضرب ببغلة أبي دلامة في كثرة العيوب، فيقال «أعقر من بغلة، وأعقم من بغلة»، «وما هو إلا كبغلة أبي دلامة».
ومن الأمثال أيضاً قيل للبغل: من أبوك؟ قال الفرس خالي! وهو يضرب للمخلط أو لمن يفخر بشيء لغيره.

أوّل بغل مستنسخ:

ويعتبر البغل إيداهو أوّل استنساخ لحيوان من عائلة الخيول ففي الولايات المتحدة تمكن فريق من العلماء من استنساخ أوّل بغل في العالم، وتجدر الإشارة إلى أنَّ معدل نجاح هذا النوع من الاستنساخ ضعيف جداً فمن كل ثلاثمائة جنين تولد ثلاثة بغال فقط.
ومن الغرائب التي حدثت في المغرب أنَّ بغلة انجبت جحشاً! حيث قال خبراء الهندسة البيطرية أنَّ أب الجحش حمار وأمه بغلة حقيقية. وتعد هذه الحالة مخالفة للقاعدة العلمية حيث يفترض أنَّ أرحام البغلات عقيمة لكن لله في خلقه شؤون ويخلق ما لا تعلمون...! وكانت البغلة البالغة من العمر 14 عاماً قد وضعت الجحش في قرية صغيرة بمنطقة أولماس الواقعة على مسافة 80 كيلومتراً إلى الجنوب من مدينة فاس التاريخية.
وكان فريق من الباحثين قد زاروا الموقع واخذوا عينات من دم الجحش لإجراء تحاليل عليه، ووجد بعد التحاليل أنَّ أم الجحش تحمل في دمها خصائص الخيل والحمير على حد سواء بمعنى أنه هجين حقيقي نجم عن اختلاط بين الخيل والحمير، وأظهرت نتائج التحليل دم الجحش أنَّ أباه حمار، ويبدو هذا الجحش قريب الشبه من بغل صغير لكنه ليس حماراً أو بغلاً. ومن الناحية الجينية يعتبر الجحش ربع حصان وثلاثة أرباع حمار!
ويشار إلى أنَّ الخيل تمتلك 64 نوعاً من الكروموزومات في حين تمتلك الحمر 62 كروموزوماً، أما البغال فتأتي في الوسط بثلاثة وستين منها وهو عدد لا يمكن تقسيمه الأمر الذي يجعل البغل غير قادر على التناسل!
وللبغال عامة مقاومة عالية للأمراض.
البغال حيوانات قوية العضلات صغيرة الجسم سريعة الحركة تستعمل في الركوب والجر, وأفضل البغال صنفا هي البغال القبرصية.
للبغال استخدامات خاصة في الجيوش حيث لا يخلو جيش من سرية جبلية للبغال تقوم بمساعدة القوات المسلحة في حمل الأحمال الثقيلة في المناطق الجبلية ذات الطرق غير السالكة والتي قد تصعب حتى على أحدث وسائل النقل العسكرية الحديثة.
تتصف البغال بالعناد فيقال «عنيد كالبغل» ، وعندما يقسو عليها سائسها وهي سائرة في أعالي الجبال ترمي بحملها وتنتحر رامية بنفسها من فوق الجبل.

الروايات التي ذكرت فيها لفظة «البغل»:

عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أسري به نزل جبرئيل (عليه السلام) بالبراق وهو أصغر من البغل وأكبر من الحمار، مضطرب الأذنين عيناه في حوافره، خطاه مدُّ بصره، له جناحان يُحَفِّزَانه من خلفه، عليه سرج من ياقوت فيه من كل لون، أهدب العرف الأيمن، فوقفه على باب خديجة ودخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فمرح البراق، فخرج إليه جبرئيل (عليه السلام) فقال: أسكن فإنما يركبك أحب خلق الله إليه. فسكن » (3) .
وعن الفضل أبي العباس في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضلات الهرة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئا إلا سألته عنه فقال: لا بأس، حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: رجس نجس لا تقربه » (4) .
وقال الرضا (عليه السلام) : «كره أكل لحوم البغال والحمر الأهلية، لحاجة الناس إلى ظهورها واستعمالها والخوف من فنائها لا لقذر خلقتها ولا قذر غذائها » (5) .


(1) - سورة النحل، الآية: 8.
(2) - تفسير الميزان: سورة النحل، الآية: 8.
(3) - الخرائج: 1/84.
(4) - عوالي اللآلي: ج2، ص85.
(5) - الفصول المهمة في أصول الأئمة: ج2، ص428.

 

   إضاءة على كتاب قرآني

 

الفوز العظيم والخسران المبين
في القرآن الكريم

 


اسم الكتاب:الفوز العظيم والخسران المبين في القرآن الكريم.
صاحب الكتاب: الشيخ عارف هنديجاني فرد.
تاريخ الطباعة: 1435هـ-2014م.
نشر جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد.

ملخص الكتاب: يسلط المبحث الضوء على أنه من الممكن الفصل بين الفوز والخسران طالما أن القرآن الكريم قد عرض لهما في سياقين مختلفين جاعلاً إيّاهما على طرفي نقيض باستثناء سورة العصر التي شملتها في سياق واحد فالآيات إنما تشير إلى الفوز العظيم وما يكون به هذا الفوز وإما أن تلحظ الخسران المبين وما يكون به هذا الخسران،ومثلما أن الفوز إنما يكون بالطاعة لله ورسوله فإن الخسران إنما يكون بالطاعة للشيطان والإستجابة لندائه في معصية الله تعالى.

إن الفوز والخسران لهما متعلقات كثيرة على مستوى الواقع الإنساني وتجلّيات التجربة الإنسانيّة في الحياة بحسب رأي الباحث، ذلك أن المفاهيم بما هي حقائق قرآنية تتجاوز المعطى الواقعي إلى الفوز والخسارة على مستوى النفس الإنسانية، كما هو مفاد سورة العصر حيث قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ ﴾ (1) .

إن ما يمكن تلمسه من سياق الآيات القرآنية التي تتحدث عن خسران النفس والأهل والخلود في جهنّم فيما لو كذّب الإنسان وتولى، وكذلك الآيات التي تتحدث عن الفوز والرضوان يخرج هذه المفاهيم من مجرّد كونها أخباراً لتكون حقائق معاشة في حياة الإنسان يتبصّر بها وفيها، ليدرك أن الفوز والخسران هما نتيجة لما يكون عليه الإنسان من إيمان وعمل وسلوك وأخلاق، على اعتبار أن السياق في كثير من الآيات يفيد هذا المعنى ويؤكد عليه، خاصة لجهة ربط الفوز والخسران بما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في ذات نفسه من عقيدة وإيمان وولاء وانتماء إلى الله تعالى، فهو إن كان مطيعاً لله ورسوله كان له الفوز والرضوان، وأما إن كان مطيعاً للشيطان فله الخسران المبين في الدنيا والآخرة.

إن سياق آيات الفوز والخسران في القرآن الكريم لا يلحظ الفوز العظيم أو الخسران المبين في سياق منفصل عن الطاعة لله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) إضافة إلى ارتباط هذا الموضوع بحقيقة التولي والتبري، حيث نجد القرآن يقدم الإعتقاد والإيمان كأساس لسعادة الإنسان، وتأتي النعم الإلهية في الدرجة الثانية محفوفة بأنواع من البلاء والإمتحان، هذا فضلاً عما يراه القرآن ويعرض له في جانب التجربة البشرية للإنسان، إذ أن القرآن لم يقل ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴾ (2) أو ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ (3) من خارج التجربة، بل كان الأمر الإلهي والإلتزام به والطاعة له هو تحقق الفوز والبلاء، تماماً كما كانت معصية إبليس في التجربة سبباً في خسرانه وخروجه عن أمر ربه وكما قال بعض العارفين:«يا معشر المغترّين بالعصم، إنّ تحتها أنواع النقم، زيّن الله إبليس بأنواع عصمته، وهو عنده في حقائق لعنته، وزيّن بلعام بأنواع ولايته، وهو في حقائق عداوته» لذلك فإنّ النعم والإبتلاءات المختلفة بالفقر والغنى والصحة والمرض ليست من متعلقات الفوز والخسران بالشكل الذي يجعل منها أساسيات لهما، فهذا كله شيء ثانوي في سياق الرؤية القرآنية.

وإذا كان القرآن قد أكثر من استعمال الدنيا والآخرة فذلك أنّما كان بهدف أن يتبصّر الإنسان بما يؤدي به إلى السعادة والفوز بها في الدنيا والآخرة ولهذا فإن أكثر الأسئلة توارداً في البحث هي:
• هل معنى الخسران في الآخرة أن يفوز الإنسان في الدنيا بما أعده الله تعالى له من نعمة وزينة ؟
• ما هي الأسس أو القواعد التي يرتكز عليها الإنسان في تعريف وتحديد كل من الفوز والخسران، سواء في الدنيا أم في الآخرة؟
• وهل الإشكالية في بحث الفوز والخسران تكمن في أن الدنيا والآخرة لا تلتقيان أو ضرّتان، فمن أراد الدنيا خسر الآخرة ومن أراد الآخرة خسر الدنيا ؟ أم أن الإشكالية كامنة في ذات الإنسان وما يكون عليه من مباديء وأهداف تجعله مضطرباً في تحديد خياراته، وفي التبصر بمآلاته وتحولاته، لكون الإنسان هو أكثر شيء جدلاً، إذ غالباً ما تدفع به تحولات الحياة وزينة الدنيا إلى أن يكون أكثر الأشياء اضطراباً في حركته الإنسانية في سبيل الحياة.

إنّ الإشكالية تكمن في أن الإنسان يريد أن يكون فائزاً سواء في الدنيا،أم في الآخرة ولكنه ونتيجة لإضطراب حالاته النفسية والعقلية تلتبس عليه الأمور والأحوال ويخرج في طلب الدنيا ظنّاً منه أنها الغاية فيما ينشده من مال ومتاع، وأن الموت هو منتهى الآمال والأحوال، وقد قال المنكرون للبعث: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ (4) .
والإشكالية ليست في أن الدنيا والآخرة لا تلتقيان أوأنهما على طرفي نقيض، وإنما هي في ما ينطوي عليه الإنسان في ذات نفسه من تناقضات وحالات نفسية وعقلية واعية وغير واعية إذ هو في الوقت الذي يعتقد فيه أنه فائز يكون خاسراً وذلك يكون له بسبب تناقض أحواله وتسافل اعتقاده فيما يراه أنه الحق، فيضطرب حاله وتغلبه شهواته فيؤول أمره على الخسران المبين مثله كمثل الإنسان المريض الذي يعتقد واهماً أن علاجه إنما يكون فيما يختاره من دواء لنفسه وليس فيما يختاره الطبيب له فيقدم على تشخيص حالاته وأمراضه وفق رؤيته ويعمى عمّن ينبغي أن يلجأ إليه في تشخيص حاله بحسب ما يقتضيه مرضه الحقيقي.وقد منّ الله تعالى على الأمم والشعوب بالأنبياء بهدف تطبيب الناس وهدايتهم إلى الحق والخير والصواب بحيث لا يلتبس عليهم الأمر ويختاروا ما هو النافع لهم في الدنيا والآخرة.

الدنيا مزرعة الآخرة:

إن الدنيا جعلت كما أرادها الله تعالى مزرعة للآخرة وقنطرة يطلّ الإنسان من خلالها على أفق الخلود، بل هي كما يرى الأنبياء والأولياء متجر أولياء الله تعالى وقد قال الإمام علي (عليه السلام) : أن أهل الآخرة ليسوا على عداء مع نعم الله تعالى أو مع ما جعلت عليه الأرض من زينة كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ (5) وهذا دليل على أن الدنيا ليست نقيضاً للآخرة، والدنيا التي ذمها الأولياء والأنبياء هي دنيا المعصية والفسق والكفر والشرك أما دنيا العقل والطاعة فهي الدنيا التي جعلت ممراً لدار القرار، ولو لم يكن الأمر كذلك لما قال الله تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ (6) .

الفوز العظيم:

إن الفوز العظيم فيما اصطلح عليه من معنى ليس شيئاً غير ما عرّفه به أهل اللغة من ظفر بالخير وحصول السلامة في الدين والدنيا بحيث يكون الإنسان على خوف ورجاء وتقوى فيما يأتيه من أعمال ويؤدّيه من طاعات لأن التقوى بها فاز من فاز من المتقين وبها أوصى الله تعالى الأولين والآخرين، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ ﴾ (7) وفي آية أخرى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ (8) وفي آية أخرى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ (9) .وعليه فإن آيات القرآن الكريم توضح لنا معنى أن يتقي الإنسان ربه ليكون فائزاً في الدنيا والآخرة حيث أن جوهر الفوز هو الطاعة لله ورسوله وخشية الله كما قال تعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ (10) .

الخسران المبين:

الخسران المبين هو عدم الفوز بما جاء به الأنبياء واتباع الهوى وسعي الإنسان وراء ملذات الدنيا بعيداً عن طاعة الله تعالى وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، كما قال الله تعالى:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾ (11) .
إن الميزان الحقيقي هو ميزان الأعمال ولهذا قال الله تعالى: ﴿ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ﴾ ولم يقل بالأخسرين أموالاً أو أثماناً، كما أنه لم يقل بالأخسرين عملاً لكون التمييز لا يأتي إلا مفرداً وهذا كله إنّما جاء ليدلّل على أن الخسارة إنّما تكون شاملة من جميع الجهات والخسارة لنفسه وأهله كما قال تعالى: ﴿ فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ (12) . والخسران الحقيقي ليس خسران الأثمان بل خسران الإيمان والأعمال الخسران الذي تكون النفس ثمناً له في نار جهنّم والعمل الذي يؤدي بصاحبه إلى أن يكون خاسراً في الدنيا والآخرة ذلك أن قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ (13) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ (14) .
إلى ذلك فإن الأخسرين أعمالاً ليسوا فقط أولئك الذين ضلّوا سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وإنما يضاف إليهم كل من اشترى الضلالة بالهدى وكذّب بآيات الله تعالى ولقائه، كما في قول الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ (15) .

التوبة:

يسأل الباحث في نهاية المبحث:هل أن الخسران ينجبر بالتوبة قبل الموت؟
يجيب: يقول تعالى: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ (16) إن التوبة فيما لو حصلت قبل معاينة الآخرة فإن الله يقبل التوبة عن عباده لكونه التواب الرحيم وقابل التوب وغافر الذنب وقد سبقت رحمته غضبه ولكن هذه الرحمة الواسعة وهذه التوبة عن العباد تبقى مرهونة بما يقدم عليه العبد من أوبة قبل أن يحق القول فيه ويدخل في ضمير الخبر الإلهي بالعذاب.
إن أي باحث لا يسعه إلا أن يتدبّر في سياق الآيات القرآنية ليستظهر منها حقيقة الموقف الرسالي باعتبار أن القرآن يوضّح الكثير من الدلالات ويدعو الإنسان إلى التعرف إلى ما يرضي الله تعالى وعلا استحق أن يكون من الخاسرين.
إن أهم مفاتيح بناء مفهومي الخسر والفوز بالنسبة للأفراد والأمم هو تكوين رؤية واضحة لما يحبه الله تعالى وما يكرهه لأن الفوز المبين والعظيم والكبير والرضوان هو في ما يحبه الله تعالى وإن كل خسران مبين هو فيما يكرهه الله تعالى (17) .


(1) - سورة العصر.
(2) - سورة الصّافات، الآية: 106.
(3) - سورة الصافات الآية 6
(4) - سورة المؤمنون، الاية: 37 .
(5) - سورة الكهف، الآية:7.
(6) - سورة القصص، الاية: 77 .
(7) - سورة النساء الآية 131
(8) - سورة البقرة الآية 194
(9) - سورة الحجرت، الآية: 13 .
(10) - سورة النور، الآية: 52 .
(11) - سورة الكهف، الآيتان: 103-104.
(12) - سورة الزمر، الآية: 15.
(13) - سورة الأعراف، الاية: 9 .
(14) - سورة المؤمنون، الاية: 103 .
(15) - سورة يونس، الآية: 45 .
(16) - سورة النساء، الآية: 17.
(17) - غعداد: الاستاذ رامي بليبل.

 

    أنشطة الجمعية

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ



الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطاهرين. جاء في سورة التوبة: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ .
هذه الآية الكريمة لا توجب تعلّم الدين الإلهي فحسب بل توجب تعليمه ونشره بعد تعلمه أيضاً، وهي تؤكد على لزوم التعليم والتعلم.
قيل في نزول الآية أنه كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خرج غازيا لم يتخلف عنه إلا المنافقون والمعذرون فلما أنزل الله تعالى عيوب المنافقين وبين نفاقهم في غزاة تبوك قال المؤمنون والله لا نتخلف عن غزاة يغزوها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا سرية أبداً فلما أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسرايا إلى الغزو نفر المسلمون جميعاً وتركوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده فأنزل الله سبحانه: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ ﴾ الآية.

تبين الآية أنه ليس للمؤمنين أن ينفروا ويخرجوا إلى الجهاد بأجمعهم ويتركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فريداً وحيداً وليس عليهم أن ينفروا كلهم من بلادهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليتعلموا الدين ويضيعوا ما وراءهم ويخلوا ديارهم ولكن يخرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة ويبقى مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جماعة ليتفقهوا في الدين يعني الفرقة القاعدين يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والأحكام فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن وتعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا إليهم، قال الإمام الباقر (عليه السلام) : «كان هذا حين كثر الناس فأمرهم الله أن تنفر منهم طائفة وتقيم طائفة للتفقه وأن يكون الغزو نوباً ».

إن التفقه والإنذار يرجعان إلى الفرقة النافرة وحثها الله تعالى على التفقه لترجع إلى المتخلفة فتحذرها.
وكيفما كان فان الآية تبين بوضوح حقيقة أن أحد أهداف الخلق هو العلم والمعرفة، وتعريف الإنسان بعلم الله وقدرته وصفاته وذاته. وهذه الآية صريحة في بيان أركانِ المعرفة إلى حد بعيد. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : «لوددتُ أن أصحابي ضربتُ رؤوسهم باسياط حتى يتفقهوا» ونحن في جمعية القرآن نسعى من أجل أن نوصل هذه الرسالة إلى كل المتعطشين لمعرفتها وما يتصل بها لفهمها والعمل بها وإليكم بعض الأنشطة التي تصب في هذا الاتجاه.

 

1- نشاط القسم التعليمي وبرامجه:

- ويستمر القسم التعليمي في برامجه التعليمية ودوراته في لبنان خلال الأشهر الأربعة (رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة) وفق رؤية البرنامج السنوي الذي يتضمن العناوين التالية:
1 - الحلقات القرآنية في المساجد والحسينيات.
2 - التلاوة والتجويد للمرحلة المتوسطة والتخصصية.
3 - الصوت والنغم للمرحلة المتوسطة والتخصصية.
4 - مجمع قرَّاء القرآن والقارئات.
5 - مناهج التفسير وتفسير الجزء السادس من القرآن الكريم.
6 - تفسير سورة النور.
7 - العلوم القرآنيَّة.
8 - علم الوقف والإبتداء.
9 - أساليب تحكيم المسابقات القرآنيَّة.
10 - أساليب تدريس التجويد وحفظ القرآن.
11 - الورش التعليميَّة.
12- الدورات المركزيَّة المغلقة في العناوين التالية:
أ- تأهيل القرَّاء والقارئات.
ب- تأهيل معلمي التجويد والوقف والإبتداء.
ج- تأهيل الحكّام في المسابقات القرآنيَّة.
د- أساليب تدريس حفظ القرآن.
هـ- أساليب تدريس التفسير والعلوم القرآنيَّة.

 

2- نشاط قسم التحفيظ للقرآن الكريم:

- تقيم جمعية القرآن الكريم دورات حفظ القرآن الصيفية في كل المناطق لمدة شهرين دورات صيفية الممتدة ما بين تموز إلى أيلول. لاستفادة الطلاب الذين أنهوا عامهم الدراسي من حفظ جزئين في القرآن الكريم في الفترة الصيفية الممتدة من
1 تموز إلى آخر آب، فعلى الراغب بالمشاركة الاتصال بمراكز الجمعية في المناطق كافة.

 

3- نشاط قسم النشاطات القرآنية:

- أقام قسم الأنشطة المركزيَّة في الجمعية المسابقة السنوية السابعة عشرة في حفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره للإخوة والأخوات وفي رفع الأذان (للإخوة) .
فئات الحفظ: 5 - 10 - 15 - 20 - 25 - 30 جزءاً.
فئات التلاوة: ترتيل للإخوة والأخوات - والتحقيق: للإخوة والأخوات.
فئة التفسير: للإخوة والأخوات - في تفسير سورتي العنكبوت والفرقان.
فئة رفع الأذان: للإخوة.
حيث أجريت التصفيات النهائية في 28 / و30 / 11 / 2014م في بيروت.


- في رحاب الولادة العطرة لسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليهم السلام) وولادة حفيدها الإمام الخميني (قده) وبرعاية رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله سماحة السيد هاشم صفي الدين ورئيس بلدية الغبيري الحاج محمد سعيد الخنسا، أقامت جمعية القرآن الكريم في قاعة الجنان حفل تخرّج الفائزين في المسابقة السنوية السابعة عشرة لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره ورفع الأذان والفائزين في الدورات التخصصيّة المركزيّة وذلك في 3/ 4/ 2015م .

 

- أجرت الجمعية مسابقة المفاهيم القرآنيّة على ضوء الصحيفة السجاديَّة حيث أقامت هذه المسابقة خلال شهر كانون الثاني 2015م إن شاء الله تعالى.

قسم الدراسات القرآنية:
تمكنت جمعية القرآن خلال الأشهر الماضية من طباعة الإصدارات التالية:
-طباعة مجلة هدى القرآن العدد.
- مجلة نافذة من السماء العدد.
- أريج القرآن أصبحنا في العدد .
- دروس في علوم القرآن الكريم .
- وهناك كتب الآن تحت الطباعة
.

 

4- نشاط قسم الدراسات القرآنية:

كانت ولا تزال جمعية القرآن الكريم من خلال قسم الدراسات في حركة علمية وثقافية أنجبت الكثير من الكتب العلمية والمعرفية القرآنية وقد أسهم بعض الأعلام بأقلامهم في إثراء المكتبة القرآنية، لقد تحدينا قساوة الظروف وصعوبة الأوضاع السياسية والأمنية، واستمرينا في تحمل مسؤولياتنا لنقدم للأجيال البشرية أفكاراً جديدة ونتاجاً جديداً، وإن نتاج تلك الأقلام هو مصداق لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مداد العلماء خير من دماء الشهداء»، فقد تمكنت الجمعية من طباعة (مجلة هدى القرآن العدد 15) و(أريج القرآن العدد 85) وكتب كثيرة آخرها (كتاب الوعد والوعيد في القرآن المجيد) وكتاب (القرآن على ضوء الصحيفة السجادية) وهناك كتب الآن قيد الطباعة.

 


بمناسبة ذكرى المبعث النبوي الشريف وتحديداً في 15/ 5/ 2015م، وبرعاية أمين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) ممثلاً برئيس المجلس السياسي في حزب الله سماحة السيد إبراهيم أمين السيد أقامت جمعية القرآن الكريم - بالتعاون مع جمعية المعارف الإسلامية الثقافية والتعبئة التربوية في حزب الله - حفل تكريم الفائزين الجامعيين في مسابقة جائزة سيد شهداء المقاومة الإسلاميَّة الشهيد السيد عباس الموسوي (قده) في: حفظ القرآن الكريم، وتفسير سورة الفرقان، وتجويد القرآن الكريم، وذلك في قاعة السيد عباس الموسوي (رض) في مجمع القائم (عج)، حيث وزعت الدروع والهدايا على الفائزين.

 

5- أمسيات:


مع حلول أيام وليالي شهر رمضان المبارك، وبالتنسيق مع وحدة الأنشطة الثقافية في حزب الله، تقيم جمعية القرآن الكريم سلسلة من الأمسيات والحفلات القرآنية في كافة المناطق اللبنانية، حيث تستضيف عدداً من كبار القراء والحفاظ وفرق التواشيخ الدينية من لبنان والعالم الإسلامي، ونحن ندعوكم للمشاركة والأنس بالقرآن الكريم ولمعرفة أماكن الأمسيات الاشتراك عبر الواتس آب على الرقم التالي: 0096176663964 .

في ذكرى المبعث النبوي الشريف أحيت جمعية القرآن الكريم بالتنسيق مع جمعية المعارف الإسلامية الثقافية هذه المناسبة العطرة بسلسلة من الأمسيات القرآنية في كافة الأراضي اللبنانية حيث تمّ استضافة نخبة من كبار القرّاء والحفاظ وفرقة التواشيح الدينيّة من جمهورية مصر العربية والجمهورية الاسلامية الايرانية ولبنان.

 

   مسابقة العدد




1 - ما هو معنى ﴿ مُطْمَئِنٌّ ﴾ ؟
أ - ثابت.
ب- ساكن.
ج -كلاهما صحيح.

2 - هل التفسير الفيضي هو:
أ - تأويل الآيات على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات رمزية.
ب - يرتكز على رياضة روحية يأخذ بها الصوفي.
ج - كلاهما صحيح.

3 - من كتب شرحاً على كتاب القراءات السبع لابن مجاهد، سماه الحجّة في القراءات السبع ؟
أ - أبوحاتم السجستاني.
ب - أبو علي الفارسي.
ج- كلاهما خطأ.

4- أين كان يسكن قوم ثمود ؟
أ - وادي القرى بين المدينة والشام.
ب- وادي حضرموت وراء مدينة اليمن.
ج - وادي السلام في العراق.

5 - ما هو حكم صلاتنا (الصبح) إذا لم تكن القراءة فيها جهراً؟
أ - تبطل الصلاة بتعمّد الإخفات.
ب - تصحّ لو كان الإخفات سهواً أو جهلاً.
ج - كلاهما صحيح.

6 - أكمل الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) : «إنَّ الذي يعالج القرآن ويحفظه بمشقة منه وقلة حفظ.......».
أ - له أجران.
ب - له الفوز بالجنة.
ج - له جنتان.

7 - من هو الرسول ؟
أ - الذي يبعث فيؤمر بالتبليغ ويحمل الرسالة.
ب - الذي يبعث سواء أمر بالتبليغ أو لم يؤمر.
ج - كلاهما خطأ.

8 - ما هو تعريف الوقف بالرّوْم ؟
أ - هو تبعيض الحركة وخفض الصوت قليلاً عمّن جاوره من الحروف.
ب - ضم الشفتَيْن بُعَيْد تسكين الحرف بغير صوت كهيئتهما عند النطق بالضمة.
ج-كلاهما خطأ.

9 - من القائل: «انقذوا القرآن الكريم من شر الجاهلين المتنسكين والعلماء المتهتكين»؟
أ - الامام الخميني قدِّس سرُّه .
ب - الامام الخامنئي دام ظلُّه .
ج - سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) .

10 - من القائل: «القرآن بحاجة إلی التدبر والوقوف عند كل كلمة من كلماته» ؟
أ - الامام الخميني قدِّس سرُّه.
ب - الامام الخامنئي دام ظلُّه.
ج - سماحة السيد حسن نصر الله ( حفظه الله) .


تسلية وفائدة قرآنية
 


أفقيَّاً

1 - اسم من أسماء آية الكرسي.
2 - قوم اشتهروا بكثرة قتل الأنبياء.
3 - قوم أبادتهم الطيور.
4 - شخص سألت عنه أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في سورة الكهف.
5 - سورة قرآنيّة أطلق اسم لبعض الحشرات آخرها حرف تاء.
6 - أصغر آية من سورة الرحمن.
7 - اسم الكتاب السماوي للنبي داود (عليه السلام).
8 - كلمة تقع وسط القرآن.
9 - اسم وصف لكتاب الله آخره (لام) .
10 - سورة سمّيت بأسماء القرآن وسطها (ق) .


عاموديَّاً

1 - نبي أعطاه الله العلم والحكمة ووهب له من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده.
2 - أكمل قوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا ... نَسْفاً ﴾ .


قسيمة مسابقة هدى القرآن العدد«16»


الفائزون: الأولـى: داليا علي قاسم.
الثاني: محمد قاسم حسن.
الثالث: حبيب علي الموسوي.

يمكنكم مراجعة مراكز الجمعية في المناطق لاستلام الجائزة.


الأجوبة الصحيحة لمسابقة هدى القرآن العدد (15)

ج1 - معنى ﴿ منظرين ﴾ ، هو:
أ - مؤخرين. ب - ممهلين.

ج2 - التفسير الصوفي هو:
أ - شعبة من شعب التفسير الباطني.
ب - تفسير فيضي.

ج3- سبب توهّم تواتر القراءات هو:
أ - الخلط بين القرآن والقراءات.
ب - الخلط بين القراءات والأحرف السبعة.

ج4 - أشير إلى قصة نبي الله موسى (عليه السلام) إجمالاً أو تفصيلاً:
أ - في أربع وثلاثين سورة من سور القرآن.

ج5 - هل يشترط في مكان المصلّي أن لا يكون ممّا يحرم الوقوف فيه؟
أ - يشترط في مكان المصلّي أن لا يكون ممّا يحرم الوقوف فيه.

ج6 - الحديث عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لَيسَ شَيءٌ أَحَبُّ إلَى اللهِ مِنْ..................» تكملته، هي:
أ - مُؤمِن تائِب.
ب - أو مُؤمِنَة تائِبَة.

ج7 - رقم الآية التي استشهد بها الأخ المجاهد السيد ياسر الموسوي نجل الأمين العام لحزب الله الشهيد السعيد السيد عباس الموسوي(قده) ، هو:
ب - سورة الأحزاب، الآية: 39.

ج8 - الميم (م) هي علامة الوقف:
أ - اللازم.

ج9 - القائل: «عندما نريد أن نُري للناس صوتنا الحسن وأنغامه الجميلة، نلتجأ إلى قراءة القرآن أو الآذان»، هو:
أ - الامام الخميني قدِّس سرُّه .

ج10 - القائل: « ونحن نقول الآن تبعاً للقرآن ولتعاليم القرآن إن الإسلام دين الفطرة»، هو:
ب - الامام الخامنئي دام ظلُّه .


أجوبة تسلية وفائدة قرآنية للعدد(15) :


أفقياً:

1 - اسم آخر لسورة البقرة، هو: سنام القرآن.
2 - اسم مضاف يطلق على الأسباط، هو: أولاد يعقوب.
3 - سورة تبدأ بكلمة (إذا) آخرها حرف نون، هي: المنافقون.
4 - اسم آخر مركب لسورة يوسف(عليه السلام) ، هو: أحسن القصص.
5 - أشد الناس عداوة للذين آمنوا (غير اليهود) ، هم: المشركون.
6 - اسم سورة توجد في كل آية منها كلمة (الله) ، هي: المجادلة.
7 - نبي قال عنه سبحانه أنه كان صدّيقاً نبياً غير النبي إدريس(عليه السلام) ، هو: إبراهيم(عليه السلام).
8 - سورة باسم أصل من أصول الدين، هي: التوحيد.
9 - سورة فيها آية السجدة آخرها تاء طويلة، هي: فصلت.
10 - النبي الذي كلمه الله تعالى بدون واسطة جبرائيل(عليه السلام) ، هو: موسى(عليه السلام).
11 - أكمل قوله تعالى: ﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً ... ﴾ ، هي: لُبَدًا.

عاموديَّاً:

1 - سورة بدأت بـ(طس) آخرها حرف صاد، هي: القصص.
2 - نبي عاش في الأرض كثيراً، هو: نوح (عليه السلام). 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملاحظة: إلى القرّاء الكرام:

تحية طيبة إليكم من إدارة المجلة، ونحن نرحب بأي اقتراح من قبلكم لتطوير المجلة ويمكن لكم مراسلتنا من خلال مراكز جمعية القرآن الكريم من كافة المناطق.
 

عناوين جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد
الإدارة العامة: بيروت - لبنان - حارة حريك - أوتوستراد المطار - سنتر صولي ط2 هاتف: 274721 /01 - تلفاكس: 545723/ 01
بيروت - النويري: 278845/01 -  663914/01 - خلدة: 278845/01
الجنوب : النبطيــة: 764749/07 - مشغــرة - القطراني: 651915/08 - بريقع: 958404/70
صور - شحـور: 675170/03- جويـا: 411355/07 ـ الشعيتية - بنت جبيل: 349292/07
بـعـلبـك - ـ قصرنبا: 373786/08 ـ النبي شيت: 335013/08 - شمسطار: 373786/08
الهرمــل - العين - القصر: 200235/08

 

www.qurankarim.org    E-mail: info@qurankarim.org

29-06-2015 | 11-59 د | 4531 قراءة


الصفحة الرئيسة
جمعية القرآن الكريم
المكتبة الصوتية والمرئية
معرض الصور
مكتبة الكتب
سؤال وجواب
صفحة البحــــث
القائمة البريـدية
سجـــــــل الزوار
خدمــــــــة RSS
تواصل معنا
 
فلاشات إخبارية
جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد - لبنان

1656662 زيارة منذ 18- تموز- 2008

آخر تحديث: 2018-12-05 الساعة: 09:03 بتوقيت بيروت