لسحب التفسير بصيغة: PDF
بسم الله الرحمن الرحيم
ندعوكم للمشاركة في مسابقة تفسير سورتي التوبة والتحريم ونتمنى عليكم قراءة التفسير كاملاً ومن ثم حل أسئلة المسابقة وإرسالها عبر البريد الإلكتروني:info@qurankarim.org
آخر مهلة لاستلام الأجوبة 30-1-2009
تجري مرحلة التصفيات النهائية في: 2-2-2009
أسئلة المسابقة

المقدمة
والصلاة والسلام على اشرف خلق الله محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين.
يقول المولى سبحانه وتعالى:
} كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب{
فتعليمات القرآن خالدة، وأوامره عميقة وأصيلة، ونظمه باعثة للحياة وهادية للانسان الى الطريق المؤدي الى اكتشاف هدف الخلق.
فالهدف من نزول هذا الكتاب العظيم لم يقتصر - فقط - على تلاوته وتلفظ اللسان به، وإنما الهدف من نزوله لكي تكون آياته منبعاً للفكر والتفكر وسبب ليقظة الوجدان، لتبعث بدورها الحركة في مسير العمل.
كلمة (مبارك) تعني شيئاً ذا خير دائم ومستمر، أما في هذه الآية فإنها تشير الى دوام استفادة المجتمع الانساني من تعليماته ولكونها استعملت هنا بصورة مطلقة، فإنها تشمل كل خير وسعادة في الدنيا والآخرة. وخلاصة الأمر فإن كل الخير والبركة في القرآن، بشرط أن نتدبر في آياته ونستلهم منها ونعمل بها.
ورد عن الامام الصادق(ع)في تفسير قوله تعالى:
} الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حقَّ تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون {
قال (ع): « يرتلون آياته ويتفقهون به، ويعملون بأحكامه، ويرجون وعده، ويخافون وعيده، ويعتبرون بقصصه، ويأتمرون بأوامره، وينتهون بنواهيه، ما هو والله حفظ آياته ودرس حروفه، وتلاوة سوره ودرس أعشاره وأخماسه، حفظوا حروفه واضاعوا حدوده وإنّما هو تدبُّر آياته والعمل بأركانه»، قال الله تعالى:
} كتابٌ أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته {
هكذا ينبغي علينا ان نكون مع القرآن وهكذا يجب أن يكون هدفنا من قراءة القرآن وترتيله.
نحن في جمعية القرآن الكريم إذ نقدم للاخوة والأخوات تفسير سورتي التوبة والتحريم من اجل الاستفادة بالطريقة التي قدمنا لها راجين من المولى عزّ وجلّ أن يوفقنا لتلاوته وفهمه والعمل به ونشر معارفه إلى المجتمع الاسلامي، والحمد لله رب العالمين.
جمعية القرآن الكريم
للتوجيه والارشاد
دائرة الدراسات
سورة التوبة
عدد آيات هذه السورة المباركة مائة وتسع وعشرون آية وهي مدنية.
أسماء هذه السورة:
ذكر المفسرون لهذه السورة أسماءً عديدة تبلغ العشرة، غير أن المشهور منها هو ما يلي:
سورة البراءة والتوبة والفاضحة، ولكل من التسميات سبب جلي.
فالبراءة، لأنها تُبتدأ بإعلان براءة الله من المشركين، والذين ينقضون عهدهم.
والتوبة، لما ورد من مزيد الكلام عن التوبة في هذه السورة.
والفاضحة، لوجود الآيات التي وردت فيها كاشفة النقاب عن أعمال المنافقين لتعريتهم وخزيهم وفضيحتهم.
- فضيلة هذه السورة:
أعطت الروايات الاسلامية أهمية خاصة لتلاوة سورة براءة والتوحيد والأنفال ومما جاء في شأنهم ما ورد عن رسول الله(ص)أنه قال:«نزلت علي براءة والتوحيد في سبعين ألف صف من صفوف الملائكة، وكان كل صف منهم يوصيني بأهمية هاتين السورتين ».
وعن الامام الصادق(ع)أنه قال:«من قرأ براءة والأنفال في كل شهر لم يدخله نفاق أبداً، وكان من شيعة أمير المؤمنين (ع) حقاً».
ولكن ما ورد من أهمية قصوى في الروايات الاسلامية في قراءة مختلف السور لا يعني ظهور آثار تلك القراءة من دون تفكر وتطبيق لمضامينها فهي تترك الأثار بشرط أن يكون مضمون السورة مؤثراً في بناء شخصية الفرد والمجتمع، ولا يتحقق ذلك كله إلا بإدراك فهم السورة واستيعاب معناها، والاستعداد والتهيؤ لتطبيقها.
- محتوى السورة:
بإعتبار ان السورة نزلت إبّان انتشار الاسلام في الجزيرة العربية، وتحطيم آخر مواجهة من قبل المشركين، فقد كان لما حوته من محتوى أهمية بالغة ومواضيع حساسة.
اولاً: يتعلق قسم منها بالبقية الباقية من عبدة الأوثان والمشركين، وقطع العلائق المترابطة بهم وإلغاء المعاهدات والمواثيق التي كانت بينهم وبين المسلمين لنقضهم لها مراراً.
ثانياً: فإن قسماً مهماً من آيات هذه السورة يتكلم عن المنافقين وعواقبهم، ويحذر المسلمين منهم.
ثالثاً: بعض آيات هذه السورة يتكلم عن الجهاد في سبيل الله وأهميته.
رابعاً: بعض آياتها يتحدث عن إنحراف علماء أهل الكتاب وانصرافهم عن واجبهم في التبليغ.
خامساً: بعض آياتها حث المسلمين على الاتحاد ورص الصفوف.
سادساً: فيها ثناء على المهاجرين السابقين الى الهجرة، والصفوة من المؤمنين الصادقين.
سابعاً: فيها تحدث عن موضوع الزكاة وتحريم الكثير، ووجوب طلب العلم أو التعلم، وتعليم الجهلة، وتناولت بحوثاً متنوعة أخرى كقصة هجرة النبي(ص) والأشهر الحرم التي يحرم فيها القتال وغيرها من الأمور.
- لماذا لم تذكر فيها البسملة:
فقد بُدئت بالبراءة من المشركين، وإعلان الحرب عليهم، واتباع اسلوب شديد لمواجهتهم، وبيان غضب الله عليهم، وكل ذلك لا يتناسب والبسملة الدالة على الصفاء والصدق والسلام والحب، والكاشفة عن صفة الرحمة واللطف الالهي.
ويعتقد بعض المفسرين أن سورة براءة تتمة لسورة الأنفال، لأن الأنفال تتحدث عن العهود، وبراءة تتحدث عن نقض تلك العهود، فلم تذكر البسملة بين هاتين السورتين لإرتباط بعضهما ببعض. فالتعليل الأول ورد عن أمير المؤمنين(ع)بينما الثاني ورد عن الامام الصادق (ع)، ولا مانع أن يكون السبب في عدم ذكر البسملة مجموع الأمرين معاً.
- حقيقة تاريخية:
من المتفق عليه بين جميع المؤرخين والمفسرين تقريباً أنه لما نزلت الآيات الأولى من سورة براءة، وأُلغيت العهود التي بين المشركين والمسلمين، أمر النبي أحدهم أن يبلغ هذه الآيات في موسم الحج، ثم أخذها منه وأعطاها علياً ليقوم بتبليغها، فقرأها علي على الناس في موسم الحج، وبالرغم من اختلاف الروايات في جزئيات هذه القصة وجوانبها المتفرعة، إلا أن الرجوع الى بعض الروايات يمكن ان يجلو لنا حقيقة الأمر.
اللغة والبيان:
براءة: المراد بها هنا انقطاع العصمة.
فسيحوا: السيح السير على مهل.
مخزي: الإخزاء الإذلال.
أذان: إعلام.
انسلخ: انسلاخ الأشهر انقضاؤها.
احصروهم: الحصر المنع من الخروج.
مرصد: المراد به هنا الممر والمجاز الذي يرصد فيه.
يظهروا: ظهر عليه غلبه وظفر به.
يرقبوا: المراد بالمراقبة هنا المحافظة.
إلاّ: الإلُّ الجوار وقيل القرابة.
ذمّة: الزمام والعهد.
التفسير:
- إلغاء عهود المشركين:
}بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{ (١)
تتضمن الآية الحكم ببطلان العهد ورفع الأمان عن جماعة من المشركين، فالمعنى تبرؤا ممن كان بينكم وبينهم عهد من المشركين فإنّ الله ورسوله بريئان منهم ومن عهودهم لأنهم نقضوا عهدهم مع رسول الله (ص) أكثرهم.
}فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ {(٢)
أمرهم بالسياحة - السير في الأرض - أربعة أشهر، كناية عن جعلهم في مأمن في هذه البرهة من الزمان حتى يختاروا ما يرونه أنفع بحالهم من البقاء او الفناء، وأن الأصلح بحالهم رفض الشرك والاقبال الى دين التوحيد.
- العهود المحترمة:
} وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ{ (3)
معناه أن الله سبحانه بين وجوب إعلام المشركين ببراءة منهم لئلا ينسبوا المسلمين الى الغدر.
} إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ{(4)
هنا استثناء من عموم البراءة من المشركين، والمستثنون هم المشركون الذين لهم عهد لم ينقضوه فمن الواجب الوفاء بميثاقهم وإتمام عهدهم الى مدتهم.
- الشدة في العمل المصطحبة للّين:
}فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{(5)
بين سبحانه الحكم في المشركين بعد انقضاء المدة وهي زمن الأشهر الحرم المعروفة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب فاذا انقضت فضعوا السيف فيهم حيث كانوا في الأشهر الحرم وغيرها في الحل أو الحرم وهذا ناسخ لكل آية وردت في الصلح والإعراض عنهم، فخذوا المشركين حيث وجدتموهم واقتلوهم واحبسوهم وضيقوا المسالك عليهم، فإن رجعوا من الكفر وانقادوا للشرع وقبلوا اقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فدعوهم يتصرفون في بلاد الاسلام (إن الله غفور رحيم)
}وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ{ (6)
يعني ان طلب منك بعض هؤلاء المشركين الذين رفع عنهم الأمان أن تأمنه في جوارك ليحضر عندك ويكلمك فيما تدعو إليه من الحق الذي يتضمنه كلام الله فأجره حتى يسمع كلام الله وترتفع عنه غشاوة الجهل، ثم ابلغه مأمنه حتى يملك منك أمناً تاماً كاملاً، فهؤلاء قوم لا يعلمون الايمان.
- المعتدون الناقضون العهد:
}كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ{ (7)
يعنى كيف يكون لهؤلاء عهد صحيح مع اضمارهم الغدر والنكث، باستثناء (الذين عاهدتم عند المسجد الحرام) فإن لهم عهداً عند الله لأنهم لم يضمروا الغدر بك والخيانة لك، فما داموا باقين معكم على الاستقامة فكونوا معهم كذلك (إن الله يحب المتقين) للنكث والغدر.
}كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ {(8)
معناه كيف يكون للمشركين عهد عند الله ورسوله، والحال أنهم إن يظهروا عليكم ويغلبوكم على الأمر، لا يحفظوا ولا يراعوا فيكم قرابة ولا عهداً من العهود، يرضونكم بالكلام المدلّس، وتأبى ذلك قلوبهم وأكثرهم فاسقون.
} اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{ (9)
معناه اعرضوا عن دين الله وصدّوا الناس عنه بشيء يسير نالوه من الدنيا، بئس العمل عملهم.
}لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ{ (10)
سبق معناه، فهذا تكرار للتأكيد.
لِمَ تخشون مقاتلة العدوّ ؟
}فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{ (11)
معناه فإن ندموا على ما كان منهم من الشرك وقبلوا الاسلام (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) فهم اخوانكم في الدين نبين لكم الآيات (لقوم) يتفكرون.
}وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ {(12)
يعني إن نقضوا عهودهم من بعد أن عقدوها وعابوا دينكم (فقاتلوا أئمة الكفر) أي رؤساء الكفر والضلالة لأنهم لا يحفظون العهد واليمين.
} أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ{ (13)
معناه هلا تقاتلونهم وقد نقضوا عهودهم التي عقدوها وهم بدؤكم بنقض العهد أتخافون ان ينالكم من قتالكم مكروه فإنه سبحانه احقُّ ان تخافوا عقابه في ترك أمره بقتالهم إن كنتم صادقين.
اللغة والبيان:
وليجة: الرجل خاصته وبطانته من دون الناس والمراد بها هنا بطانة السوء.
السقاية: تطلق على الآلة تتخذ لسقي الماء، وأيضاً تطلق على سقي الناس الماء، وهذا المعنى هو المراد هنا.
اقترفتموها: الاقتراف هنا الاكتساب.
فتربصوا: التربص الانتظار.
بأمره: المراد بأمر الله هنا عقوبته.
مواطن: جمع موطن، وهو مقر الانسان ومحل إقامته، واستوطن بالمكان اتخذه موطناً.
حنين: وادٍ بين مكة والطائف.
رحبت: الرحبة السعة.
السكينة: الطمأنينة.
التفسيـــــر:
}قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ {(14)
ثم أكد سبحانه ما تقدم بأن أمر المسلمين بقتالهم وبشرهم بالنصر والظفر عليهم.
} وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ (15)
معناه ويكون ذلك النصر شفاء لقلوب المؤمنين التي امتلأت غيظاً لكثرة ما نالهم من الأذى من جهتهم، ويقبل سبحانه توبة من تاب منهم (والله) عليم بتوبتهم إذا تابوا حكيم في أمركم بقتالهم.
- جلالة موقع الجهاد:
}أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{ (16)
معناه أظننتم أيها المؤمنون أن تتركوا من دون ان تكلفوا الجهاد في سبيل الله مع الاخلاص ولمّا يظهر ما علم الله منكم ولم يعلم الله الذين لم يتخذوا سوى الله وسوى رسوله والمؤمنين بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون اليهم أسرارهم، والله عليم بأعمالكم فيجازيكم عليها.
- ليس بإمكان كلّ أحد أن يعمر المسجد:
}مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ{ (١٧)
لما أمر الله سبحانه بقتال المشركين وقطع العصمة والموالاة عنهم أمر بمنعهم عن المساجد فبين سبحانه بأنه لا ينبغي للمشركين أن يكونوا قواماً على عمارة مساجد الله ومتولين لأمرها وينبغي أن يعمرها المسلمون، والحال أنّهم معترفون بالكفر بدلالة قولهم أو فعلهم، أولئك لا تهديهم أعمالهم العبادية الى الجنة، بل هم في النار الخالدة مقيمون مؤبّدون.
}إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ {(١٨)
معناه لا يعمر مساجد الله بزيارتها وإقامة العبادات فيها أو ببنائها ورمِّ المسترم منها إلا من أقرّ بوحدانية الله واعترف بالقيامة (واقام الصلاة) بحدودها وأعطى (الزكاة) إن وجبت عليه الى مستحقها ولم يخف سوى الله سبحانه أحداً من المخلوقين، أولئك الذين آمنوا بالله واليوم الآخر ولم يعبدوا أحداً غير الله تعالى، يرجى في حقهم أن يكونوا من المهتدين.
- مقياس الفخر والفضل:
} أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{(19)
- سبب النزول:
الآيات نزلت في العبّاس وشيبة وعليّ(ع)حين تفاخروا فذكر العباس سقاية الحاج، وشيبة عمارة المسجد الحرام، وعلي(ع)الايمان والجهاد في سبيل الله، فنزلت الآيات.
}الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ{(20)
معناه الذين صدّقوا واعترفوا بوحدانية الله وهجروا أوطانهم الى دار الاسلام وتحملوا المشاق في ملاقاة اعداء الدين وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله هؤلاء اعظم درجة عند الله من غيرهم من المؤمنين (وأولئك هم) الظافرون بالبغية.
}يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ{(21)
بشارة منه سبحانه للمجاهدين بأموالهم وانفسهم (برحمة منه ورضوان) في الآخرة (وجنات) دائمة لا تزول ولا ينقطع التنعم فيها .
}خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ{ (22)
أي دائمين فيها لا ينقطع خلودهم بأجل ولا أمد مع عظيم النعمة لهم.
- كل شيء فداء للهدف ومن أجل الله:
}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{ (23)
نهى عن تولي الكفار ولو كانوا آباءً وإخواناً.
}قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{ (24)
عدّ الله تعالى اصول ما يتعلق به الحب النفساني من زينة الحياة الدنيا، وهي الاباء والأبناء والاخوان والأزواج والعشيرة، والأموال التي اكتسبوها وجمعوها والتجارة التي يخشون كسادها والمساكن التي يرضونها، وذكر سبحانه أنهم إن تولوا اعداء الدين وقدموا حكم هؤلاء الأمور على حبّ الله ورسوله والجهاد في سبيله، فليتربصوا ولينتظروا حتى يأتي الله بأمره، ويبعث قوماً لا يحبون إلا الله ولا يوالون أعداءه ويقومون بنصرة الدين والجهاد في سبيل الله أفضل قيام، فإنكم إذاً فاسقون لا ينتفع بكم الدين.
- كثرة الجمع وحدها لا تجدي نفعاً (غزوة حنين):
}قَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ{(25)
أقسم سبحانه بأنه نصر المؤمنين وأعانهم على أعدائهم في مواضع كثيرة على ضعفهم وقلة عددهم، من هذه المواطن (يوم حنين) سرّتكم وصرتم معجبين بكثرتكم فكان ذلك سبب انهزام المسلمين في البداية فلم يدفع عنكم كثرتكم سوءاً (وضاقت عليكم الأرض) مع سعتها (ثم وليتم) عن عدوّكم منهزمين.
}ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ{ (26)
اي انزل رحمته التي تسكن اليها النفس ويزول معها الخوف وأنزل جنوداً من الملائكة لتقوية قلوب المؤمنين وتشجيعهم (وعذب) بالقتل والأسر (الذين كفروا) ذلك العذاب جزاء الكافرين على كفرهم.
اللغة والبيان:
النجس: القذر.
العيلة: الفقر.
الجزية: الضريبة على الرؤوس والأشخاص.
صاغرون: الصّغار الذل.
يضاهئون: يشابهون ويحاكون.
يؤفكون: يصرفون عن الحق الى الباطل.
أحبارهم: جمع حَبر، وهو العالم.
رهبانهم: جمع راهب وهو المنقطع للعبادة.
القيّم: المستقيم.
التفسير:
}ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {(27)
معناه ثم يقبل الله سبحانه توبة من تاب عن الشرك ورجع الى طاعة الله والإسلام وندم على ما فعل من القبيح (الله) ستّار للذنوب (رحيم) بعباده.
-لا يحق للمشركين ان يدخلوا المسجد الحرام:
}يا أيها الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ (28)
أمر سبحانه المؤمنين بمنع المشركين عن دخول المسجد الحرام، سنة تسع من الهجرة، وإن خفتم في إجراء هذا الحكم أن ينقطعوا عن الحج وتتعطل أسواقكم وتذهب تجارتكم، فتفتقروا وتعيلوا، فلا تخافوا فسوف يغنيكم الله من فضله ويؤمنكم من الفقر الذي تخافونه.
- مسؤوليتنا إزاء اهل الكتاب:
}قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ{ (29)
(المعنى) قاتلوا أهل الكتاب لأنهم لا يؤمنوا بالله واليوم الآخر إيماناً مقبولاً غير منحرف عن الصواب، ولا يحرّمون ما حرّمه الله مما يفسد اقترافه المجتمع الانساني، ولا يدينون ديناً منطقياً على الخلقة الالهية قاتلوهم واستمروا على قتالهم حتى يصغروا عندكم ويخضعوا لحكومتكم، ويعطوا في ذلك عطية مالية مضروبة عليهم تمثل خضوعهم وتصرف في حفظ ذمتهم وحقن دمائهم وحاجة ادارة أمورهم.
- أربابُ أهل الكتاب من دون الله:
}وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ {(٣٠)
حكى سبحانه عن اليهود والنصارى أقوالهم الشنيعة التي لم يأتهم بها كتاب ولا رسول وليس على قولهم حجة ولا برهان ولا له صحة يشابهون عباد الأوثان في عبادتهم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى حيث ضاهت النصارى قول اليهود من قبل فقالت النصارى المسيح ابن الله كما قالت اليهود عزير ابن الله لعنهم الله كيف يصرفون عن الحق الى الافك الذي هو الكذ ب.
}اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ{ (٣١)
اتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله هو إصغاؤهم لهم وإطاعتهم من غير قيد وشرط، ولا يطاع كذلك إلا الله سبحانه، وأما اتخاذهم المسيح بن مريم رباً من دون الله: فهو القول بألوهيته، (سبحانه عمّا يشركون) تنزه تعالى عمّا يتضمنه قولهم بربوبية الأحبار والرهبان، وقولهم بربوبية المسيح (ع)، من الشرك.
}يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ{ (٣٢)
أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب الذين (يريدون أن يطفئوا) القرآن والاسلام بالأفواه التي يؤثر النفخ بها في الأنوار الضعيفة دون الاقباس العظيمة، ويمنع الله إلا أن يظهر أمر القرآن وأمر الاسلام وحجته على التمام، (ولو كره الكافرون).
}هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ{ (٣٣)
معناه ارسل سبحانه محمداً(ص) وحمّله الرسالات التي يؤديها الى أمته بالحجج والبينات والدلائل والبراهين (ودين الحق) وهو الاسلام ليعلي دين الاسلام على جميع الأديان بالحجة والغلبة وإن كرهوا هذا الدين فإن الله يظهره رغماً عنهم.
- كنز الذهب والفضة دون إنفاق غير جائز:
}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ{ (٣٤)
يبين سبحانه حال الأحبار والرُّهبان بأنهم يأخذون الرشى على الحكم ويمنعون غيرهم عن اتباع الاسلام الذي هو سبيل الله التي دعاهم الى سلوكها واتباع محمد (ص)، ويجمعون المال ولا يؤدون زكاته فقد روي عن النبي(ص) أنه قال: كل ما لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً وكل مال ادّيت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً في الأرض. فأخبرهم بعذابٍ موجع .
}يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ{ (٣٥)
أي يوم يوقد على الكنوز حتى تصير ناراً (فتكوى) بتلك الكنوز المحماة والأموال التي منعوا حق الله فيها بأعيانها (جباههم وجنوبهم وظهورهم) وإنما خص هذه الأعضاء لأنها معظم البدن، ويقال لهم في حال الكي أو بعده هذا جزاء ما كنزتم وجمعتم من المال ولم تؤدّوا حق الله منها وجعلتموها ذخيرة لأنفسكم، فذوقوا العذاب بسبب ما كنتم تجمعون وتمنعون حقّ الله منه.
- إيقاف القتال » الاجباري »:
}إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ{ (٣٦)
معناه عدد شهور السنة في حكم الله وتقديره اثنا عشر شهراً تتألف منها السنون، وهذه العدة هي التي في علم الله سبحانه، وهي التي في كتاب التكوين يوم خلق السماوات والأرض، وأجرى الحركات العامة التي منها حركة الشمس وحركة القمر حول الأرض، وهي الأصل الثابت في الكون لهذه العدة (منها أربعة حُرم) الأشهر الأربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وإنما جعل الله هذه الأشهر الأربعة حرماً ليكف النّاس فيها عن القتال وينبسط عليهم بساط الأمن، ويأخذوا فيها الأهبة للسعادة، ويرجعوا الى ربهم بالطاعة، (وقاتلوا المشركين) جميعاً مؤتلفين غير مختلفين (كما يقاتلونكم) جميعاً (واعلموا ان الله مع المتقين) بالنصر والحفظ.
اللغة والبيان:
النسيء: التأخير.
ليواطئوا: ليوافقوا.
انفروا: النفر من الشيء الفرار منه، والى الشيء الاقدام عليه، وهذا المعنى هو المراد هنا.
أثاقلتم:التثاقل التباطؤ ضد التسرع.
السكينة: سكون النفس واطمئنانها.
خفافاً: الخفة هنا استعارة لمن يمكنه السفر بسهولة.
ثقالاً: الثقل لمن يمكنه السفر بصعوبة، والمراد بهما النفر على كل حال.
العرض: ما يعرض للانسان من متاع غير دائم.
السفر القاصد:الهين من القصد وهو الاعتدال.
الشقة: الطريق التي يشق سلوكها.
العدّة: الأهبة.
انبعاثهم: خروجهم.
فثبطهم: أوهن عزمهم.
الخبال: الاضطراب في الرأي.
التفسير:
- مفهوم النسيء في الجاهلية:
}إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ{ (٣٧)
يعني تأخير الأشهر الحرم عمّا رتبها الله سبحانه عليه وكانت العرب تحرم الشهور الأربعة وذلك مما تمسكت به من ملة ابراهيم وإسماعيل وهم كانوا أصحاب غارات وحروب فربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها فكانوا يؤخّرون تحريم المحرم الى صفر فيحرّمونه ويستحلّون المحرم فيمكثون بذلك زماناً ثم يزول التحريم الى المحرم ولا يفعلون ذلك إلاّ في ذي الحجة ليضل بهذا النسيء الذين كفروا، يجعلون الشهر الحرام حلالاً إذا احتاجوا الى القتال فيه ويجعلون الشهر الحلال حراماً ويقولون شهر بشهر وإذا لم يحتاجوا الى القتال لم يفعلوا ذلك، فهم لم يحلّوا شهراً من الحرم إلاّ حرّموا مكانه شهراً من الحلال ولم يحرّموا شهراً من الحلال إلاّ أحلّوا مكانه شهراً من الحرم ليكون موافقة في العدد وذلك المواطأة، زين لهم الشيطان سوء أعمالهم والله لا يلطف بالقوم الكافرين بل يتركهم وما اختاروا من الضلال.
- عتاب المتثاقل عن الجهاد (في معركة تبوك)
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ{ (38)
يعني (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا) قال لكم الرسول(ص) إخرجوا الى القتال أبطأتم كأنكم لا تريدون الخروج أقنعتم بالحياة الدنيا راضين بها من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا بالنسبة الى الحياة الآخرة الا قليل.
}إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ (39)
معناه إن لا تخرجوا الى القتال الذي دعاكم اليه الرسول وتقعدوا عنه يعذبكم الله عذاباً اليماً مؤلما في الاخرة (ويستبدل) بكم (قوماً غيركم) لا يتخلفون عن الجهاد ولا تضروا الله بهذ القعود شيئاً وهو القادر على الإستبدال بكم وعلى غير ذلك من الأشياء.
- نصرة الله سبحانه لنبيه(ص):
}إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{ (40)
يعني إن لم تنصروه أنتم أيها المؤمنون، فقد أظهر الله نصره إياه في وقت لم يكن له أحد ينصره ويدفع عنه، وقد تظاهرت عليه الأعداء وأحاطوا به من كل جهة، وذلك إذ همّ المشركون به وعزموا على قتله، فاضطر الى الخروج من مكة في حال لم يكن الا احد رجلين اثنين، وذلك إذ هما في الغار إذ يقول النبي(ص) لصاحبه وهو أبو بكر: لا تحزن مما تشاهده من الحال إن الله معنا بيده النصر، فنصره الله، حيث أنزل سكينته على رسوله(ص) وأيده بجنود غائبة عن ابصاركم، وجعل كلمة الذين كفروا مغلوبة غير نافذة ولا مؤثرة، وكلمة الله هي العليا العالية القاهرة والله عزيز لا يُغلب، حكيم لا يجهل ولا يغلط فيما شاءه وفعله.
- الكسالى الطامعون:
}انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{ (41)
يعني الامر بالنفر خفافاً وثقالاً شباناً وشيوخاً وهما حالان متقابلان، في معنى الامر بالخروج على أي حال، وعدم إتخاذ شيء من ذلك عذراً يعتذر به لترك الخروج، فالخروج للجهاد بالنفس والمال خير لكم ان كنتم تعلمون الخير.
}لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ{ (42)
المعنى لو كان ما دعوتهم اليه غنيمة حاضرة، وسفراً قريباً هيناً، (لاتبعوك) طمعاً في المال (ولكن بعدت) المسافة يعني غزوة تبوك، وسيعتذرون اليك في قعودهم عن الجهاد ويحلفون لو قدرنا الخروج لخرجنا معكم (يهلكون انفسهم) بما أسرّوه من الشرك (والله يعلم انهم لكاذبون) في هذا الإعتذار والحلف.
- السعي لمعرفة المنافقين:
}عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ{(43)
أي(عفا الله عنك لم أذنت لهم) في التخلف والقعود ولو شئت لم تأذن لهم حتى يتميز عندك كذبهم ونفاقهم.
}لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ{ (44)
بين سبحانه حال المؤمنين والمنافقين في الاستئذان فقال لا يطلب منك الاذن في القعود عن الجهاد معك بالمعاذير الفاسدة، فالمؤمن لما كان على تقوى من قبل الإيمان بالله واليوم الآخر كان على بصيرة من وجوب الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه
}إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ { (45)
يعني لكن المنافق لعدم إيمانه بالله واليوم الآخر فقد صفة التقوى فارتاب قلبه ولا يزال يتردد في ريبه فيحب التطرف ويستأذن في التخلف والقعود عن الجهاد.
- عدم وجودهم خير من وجودهم:
}وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ{ (46)
هم كاذبون في دعواهم عدم استطاعتهم الخروج، بل ما كانوا يريدونه، ولو أرادوه لأعدّوا له عدّة (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) جزاء بنفاقهم وامتناناً عليك وعلى المؤمنين لئلا يفسدوا جمعكم.
}لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ{ (47)
يعني لو خرج هؤلاء المنافقون معكم الى الجهاد مازادوكم بخروجهم إلا شراً وفساداً وغدراً ومكراً ولأسرعوا في الدخول بينكم بالتضريب والإفساد والنميمة، ويطلبون لكم المحنة بإختلاف الكلمة والفرقة، وفيكم عيون للمنافقين ينقلون اليهم ما يسمعون منكم (والله عليم بالظالمين) أي بهؤلاء المنافقين الذين ظلموا انفسهم لما اضمروا عليه من الفساد.
اللغة والبيان:
الفتنة: المراد بها هنا التشكيك في الدين والتخويف من الأعداء.
قلبوا لك الأمور: أي دبروا لك المكايد من كل وجه.
طوعاً: الطوع الانقياد بالارادة والاختيار.
تزهق: الزهق الخروج بصعوبة، وكل هالك زاهق.
يفرقون: الفرق بفتح الراء الخوف.
ملجأ: المكان الذي يتحصن فيه، ومثله المعقل والموئل والمعتصم والمعتمد.
مدّخلاً: المدّخل السرب في الأرض يدخله الانسان بمشقة.
يجمحون: الجماح السرعة التي تتعذر مقاومتها.
يلمزك: اللمز العيب والطعن في الوجه.
أذن: يقال رجل اذن، أي يسمع كل ما يقال له ويصدقه.
التفسير:
}لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ{ (48)
أقسم سبحانه لقد طلبوا المحنة واختلاف الكلمة وتفرّق الجماعة من قبل هذه الغزوة كما في غزوة أحد حين رجع عبد الله بن أبي سلول بثلث القوم وخذل النبي(ص) وقلّبوا لك الأمور بدعوة الناس الى الخلاف وتحريضهم على المعصية وغير ذلك، حتى جاء الحق وظهر امر الله تعالى، وهم كارهون لجميع ذلك.
- المنافقون المتذرعون:
} وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ{ (49)
المعنى ومن المنافقين (من يقول ائذن لي) في القعود عن الجهاد (ولا تفتني) ببنات الأصفر، الا في العصيان والكفر وقعوا بمخالفتهم امرك في الخروج والجهاد، وستحيط بهم نار جهنم فلا مخلص لهم منها.
- إحدى صفات المنافقين:
} إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ{(50)
يعني ان هؤلاء المنافقين هواهم عليك، إن غنمت وظفرت سائهم ذلك، وإن قتلت أو جرحت او أصبت بأي مصيبة أخرى قالوا: قد احترزنا عن الشر من قبل وتولوا وهم فرحون.
}قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ{(51)
يعني ان ولاية أمرنا إنما هي لله سبحانه فحسب، لا إلى انفسنا ولا الى شيء من هذه الأسباب الظاهرة، بل حقيقة الامر لله وحده، فعلينا إمتثال أمره، ولله المشية فيما يصيبنا في ذلك من حسنة او سيئة، فعلينا بالتوكل عليه سبحانه والرضا بتدبيره وتقديره.
- في قاموس المؤمنين لا وجود للهزيمة:
}قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ{(52)
يعني نحن وانتم كل يتربص بصاحبه، غير أنكم تتربصون بنا إحدى خصلتين كل واحدة منهما خصلة حسنى وهما: الغلبة على العدو مع الغنيمة، والشهادة في سبيل الله، ونحن نتربص بكم أن يعذبكم الله بعذاب من عنده كالعذاب السماوي او بعذاب يجري بأيدينا كأن، يأمرنا بقتالكم، فنحن فائزون على أي حال.
- قسم آخر من علامات المنافقين:
}قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ{ (٥٣)
معناه لا نمنعكم عن الانفاق من طوع أو كره، فإنه لغو غير مقبول لأنكم فاسقون.
}وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ{ (٥٤)
اي وما يمنع هؤلاء المنافقين أن يثابوا على نفقاتهم إلا كفرهم بالله وبرسوله وذلك مما يحبط الأعمال ويمنع من استحقاق الثواب ولم يؤدُّوا الصلاة على الوجه الذي امروا به
(ولا ينفقون إلا وهم كارهون) لذلك لأنهم إنما يصلون وينفقون للرياء والتستر بالاسلام لا لابتغاء مرضاة الله تعالى.
}فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ{ (٥٥)
نهى الله سبحانه نبيّه (ص) عن الاعجاب بأموال المنافقين وأولادهم أي بكثرتها، وعلّل ذلك بأن هذه الأموال والأولاد ليست من النعمة التي تهتف لهم بالسعادة. بل من النقمة التي تجرّهم الى الشقاء، فإن الله وهو الذي خوّلهم إياها إنما أراد بها تعذيبهم في الحياة الدنيا وتوفيهم وهم كافرون.
- علامة اخرى من علائم المنافقين:
}وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ {(٥٦)
أي يقسم هؤلاء المنافقون انهم لمن جملتكم ايها المؤمنون وليسوا مؤمنين بالله (ولكنهم قوم) يخافون القتل والأسر إن لم يظهروا الايمان.
}وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ {(٥٨)
أي من هؤلاء المنافقين من يعيبك ويطعن عليك في أمر الصدقات (فإن اعطوا منها) أقرّوا بالعدل، وإذا لم يعطهم منها لعدم استحقاقهم ذلك أو لأسباب أخر يغضبون ويعيبون وقال أبو عبد الله(ع)أهل هذه الآية أكثر من ثلثي الناس.
- الأنانيون السفهاء:
}وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ{ (٥٩)
معناه ولو أنّ هؤلاء المنافقين الذين طلبوا منك الصدقات وعابوك بها رضوا بما أعطاهم الله ورسوله (ص) (وقالوا) مع ذلك كفانا الله سيعطينا الله من فضله وإنعامه ويعطينا رسوله (إنا الى الله راغبون) في أن يوسع علينا من فضله فيغنينا عن أموال الناس .
- موارد صرف الزكاة ودقائقها:
}إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ (٦٠)
هذه الآية بيان لموارد تصرف إليها الصدقات الواجبة وهي الزكوات.
والفقير: هو الذي اتصف بالعدم وفقدان ما يرفع حوائجه الحيوية.
والمسكين: الذي حلت به المسكنة والذلة مضافة الى فقدان المال.
والعاملون عليها: الساعون لجمع الزكوات.
والمؤلفة قلوبهم: الذين يؤلف قلوبهم باعطاء سهم من الزكاة ليسلموا أو يدفع بهم العدو أو يستعان بهم على حوائج الدين.
(وفي الرقاب): في فكها، كما في المكاتب الذي لا يقدر على تأدية ما شرطه لمولاه على نفسه لعتقه، أو الرق الذي كان في شدة.
(والغارمين) وللصرف في الغارمين الذين ركبتهم الديون.
- هذا حسن لا قبيح:
}وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{(٦١)
أطلقوا عليه (ص) الأُذن وسموه بها، إشارة الى أنه يصغي لكل ما قيل له ويستمع الى كل ما يذكر له فهو أذن (قل أذن خير لكم) لأنه لا يسمع إلاّ ما ينفعكم ولا يضركم، وإنه يصدّق ربه ويصدّق كل فرد من أفراد مجتمعكم احتراماً لظاهر حاله من الانتساب الى المؤمنين، وهو رحمة للذين آمنوا منكم حقاً، لأنه يهديكم الى مستقيم الصراط.
اللغة والبيان:
يحادد: المحادة المخالفة.
مخرج: أي مظهر.
نخوض: الخوض في الشيء الدخول فيه.
نسوا الله: تركوا طاعته.
فنسيهم: ترك ثوابهم.
بخلاقكم: الخلاق النصيب.
خضتم: دخلتم في الباطل.
أصحاب مدين: قوم شعيب.
المؤتفكات: جمع مؤتفكة من ائتفكت بهم الأرض أي انقلبت، والمراد بالمؤتفكات هنا قرى قوم لوط.
العدن: الاقامة والخلود.
الرضوان: مصدر رضي.
التفسيــر:
- المنافقون يظهرون أن الحق الى جانبهم:
}يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ{ (٦٢)
أخبر سبحانه بأن هؤلاء المنافقين يقسمون بالله أن الذي بلغكم عنهم باطل اعتذاراً اليكم وطلباً لمرضاتكم، والله ورسوله احق وأولى بأن يطلبوا مرضاتهما (إن كانوا) مصدقين بالله مقرّين بنبوة نبيه محمد (ص).
}أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ{ (٦٣)
المعنى أنهم يعلمون أن محادة الله ورسوله والمعاداة مع الله ورسوله والإسخاط يوجب خلود النار.
- خطة خطرة أخرى من المنافقين:
}يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ{ (٦٤)
كان المنافقون يحذرون نزول سورة يظهر بها ما أضمروه من الكفر وهمّوا به من تقليب الأمور على النبي (ص)، فأمر الله نبيّه (ص) أن يبلغهم أن الله عالم بما في صدورهم مخرج ما يحذرون خروجه بنزول سورة من عنده (قل استهزئوا...) دوموا على نفاقكم وستركم ما تحذرون خروجه فإن الله مخرج ذلك.
}وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ{ (٦٥)
وأقسم لئن سألتهم عن فعلهم الذي شوهد منهم: ما الّذي شوهد منهم: ما الذي أرادوا به ؟ وكان ظاهره أنهم همّوا بأمر فيك، ليقولنّ: لم يكن قصد سوء ولا بالذي ظننت فاسأت الظن بنا، وإنما كنا نخوض ونلعب لا على سبيل الجد ولكن لعباً (قل) أتعتذرون عن سيّء فعلكم بسيئة أخرى هي الاستهزاء بالله وآياته ورسوله وهو كفر ؟
}لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ{ (٦٦)
أمر سبحانه أن يقول لهؤلاء المنافقين (لا تعتذروا) بالمعاذير الكاذبة فإنكم بما فعلتموه قد كفرتم بعد أن كنتم مظهري الايمان إن عفا عن قوم منهم إذا تابوا نعذّب طائفة أخرى لم يتوبوا وأقاموا على النفاق.
- علامات المنافقين:
} الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{ (٦٧)
أي بعضهم من جملة بعض وبعضهم مضاف الى بعض في الاجتماع على النفاق والشرك كما تقول أنا من فلان وفلان مني أي أمرنا واحد وكلمتنا واحدة (يأمرون..) بالشرك والمعاصي (وينهون..) عن الأفعال الحسنة التي أمر الله بها وحثّ عليها ويمسكون أموالهم عن انفاقها في طاعة الله ومرضاته تركوا طاعته فتركهم في النار وترك رحمتهم (إن المنافقين هم..) الخارجون عن الايمان بالله ورسوله وعن طاعته.
} وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ{ (٦٨)
أخبر سبحانه أنّه وعد الذين يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر النار دائمين فيها والعقاب فيها كفاية ذنوبهم كما يقول عذبتك حسب ما فعلت وحسب فلان ما نزل به أي ذلك قدر فعله، أبعدهم من جنته وخيره (ولهم عذاب..) دائم لا يزول.
}كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ{ (٦٩)
يعني أنتم كالّذين من قبلكم كانت لهم قوة وأموال وأولاد، بل اشد وأكثر في ذلك منكم، فاستمتعوا بنصيبهم وقد تفرع على هذه المماثلة أنكم استمتعتم كما استمتعوا وخضتم كما خاضوا، أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون، وأنتم أيضاً أمثالهم في الحبط والخسران، ولذا وعدكم النار الخالدة ولعنكم.
} أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ{ (٧٠)
ألم يأتِ هؤلاء المنافقين الذين وصفهم خبر من كان قبلهم قوم نوح الذين عمّهم الله سبحانه بالغرق، وعادوهم قوم هود أهلكهم بريح صرصر عاتية، وثمود وهم قوم صالح عذبهم بالرجفة، وقوم إبراهيم أهلك ملكهم نمرود وسلب عنهم النعمة، والمؤتفكات وهي القرى المنقلبات على وجهها، قرى قوم لوط جعل عاليها سافلها (أتتهم رسلهم..) بالحجج والمعجزات والبراهين، فكذبوها فانتهى أمرهم الى الهلاك، ولم يكن من شأن السنة الالهية أن يظلمهم لأنه بيّن لهم الحق والباطل، ولكن عاقبهم باستحقاق إذ كذبوا رسل الله كما فعلتم فأهلكهم بكفرهم وعصيانهم.
- صفات المؤمنين الحقيقيين:
}وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{ (٧١)
لما ذكر سبحانه المنافقين ووصفهم بقبيح خصالهم اقتضت الحكمة أن يذكر المؤمنين ويصفهم بضدّ أوصافهم ليصل الكلام بما قبله اتصال النقيض بالنقيض حيث بين تعالى أن بعضهم انصار بعض يلزم كل واحد منهم نصرة صاحبه وموالاته حتى أن المرأة تهيء أسباب السفر لزوجها إذا خرج وتحفظ غيبة زوجها وهم يد واحدة على من سواهم (يأمرون) بما أوجب الله فعله أو رغّب فيه عقلاً أو شرعاً (وينهون) عمّا نهى الله عن فعله وزهد فيه عقلاً أو شرعاً، ويداومون على فعل الصلاة واخراج الزكاة من أموالهم ووضعها حيث أمر الله تعالى بوضعها فيه ويمتثلون طاعة الله ورسوله ويتبعون إرادتهما ورضاهما (أولئك) الذين هذه صفتهم يرحمهم الله في الآخرة إنه سبحانه قادر على الرحمة والعذاب واضع كل واحد منهما موضعه.
}وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ (٧٢)
وعد سبحانه (المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من..) تحت أشجارها الأنهار والماء، يطيب العيش فيها بناها الله تعالى من اللآلىء والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر لا أذى فيها ولا نصب روي عن النبي (ص) أنه قال: » عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة النبيين والصديقين والشهداء يقول الله عزّ وجلّ طوبى لمن دخلك (ورضوان من الله أكبر) أي ورضا الله تعالى عنهم أكبر من ذلك كله، ذلك النعيم الذي وصفت هو النجاح العظيم الذي لا شيء أعظم منه.
اللغة والبيان:
الغلظة: الخشونة في المعاملة.
همّوا: همَّ بالشيء إذا أراده، والهم دون العزم إلا أن يبلغ نهاية القوة في النفس.
فأعقبهم: أورثهم.
نجواهم: النجوى الكلام الخفي.
يلمزون: لمزه عابه.
المطوّعين: المطوع، المراد به هنا من يؤدي ما يزيد على الوجوب في أمواله.
جُهدهم: الجهد بفتح الجيم وضمها الطاقة.
المخلَّفون: جمع مخلّف، وهو المتروك، اي أن الرسول(ص) هو الذي تركهم.
بمقعدهم: أي بقعودهم.
فاقعدوا مع الخالفين: أي مع القاعدين أو الباقين، وهم النساء والصبيان والعجزة.
الطّول: بالفتح والتشديد الغنى والقوة.
التفسيـــر:
- جهاد الكفار والمنافقين:
} يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ{ (73)
أمر سبحانه النبي(ص) أن يجاهد الكفار بالسيف والقتال واختلفوا في كيفية جهاد المنافقين فقيل ان جهادهم باللسان والوعظ والتخويف وقيل بإقامة الحدود عليهم وقيل بالوعظ والتخويف وقيل بالانواع الثلاثة بحسب الإمكان وأسمعهم الكلام الغليظ ومنزلهم ومقامهم ومسكنهم جهنم، وبئس المرجع والمأوى.
- مؤامرة خطرة:
}يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ{ (74)
سياق الآية، يشعر بأنهم أتوا بعمل سيء وشفّعوا بقول تفوهوا به عند ذلك، وأن النبي(ص) عاتبهم على قولهم مؤاخذاً لهم فحلفوا بالله ما قالوا، والله سبحانه يكذبهم في الأمرين جميعاً ثم بيّن الله سبحانه لهؤلاء المنافقين أن لهم مع هذه الذنوب المهلكة أن يرجعوا إلى ربهم، وبيّن عاقبة هذه التوبة وعاقبة التولي والإعراض عنها.
}وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ{ (٧٥)
أي من جملة المنافقين الذين تقدّم ذكرهم (من عاهد الله..) لئن أعطانا من رزقه لنتصدّقن على الفقراء (ولنكونن من الصالحين) بانفاقه في طاعة الله وصلة الرحم ومؤاساة أهل الحاجة والروايات تدل على أن ألايات نزلت في ثعلبة بن حاطب كان من الأنصار و كان محتاجاً فعاهد الله، فلمّا آتاه بخل به.
} فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ{ (٧٦)
أي (فلما) أعطاهم ما اقترحوه ورزقهم ما تمنّوه من الأموال شحّت نفوسهم عن الوفاء بالعهد ومنعوا حق الله منه (وتولوا) عن فعل ما أمرهم الله به (وهم معرضون) عن دين الله تعالى.
}فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ{ (٧٧)
أي فأروثهم البخل والامتناع عن إيتاء الصدقات نفاقاً في قلوبهم يدوم لهم ذلك ولا يفارقهم الى يوم موتهم، وإنما صار هذا البخل والامتناع سبباً لذلك لما فيه من خلف الوعد لله والملازمة والاستمرار على الكذب.
او المعنى: جازاهم الله نفاقاً في قلوبهم الى يوم لقائه وهو يوم الموت، لأنهم أخلفوه ما وعدوه وكانوا يكذبون.
وفيها دلالة على ان الاخلاف والخيانة والكذب من أخلاق أهل النفاق وقد صحّ في الحديث عن النبي (ص) أنه قال: » للمنافق ثلاث علامات إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ».
}أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ{ (٧٨)
أي ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله يعلم سرّهم أي ما يخفون في أنفسهم، وما يتناجون به بينهم، ويعلم كل ما غاب عن العباد وعن ادراكهم من موجود أو معدوم من كل وجه يصح أن يعلم منه .
- إعاقة المنافقين:
} الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ (٧٩)
أي الذين يعيبون الذين يتطوعون بالصدقات من المؤمنين الموسرين، والذين لا يجدون من المال إلاّ جهد أنفسهم من الفقراء المعسرين، فيعيبون المتصدقين موسرهم ومعسرهم وغنيهم وفقيرهم ويسخرون منهم، سخر الله منهم ولهم عذاب موجع مؤلم، وروي عن النبي (ص) أنه سئل فقيل يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال جهد المقلّ.
}اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{ (٨٠)
صيغته صيغة الأمر والمراد به المبالغة في الاياس من المغفرة بأنه لو طلبها طلب المأمور بها أو تركها ترك المنهي عنها لكان ذلك سواء في أن الله تعالى لا يفعلها وكلمة سبعين كناية عن الكثرة والمبالغة، وحرمان المغفرة لهم بكفرهم بالله ورسوله (والله) لا يلطف بهم، لإصرارهم على كفرهم.
- إعاقة المنافقين مرة اخرى:
}فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ{ (81)
أخبر سبحانه في هذه الآية ان جماعة من المنافقين الذين خلفهم النبي(ص) ولم يخرجهم معه الى تبوك استأذنوه في التأخر فأذن لهم ففرحوا بقعودهم عن الجهاد لمخالفتهم النبي(ص) (وكرهوا ان يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا) للمسلمين ليصدّوهم عن الغزو، لا تخرجوا الى الغزو سراعاً في هذا الحرّ (قل) يا محمد لهم (نار جهنم) التي وجبت لهم (أشد حراً) من هذا الحرّ (لو كانوا يفقهون) أوامر الله تعالى.
}فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ{(82)
فمن الواجب بالنظر الى ما عملوه وكسبوه ان يضحكوا ويفرحوا قليلاً في الدنيا وأن يبكوا ويحزنوا كثيراً في الآخرة.
}فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ{ (83)
أي فإن ردّك الله من غزوتك هذه (الى طائفة) من المنافقين الذين تخلفوا عنك (فاستأذنوك للخروج) معك في غزوة اخرى (فقل لن تخرجوا معي أبداً) الى غزوة (ولن تقاتلوا معي عدواًَ) ثم بين سبحانه سبب ذلك (انكم رضيتم بالقعود أول مرة) أي عن غزوة تبوك (فاقعدوا مع الخالفين) في كل غزوة .
- أسلوب أشد في مواجهة المنافقين:
}وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ{ (84)
نهى سبحانه عن الصلاة لمن مات من المنافقين والقيام على قبره وفي الآية إشارة الى ان النبي(ص) كان يصلّي على موتى المسلمين ويقوم على قبورهم للدعاء.
}وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ{ (85)
الخطاب للنبي(ص) والمراد به الأمة (إنما يريد الله ان يعذبهم بها في الدنيا) بما يلحقهم فيها من المصائب والغموم (وتزهق انفسهم) أي تهلك بالموت وهم في حال كفرهم.
- وضيعو الهمة والمؤمنون المخلصون:
}وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ{ (86)
المعنى (وإذا أنزلت سورة) من القرآن على رسول الله(ص) بأن آمنوا واخرجوا الى الجهاد مع النبي(ص) طلب الاذن منك في القعود أولوا المال والقدرة والغنى وغيرهم (منهم) أي من المنافقين (وقالوا) دعنا مع المتخلفين عن الجهاد من النساء والصبيان.
اللغة والبيان:
الخوالف: النساء لتخلفهن عن الجهاد.
طبع على قلوبهم: ختم عليها.
المعذرون: جمع معذر، وله معنيان: الأول المعتذر من اعتذر، سواء أكان له عذر أم لم يكن، الثاني التعذير، وهو التقصير أي يريك العذر، ولا عذر له.
الأعراب: سكان البادية.
نصحوا: أخلصوا.
نبأنا: عرّفنا.
التربص: الانتظار.
الدائرة: المصيبة.
قُرُبات: جمع قربة، وهي طلب الثواب والكرامة من الله بحسن الطاعة.
المراد بالصلاة آية (99): الدعاء.
التفسيــر:
}رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ{ (87)
أي رضوا لنفوسهم ان يقعدوا مع النساء والصبيان والمرضى والمقعدين (وطبع على قلوبهم) بحيث ماتت قلوبهم (فهم لا يفقهون) أوامر الله ونواهيه ولا يتدبرون الأدلة.
}لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ (88)
(لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم) ينفقونها في سبيل الله ومرضاته (وانفسهم) يقاتلون الأعداء (أولئك لهم الخيرات) من الجنة ونعيمها (وأولئك هم) الظافرون بالوصول الى البغية
}أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ (89)
أي هيّأ لهم هذا النعيم والفوز بالجنّة والنجاة من الهلكة الى حال النعمة العظيمة الدائمة.
- واقع بعض المتخلفين عن الجهاد:
}وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ (90)
أي جاء المقصّرون الذين يعتذرون وليس لهم عذر وقيل هم المعتذرون الذين لهم عذر وهم نفر من بني غفّار، وقعدت طائفة من المنافقين من غير أن يعتذروا وهم الذين كذبوا الله ورسوله، (سيصيب الذين كفروا منهم عذاب اليم) وهو القتل والنار.
- المعذورون الذين يذرفون الدموع عشقاً للجهاد:
}لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{ (91)
يعني هؤلاء مرفوع عنهم الحرج والمشقة أي الحكم بالوجوب الذي لو وضع كان حكماً حرجياً، وكذا ما يستتبعه الحكم من الذم والعقاب على تقدير المخالفة يرفع عنهم ذلك فيما (إذا نصحوا لله ورسوله) واخلصوا من الغش والخيانة.
}وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ {(92)
أي ولا حرج على الفقراء الذين إذا ما أتوك لتعطيهم مركوباً يركبونه وتصلح سائر ما يحتاجون اليه من السلاح وغيره قلت: (لا أجد ما أحملكم عليه تولّوا) والحال أن أعينهم تمتلئ وتسكب دموعاً للحزن من أن لا يجدوا - أو لأن لا يجدوا- ما ينفقونه في سبيل الله للجهاد مع أعدائه.
}إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ{ (93)
يعني إنما الطريق بالعقاب والحرج على الذين يطلبون الإذن منك يا رسول الله(ص) في المقام وهم مع ذلك أغنياء متمكنون من الجهاد في سبيل الله (رضوا بأن يكونوا مع) النساء والصبيان ومن لا حراك به (وطبع على قلوبهم فهم لا يعلمون)
- لا تصغوا الى أعذارهم وأيمانهم الكاذبة:
}يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{ (94)
أي يعتذر المنافقون اليكم عند رجوعكم من الغزوة اليهم، قل يا محمد لهم: لا تعتذروا إلينا لأنا لن نصدقكم فيما تعتذرون به لأن الله قد أخبرنا ببعض أخباركم مما يظهر به نفاقكم وكذبكم فيما تعتذرون به، وسيظهر عملكم ظهور شهود لله ورسوله، ثم تردون الى الله الذي يعلم الغيب والشهادة يوم القيامة فيخبركم بحقائق أعمالكم .
}سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ { (95)
أي سيقسم هؤلاء المنافقون والمتخلفون أنهم إنما تخلفوا لعذر لتصفحوا عن جرمهم ولا توبخوهم ولا تعنفوهم (فاعرضوا عنهم) إنهم كالشيء المنتن الذي يجب الإجتناب عنه، ومصيرهم ومآلهم ومستقرهم جهنم مكافأة على ما كانوا يكسبونه من المعاصي.
}يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ{ (96)
المراد: إنكم إن رضيتم عنهم فقد رضيتم عمن لم يرضى الله عنه، أي رضيتم بخلاف رضى الله، ولا ينبغي لمؤمن ان يرضى عما يسخط ربه فهو أبلغ كناية عن النهي عن الرضا عن المنافقين.
- الأعــــراب قســـاة:
}الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ (97)
يبين الله تعالى حال سكان البادية وأنهم أشد كفراً ونفاقاً لأنهم لبعدهم عن المدينة والحضارة، وحرمانهم من بركات الإنسانية من العلم والأدب أقسى واجفى، فهم أجدر وأحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله من المعارف الأصلية والأحكام الشرعية من فرائض وسنن وحلال وحرام.
}وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{ (98)
أي ومن سكان البادية من يفرض الإنفاق في سبيل الخير أو في خصوص الصدقات غرماً وخسارة وينتظر نزول الحوادث السيئة بكم عليهم دائرة (حادثة) السوء - قضاء منه تعالى او دعاء عليهم - والله سميع للأقوال عليم بالقلوب.
}وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{ (99)
أي (ومن الاعراب من يؤمن بالله) فيوحده من غير شرك ويؤمن باليوم الآخر فيصدّق الحساب والجزاء ويتخذ إنفاق المال لله وما يتبعه من صلوات الرّسول ودعواته بالخير والبركة، كل ذلك قربات عند الله وتقربات منه إليه، ألا إن هذا الانفاق وصلوات الرسول قربة لهم، والله يعدهم بأنه سيدخلهم في رحمته لأنه غفور للذنوب، رحيم بالمؤمنين به والمطيعين له.
اللغة والبيان:
مَرَدُوا على النفاق: أي ثبتوا عليه، واتقنوا أساليبه يقال: شيطان مارد ومريد أي عاتٍ وعنيد.
سكن: المراد بالسكن هنا راحة النفس واطمئنانها.
مُرجون: الإرجاء التأخير.
ضراراً: الضرار طلب الضرر ومحاولته.
إرصاداً: الارصاد الارتقاب.
شفا: الحرف، يقال: اشفى على كذا إذا دنا منه.
الجرف: جانب الوادي الذي ينجرف بالماء، وأصله الاجتراف.
هارٍ: من الانهيار.
التفسير:
- السابقون الى الاسلام:
}وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ (100)
ليس مدلول الآية أن من صدق عليه أنه مهاجر أو أنصاري أو تابع، فإن الله قد رضي عنه رضاً لا سخط بعده أبداًَ وأوجب في حقه المغفرة والجنة سواء أحسن بعد ذلك أو أساء، إتقى او فسق فالحكم بالآية مقيد بالإيمان والعمل الصالح، بمعنى ان الله سبحانه إنما يمدح من المهاجرين والأنصار والتابعين من آمن به وعمل صالحاً.
- المنافقون في أطراف المدينة:
}وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ{(101)
أي ممن حولكم أو حول المدينة من الأعراب الساكنين في البوادي، منافقون مرنوا على النفاق، ومن اهل المدينة منافقون معتادون على النفاق لا تعلمهم انت يا محمد نحن نعلمهم، سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب عظيم.
- التوابـــــــون:
}وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{ (102)
يعني ومن الأعراب جماعة آخرون مذنبون لا ينافقون مثل غيرهم، بل اعترفوا بذنوبهم، لهم عمل صالح وعمل اخر سيّئ خلطوا هذا بذلك من المرجو ان يتوب الله عليهم إن الله غفور رحيم.
- الزكاة مطهرة للفرد والمجتمع:
}خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{ (١٠٣)
خاطب سبحانه النبي(ص) وأمره بأخذ الصدقة من أموال هؤلاء التأبين تشديداً للتكليف وليست بالصدقة المفروضة بل هي على سبيل الكفارة للذنوب التي أصابوها، وتطهيراً لهم وتكفيراً لسيئاتهم، وإدع لهم بقبول صدقاتهم كما يقول الداعي آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.
}أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{ (١٠٤)
إستفهام يراد به التنبيه على ما يجب أن يعلم فالمخاطب إذا رجع الى نفسه وفكّر فيما نبّه عليه علم وجوبه وإنما وجب أن يعلم أن الله يقبل التوبة لأنه إذا علم ذلك كان ذلك داعياً الى فعل التوبة والتمسك بها والمسارعة إليها وما هذه صورته يجب العلم به ليحصل به الفوز بالثواب والخلاص من العقاب والسبب فيه أنهم لما سألوا النبي(ص) أن يأخذ من أموالهم ما يكون كفارة لذنوبهم إمتنع من ذلك إنتظاراً لإذن من الله سبحانه فيه فبيّن الله أنه ليس قبول التوبة الى النبي(ص) وإن ذلك الى الله عزّ إسمه فإنه الذي يقبلها ويقبل الصدقات ويضمن الجزاء عليها، ويهب الرحمة والمغفرة لمن تاب.
}وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ{ (١٠٥)
وقل يا محمد: اعملوا ما شئتم من عمل خيراً أو شراً فسيشاهد الله سبحانه حقيقة عملكم ويشاهده رسوله والمؤمنون - وهم شهداء الأعمال - ثمّ تردون الى الله عالم الغيب والشهادة يوم القيامة فيريكم حقيقة عملكم.
- ثلاثة من المتخلفين عن غزوة تبوك:
}وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ (١٠٦)
أي مؤخرون موقوفون لما يرد من أمر الله تعالى فيهم، فأمرهم عندكم على هذا أي على الخوف والرجاء، ولا سبب عندهم يرجح لهم جانب العذاب أو جانب المغفرة، فأمرهم يؤول الى أمر الله ما شاء واراد فيهم فهو النافذ في حقهم.
- معبد للأوثان في صورة مسجد:
}وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ{ (١٠٧)
إن جماعة من بني عمرو بن عوف بنو مسجد قُبا وسألوا النبي(ص) أن يصلي فيه فصلى فيه، فحسدهم جماعة من بني غنم بن عوف وهم منافقون فبنوا مسجداً الى جنب مسجد قبا ليضروا به ويفرقوا المؤمنين، وينتظروا لأبي عامر الراهب الذي وعدهم ان يأتيهم بجيش من الروم، وقد أخبر الله سبحانه عنهم أنهم ليحلفن إن أردنا من بناء هذا المسجد إلاّ الفعلة الحسنى، وشهد تعالى بكذبهم.
}لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ {(١٠٨)
أي لا تقم للصلاة في مسجد الضرار ابداً، أقسم، لمسجد قبا الذي هو مسجد أسس على تقوى الله من أول يوم أحق وأحرى أن تقوم فيه للصلاة، وذلك أن فيه رجالاً يحبّون التطهّر من الذنوب أو من الارجاس والأحداث والله يحب المطهرين وعليك أن تقوم فيهم.
}أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{ (١٠٩)
يعني أنه لا يستوي عمل المتقي وعمل المنافق فإن عمل المؤمن المتقي ثابت مستقيم مبني على اصل صحيح ثابت وعمل المنافق ليس بثابت وهو واهٍ ساقط وقد شبه سبحانه بنيانهم على نار جهنم بالبناء على جانب نهر هذا صفته فكما ان من بنى على جانب هذا النهر فإنه ينهار بناؤه في الماء ولا يثبت فكذلك بناء هؤلاء ينهار ويسقط في نار جهنم، ويتركهم وما اختاروا.
}لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ (١١٠)
المعنى أن أهل مسجد ضرار امتلأت قلوبهم حقداً وغيظاً بسبب هدمه، ولا يزال هذا الحقد والغيظ يفتك في قلوبهم حتى يقطعها ارباً إرباً.
- تجارة لا نظير لها:
} إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ { (111)
الله سبحانه يذكر في الآية وعده القطعي للذين يجاهدون في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم بالجنة ويذكر أنه ذكر ذلك في التوراة والإنجيل كما يذكره في القرآن، وقد جعله في قالب التمثيل، فصور ذلك بيعاً، وجعل نفسه مشترياً والمؤمنين بائعين، وأنفسهم وأموالهم سلعة ومبيعاً، والجنة ثمناً، والتوراة والإنجيل والقرآن سنداً للمبايعة، وهو من لطيف التمثيل، ثم يبشر المؤمنين ببيعهم، ويهنئهم بالفوز العظيم.
اللغة والبيان:
لأوّاه: الأواه كثير التأوه والتحسر مأخوذ من أوه كلمة توجع.
العسرة: الشدة والضيق.
الزيغ: الميل.
خلّفوا: تخلفوا وتأخروا.
الرحب: السعة ومنه مرحباً أي وسعك المكان.
النصب: التعب.
المخمصة: المجاعة.
الموطىء: الأرض.
النفر: الخروج للجهاد.
الفرقة: الجماعة الكثيرة.
الطائفة: الجماعة القليلة.
التفقه: تعلّم الفقه.
التفسيـــر:
- صفات المؤمنين التجار:
}التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ{ (١١٢)
يصف سبحانه المؤمنين الذين اشترى منهم الأنفس والأموال بأوصاف هي: (التائبون) أي الرجعون الى طاعة الله والمنقطعون إليه النادمون على ما فعلوه من القبائح، والذين يعبدون الله وحده ويتذللون له بطاعته في اوامره ونواهيه، والذين يحمدون الله على كل حال والصائمون والمّؤدون للصلاة المفروضة التي فيها الركوع والسجود، وأما بالنسبة الى دورهم في المجتمع فهم آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ثم هم قائمون بطاعة الله يؤدون فرائضه وأوامره ويجتنبون نواهيه لأن حدود الله أوامره ونواهيه، ثم امر سبحانه نبيّه أن يبشر المصدقين بالله المعترفين بنبوته بالثواب الجزيل والمنزلة الرفيعة خاصة إذا جمعوا هذه الأوصاف. وقد روي أن هذه صفات الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لأنه لا يكاد يجمع هذه الأوصاف على تمامها وكمالها غيرهم ولقي الزهري علي بن الحسين(ع)في طريق الحج فقال له تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت الى الحج والله سبحانه يقول (إن الله اشترى من المؤمنين) الآية فقال(ع)له أتم الآية الأخرى (التائبون العابدون) الى آخرها ثم قال إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج.
- وجوب الانفصال عن الأعداء:
}مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ{ (١١٣)
معناه ان النبي والذين آمنوا بعد ما ظهر وتبيّن بتبيين الله لهم أن المشركين أعداء الله مخلّدون في النار، لم يكن لهم حق يملكون به أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى منهم.
}وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ{ (١١٤)
أي وأما استغفار إبراهيم لأبيه المشرك فإنه ظن أنه ليس بعدو معاند لله وإن كان مشركاً فاستعطفه بوعد وعده إياه فاستغفر له، فلما تبين له أنه عدو الله معاند على شركه وضلاله تبرّأ منه.
- العقاب بعد البيان:
} وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{ (١١٥)
تهديد للمؤمنين بالاضلال بعد الهداية إن لم يتقوا ما بين الله لهم أن يتّقوه ويجتنبوا منه، وهو بحسب ما ينطبق على المورد ان المشركين أعداء الله لا يجوز الاستغفار لهم والتودد إليهم، فعلى المؤمنين أن يتقوا ذلك وإلاّ فهو الضلال بعد الهدى.
} إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ{ (١١٦)
أي إن الله سبحانه هو الذي يملك كل شيء وبيده الموت والحياة فإليه تدبير كل أمر فهو الوليّ لا وليّ غيره.
- درس كبير في غزوة تبوك:
}لَقَد تَّابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ{ (117)
المراد بالتوبة على النبي(ص) محض الرجوع اليه بالرحمة، ومن الرجوع اليه بالرحمة، الرجعة الى امته بالرحمة، فالتوبة عليهم توبة عليه فهو(ص) الواسطة في نزول الخيرات والبركات الى أمته وفي المجمع ذكر أن الآية نزلت في غزوة تبوك وما لحق المسلمين فيها من العسرة حتى همّ قوم بالرجوع ثم تداركهم لطف الله سبحانه .
}وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ { (118)
- سبب النزول:
الآية نزلت في شأن كعب بن مالك ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وذلك انهم تخلفوا عن رسول الله(ص) ولم يخرجوا معه الى تبوك لا عن نفاق ولكن عن توان، فلما قدم النبي(ص) المدينة جاءوا إليه واعتذروا فلم يكلمهم النبي(ص) وهجرهم الناس فضاقت عليهم المدينة وخرجوا الى الجبال يتضرعون الى الله ويتوبون اليه فقبل الله توبتهم.
- كونوا مع الصادقين:
}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ {(119)
الآية تأمر المؤمنين بالتقوى واتباع الصادقين في أقوالهم وأفعالهم وجهادهم.
- مصاعب المجاهدين لا تبقى بدون ثواب:
}مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ{ (120)
الآية تسلب حق التخلف عن النبي(ص) من أهل المدينة والأعراب الذين حولها، ثم تذكر أن الله قابل هذا السلب منهم بأنه يكتب لهم في كل معصية تصيبهم في الجهاد من جوع وعطش وتعب وفي كل أرض يطأونها فيغيظون به الكفار او نيل نالوه عملاً صالحاً فإنهم محسنون والله لا يضيع اجر المحسنين.
}وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {(121)
ثم ذكر تعالى ان نفقاتهم صغيرة يسيرة كانت او كبيرة خطيرة، وكذا كل واد قطعوه، فإنه مكتوب لهم محفوظ لأجلهم ليجزوا به أحسن الجزاء.
- محاربة الجهل وجهاد العدو:
}وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ{ (122)
لا يجوز لمؤمني البلاد ان يخرجوا الى الجهاد جميعاً، فهلاّ نفر وخرج الى النبي(ص) طائفة من كل فرقة من فرق المؤمنين ليتحققوا الفقه والفهم في الدين، فيعملوا به لأنفسهم ولينذروا بنشر معارف الدين قومهم إذا رجعت هذه الطائفة اليهم لعلهم يحذرون ويتقون.
اللغة والبيان:
الذين يلونكم: أي من كانت بلادهم قريبة لبلدكم.
الغلظة: الشدة.
عزيز عليه: أي شاق عليه.
عنتُّم: العنت الشدة والمشقة.
حريص: الحرص على الشيء الشح به لشديد الرغبة به.
التفسير:
- تهيؤوا واستعدوا للعدو الأقرب:
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ{ (123)
أي قاتلوا من قرب منكم من الكفار الأقرب منهم فالأقرب في النسب والدار وليحسوا منكم الشجاعة (واعلموا ان الله مع المتقين) يعينهم وينصرهم ومن كان الله سبحانه ناصره لم يغلبه احد.
- تأثير آيات القرآن على القلوب النظيفة والملوثة:
}وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ{ (١٢٤)
معناه (وإذا ما أنزلت سورة) في القرآن يقول المنافقون للمؤمنين الذين في ايمانهم ضعف أيكم زادته هذه السورة يقيناً وبصيرة، فأما المؤمنون المخلصون فزادتهم تصديقاً بالفرائض مع ايمانهم بالله - ووجه زيادة الايمان أنهم كانوا مؤمنين بما قد نزل من قبل وآمنوا بما أنزل الآن (وهم) يسرون ويبشر بعضهم بعضاً قد تهلّلت وجوههم وفرحوا بنزولها.
}وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ{ (١٢٥)
أي (وأما الذين في قلوبهم) شك ونفاق (فزادتهم) نفاقاً وكفراً الى نفاقهم وكفرهم لأنهم يشكّون في هذه السورة كما شكّوا فيما تقدمها من السور فذلك هو الزيادة وسمي الكفر رجساً على وجه الذم له وأنه يجب تجنبه كما يجب تجنب الارجاس واضاف الزيادة الى السورة لأنهم يزدادون عندها رجساً ومثله كفى بالسلامة داء، وقد ادّاهم شكّهم فيما أنزل الله تعالى من السور الى أن ماتوا على كفرهم وآبوا شرّ مآب.
}أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُون{َ (١٢٦)
أي ما لهم لا يتفكّرون ولا يعتبرون وهم يرون أنهم يبتلون ويمتحنون كل عام مرة أو مرّتين فيعصون الله، ولا يخرجون من عهدة المحنة الالهية وهم لا يتوبون ولا يتذكّرون، ولو تفكّروا في ذلك انتبهوا لواجب امرهم وأيقنوا أن الاستمرار على هذا الشأن ينتهي بهم الى تراكم الرّجس على الرّجس والهلاك الدائم والخسران المؤبد.
}وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ {(١٢٧)
يعني أنهم عند نزول سورة قرآنية، ينظر بعضهم الى بعض نظر من يقول: هل يطلع على ما بنا من القلق والاضطراب أحد، ثم انصرفوا عن النبي(ص) في حال صرف الله قلوبهم عن وعي الآيات الالهية والايمان بها بسبب أنهم قومٌ لا يفقهون الكلام الحق، ومراد الله بخطابه لأنهم لا ينظرون فيه.
- آخر آيات القرآن المجيد برأي بعض المفسرين:
}لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ{ (١٢٨)
أي جاءكم رسول من جنسكم من البشر ومن أوصافه أنه يشق عليه ما يلحقكم من الضرر بترك الايمان وحريص على من لم يؤمن أن يؤمن، وأنه رؤوف رحيم بالمؤمنين منكم خاصة، فيحق لكم أن تطيعوا أمره.
}فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ{ (١٢٩)
أي وإن تولوا عنك وأعرضوا عن قبول دعوتك وذهبوا عن الحق فقل: الكافي هو الله فإنه القادر على كل شيء فلا كافي سواه لأنه الله لا إله غيره به وثقت وعليه اعتمدت وهو ربُّ الملك العظيم في السماوات والأرض.
نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من العاملين بمفاهيم هذه السورة وغيرها بأن يجعلنا من المجاهدين والشهداء في سبيله ومن المتوكلين عليه في كل أمورنا إنه هو السميع المجيب.
والحمد لله رب العالمين
-----------------
---------------------------
سورة التحريم مدنية
وعدد آياتها اثنتا عشرة آية
فضيلة تلاوة سورة التحريم:
ورد في حديث عن رسول الله(ص) أنه قال: » من قرأ سورة يا أيّها النبي لِمَ تحرّم ما أحلّ الله لك أعطاه الله توبة نصوحاً »
وفي حديث عن الصادق(ع)قال:«من قرأ سورة الطلاق والتحريم في فريضة أعاذه الله من أن يكون يوم القيامة ممن يخاف أو يحزن وعوفي من النار وأدخله الله الجنّة بتلاوته إياهما ومحافظته عليهما لأنهما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم »
محتوى سورة التحريم:
تحتوي هذه السورة أربعة أقسام رئيسية:
الأول: يرتبط بقصة الرسول(ص) مع بعض أزواجه حينما حرّم بعض الطعام عن نفسه.
الثاني: وهو خطاب لكل المؤمنين في شؤون التربية ورعاية العائلة ولزوم التوبة من الذنوب.
الثالث: يتضمن خطاباً الى الرسول(ص) بضرورة مجاهدة الكفار والمنافقين .
الرابع: ويتضمن توضيحاً للأقسام السابقة بذكر نموذجين صالحين للنساء، وهما (مريم العذراء، وزوجة فرعون) ونموذجين غير صالحين (زوجة نوح، وزوجة لوط) ويحذر نساء النبي من هذين النموذجين الأخيرين ويدعوهن الى الاقتداء بالنموذجين الأولين.
نسأله سبحانه أن يجعلنا من صالح المؤمنين .
والحمد لله رب العالمين
اللغة والبيان:
تحرّم: الحرام القبيح الممنوع منه بالنهي ونقيضه الحلال وهو الحسن المطلق بالإذن فيه والتحريم تبيين أن الشيء الحرام لا يجوز والتحريم إيجاب المنع.
تبتغي: الابتغاء الطلب ومنه طلب الاستعلاء بغير الحق.
تحلّة: تحلّة اليمين فعل ما يسقط التبعة فيه.
أيمانكم: واحدة اليمين وهو الحلف.
أسرَّ: الإسرار القاء المعنى الى نفس المحدث على وجه الاخفاء عن غيره.
تظاهرا: التظاهر التعاون والظهير المعين واصله من الظهر.
سائحات: السائح الجاري والعرب تصف بذلك الماء الجاري الدائم الجرية ثم تصف به الرجل الذي يضرب في الأرض ويقطع البلاد.
ثيبات: الثيب الراجعة من عند الزوج بعد الافتضاض.
أبكاراً: البكر هي التي على أول حالها قبل الافتضاض.
توبة نصوحاً: التوبة النصوح ما يصرف صاحبه عن العود الى المعصية أو ما يخلص العبد للرجوع عن الذنب فلا يرجع الى ما تاب منه.
جاهد: الجهاد بذل لجهد في إصلاح الأمر من جهتهم، ودفع شرهم.
فخانتاهما: الخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر.
- سبب النزول:
وردت روايات عديدة في أسباب نزول هذه السورة في كتب الحديث والتفسير والتاريخ، عن الشيعة والسنة، انتخبنا أشهر تلك الروايات وأنسبها وهي: أن رسول الله(ص) كان يذهب أحياناً الى زوجته (زينب بنت جحش) فتبقيه في بيتها حتى » تأتي إليه بعسل كانت قد هيأته له(ص) ولكن لما سمعت عائشة بذلك شق عليها الأمر، ولذا قالت: إنها قد اتفقت مع » حفصة» إحدى (أزواج الرسول) على أن يسألا الرسول بمجرد أن يتقرب من أي منهما بأنه هل تناول صمغ » المغافير» (وهو نوع من الصمغ يترشح من بعض أشجار الحجاز يسمى » عرفط» ويترك رائحة غير طيبة، علماً أن الرسول كان يصر على أن تكون رائحته طيبة دائماً، وفعلاً سألت حفصة الرسول(ص) هذا السؤال يوماً وردّ الرسول بأنه لم يتناول صمغ » المغافير» ولكنه تناول عسلاً عند زينب بنت جحش، ولهذا أقسم بأنه سوف لن يتناول ذلك العسل مرةً أخرى، خوفاً من أن تكون زنابير العسل هذا قد تغذت على شجر صمغ »المغافير» وحذرها أن تنقل ذلك الى أحد لكي لا يشيع بين الناس أن الرسول قد حرم على نفسه طعاماً حلالاً فيقتدون بالرسول ويحرمونه أو ما يشبهه على أنفسهم، أو خوفاً من أن من أن تسمع زينب وينكر قلبها وتتألم لذلك.
ولكنها أفشت السر فتبين أخيراً أن القصة كانت مدروسة ومعدة، فتألم الرسول(ص) لذلك كثيراً فنزلت عليه الآيات السابقة لتوضح الأمر وتنهى من أن يتكرر ذلك مرة أخرى في بيت رسول الله(ص).
وجاء في بعض الروايات أن الرسول ابتعد عن زوجاته لمدة شهر بعد هذا الحادث، انتشرت على أثرها شائعة أن الرسول عازم على طلاق زوجاته، الأمر الذي أدى الى كثرة المخاوف بينهن وندمن بعدها على فعلهن.
التفسيـــــــر:
- التوبيخ لبعض زوجات الرسول (ص):
}يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ (١)
ناداه سبحانه بهذا النداء تشريفاً له وتعليماً لعباده كيف يخاطبونه أثناء محاوراتهم ويذكرونه خلال كلامهم، وهو خطاب مشوب بعتاب لتحريمه(ص) لنفسه بعض ما أحل الله له من الملاذ، تطلب به رضاء نسائك وهن أحق بطلب مرضاتك منك وليس في هذا دلالة على وقوع ذنب منه صغيراً أو كبيراً لأن تحريم الرجل بعض نسائه أو بعض الملاذ لسبب أو لغير سبب ليس بقبيح ولا داخلاً في جملة الذنوب ولا يمتنع أن يكون خرج هذا القول مخرج التوجع له(ص) إذا بالغ في إرضاء ازواجه وتحمل من ذلك المشقة (والله غفور) لعباده (رحيم) بهم إذا رجعوا الى ما هو الأولى والأليق بالتقوى يرجع لهم الى التولي.
}قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ{ (٢)
يعني قد قدّر الله لكم تحليل أيمانكم بالكفّارة، والله وليكم الذي يتولى تدبير أموركم بالتشريع والهداية وهو العليم الحكيم. وفي الاية دلالة على أن النبي(ص) كان قد حلف على الترك، وأمر له بتحلة يمينه.
}وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ{ (٣)
معناه وإذ أفضى النبي الى بعض أزواجه - وهي حفصة - حديثاً وأوصاها بكتمانه فلما أخبرت به غيرها وأفشت السر خلافاً لما أوصاها به، وأعلم الله النبي(ص) أنها أنبأت به غيرها، فلما خبرها النبي(ص) بالحديث قالت للنبي(ص) من أنبأك وأخبرك أني نبأت به غيري وأفشيت السرّ ؟ قال النبي(ص): نبأني وخبرني العليم الخبير، وهو الله العليم بالسر والعلانية الخبير بالسرائر.
}إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ{ (٤)
ثم خاطب سبحانه حفصة وغيرها (إن تتوبا الى الله) من التعاون على النبي(ص) بالايذاء والتظاهر عليه فقد حق عليكما التوبة ووجب عليكم الرجوع الى الحق فقد مالت (قلوبكما) الى الاثم وإن تتعاونا على النبي(ص) بالايذاء (فإن الله هو) الذي يتولى حفظه وحياطته ونصرته (وجبريل) أيضاً معين له وناصره ويحفظه وخيار المؤمنين كذلك والمراد بصالح المؤمنين أمير المؤمنين علي(ع) (والملائكة بعد) الله وجبريل وصالح المؤمنين أعوان للنبي(ص).
}عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا {(٥)
أي واجب من الله ربه يا معشر أزواج النبي(ص) (أن يبدله أزواجاً) أصلح له منكن، ثم نعت تلك الأزواج أنهن مستسلمات لما أمر الله به مصدقات لله ورسوله(ص) مستحقات للثواب والتعظيم مطيعات لله تعالى ولأزواجهنّ (تائبات) عن الذنوب (عابدات) لله تعالى ماضيات في طاعت الله سبحانه (ثيبات) وعذارى لم يكن لهن أزواج.
- قوا أنفسكم وأهليكم النار:
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ {(٦)
لمّا أدب سبحانه نساء النبي(ص) أمر بعد ذلك المؤمنين بتأديب نسائهم مخاطباً لهم (يا ايها الذين آمنوا) احفظوا وامنعوا انفسكم واهليكم النار بالصبر على طاعة الله وعن معصيته وعن اتباع الشهوات وقوا أهليكم النار بدعائهم الى الطاعة وتعليمهم الفرائض ونهيهم عن القبائح وحثهم على أفعال الخير.
وعلموا بأن حطب تلك النار الناس وحجارة الكبريت وهي تزيد في قوة النار (عليها ملائكة غلاظ) القلوب لا يرحمون أهل النار أقوياء يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم، لا يخالفون الله في أوامره ونواهيه ويفعلون ما يأمرهم به في دار الدنيا لأن الآخرة ليست بدار تكليف وإنما هي دار جزاء وانما أمرهم الله تعالى بتعذيب أهل النار على وجه الثواب لهم بأن جعل سرورهم ولذاتهم في تعذيب أهل النار كما جعل سرور المؤمنين ولذاتهم في الجنة.
}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ {(٧)
معناه أنهم إذا عذّبوا يأخذون في الاعتذار فلا يلتفت الى معاذيرهم ويقال لهم لا تعتذروا اليوم فهذا جزاء فعلكم.
}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ (٨)
عاد سبحانه الى خطاب المؤمنين في دار التكليف فقال (يا ايها الذين آمنوا) ارجعوا الى طاعة خالصة لوجه الله (عسى ربكم أن) يحط سيئاتكم عنكم ويدخلكم الجنة فلا يعذبهم الله بدخول النار ولا يذلّهم بذلك بل يعزّهم بإدخالهم الجنة، (نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم) أي يتولد غداً من البذل والجهاد لوجه الله والحق نور يشع بين يدي الباذل المجاهد وعن يمينه وشماله تماماً كما تتولد الكهرباء من آلاتها ومفاعلها (يقولون ربنا اتمم لنا نورنا) وذلك بأن توفقنا للطاعة التي هي سبب النور، واستر علينا معاصينا ولا تهلكنا بها.
- نماذج من النساء المؤمنات والنساء الكافرات:
}يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ{ (٩)
خاطب سبحانه النبي بأن (جاهد الكفار) بالقتال والحرب (والمنافقين) بالقول الرادع عن القبيح لا بالحرب إلاّ أن فيه بذل المجهود فلذلك سمّاه جهاداً، واشدد عليهم من غير محاباة ومآل الكفار والمنافقين (جهنم وبئس) المآل والمستقر.
}ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ{ (١٠)
ضرب الله سبحانه المثل لأزواج النبي(ص) حثاً لهن على الطاعة وبياناً لهن أن مصاحبة الرسول(ص)مع مخالفته لا تنفعهن فقال (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأت نوحٍ وامرأت لوطٍ كانتا تحت عبدين من عبادنا) أي نبيين من أنبيائنا (صالحين فخانتاهما) فإمرأة نوحٍ كانت كافرة تقول للناس أنه مجنون وإذا آمن بنوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به وكانت امرأة لوط تدل على أضيافه فكان ذلك خيانتهما وما بغت امرأة نبي قط وإنما كانت خيانتهما في الدين، ولم يغن نوح ولوط مع نبوتهما عن امرأتيهما من عذاب الله شيئاً ويقال لها يوم القيامة (ادخلا النار مع الداخلين) وقيل اسم امرأة نوح واغلة واسم امرأة لوط واهلة.
}وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ{ (١١)
ثم ضرب سبحانه (مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون) وهي آسية بنت مزاحم قيل أنها لما عاينت المعجزة من عصا موسى(ع)وغلبته السحرة أسلمت فلما ظهر لفرعون إيمانها نهاها فأبت فأوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس ثم أمر أن يلقى عليها صخرة فلما قرب أجلها (قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة) فرفعها الله تعالى الى الجنّة فهي فيها تأكل وتشرب (ونجّني من فرعون) ودينه (ونجّني من القوم الظالمين) التابعين لفرعون من أهل مصر.
}وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ{ (١٢)
أي ومريم التي منعت فرجها من دنس المعصية وعفت عن الحرام فنفخ جبرائيل بأمرنا في جيبها من روحنا (وصدقت) بما تكلم الله تعالى وأوحاه الى أنبيائه وملائكته وبكتب الله المنزلة على انبيائه مثل التوراة والانجيل ومن وحّد، وكانت من المطيعين لله سبحانه والدائمين على طاعته.
وأخيراً ورد عن النبي(ص) أنه قال: كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد(ص).
فوائد من هذه السورة
1- ذكر صفات للمؤمنين والمؤمنات:
وردت في الآية الخامسة من السورة مجموعة صفات لزوجات النبي(ص)وهذه الصفات في الحقيقة هي صفات نبيلة ومطلوبة لكل مؤمن ومؤمنة، وهي صفات ستة:
أولاً: الاسلام:
الانطلاقة الأولى للانسان الملتزم ينبغي أن تبدأ بالاذعان بالله تبارك وتعالى ورسوله وهو ما يبرز من خلال الشهادتين وبها يدخل الانسان في دائرة الاسلام، وإن كان جوهر الاسلام هو التسليم والانقياد المطلق لله تبارك وتعالى والخضوع له في كل صغيرة وكبيرة من قصايا الحياة، ولذا فإن أول من أطلق هذا المصطلح هو النبي ابراهيم(ع): » ملة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس...» وقد ورد ذكر الاسلام والمسلمين أكثر من خمسين مرة في القرآن الكريم.
ثانياً: الايمان:
والايمان في المفهوم القرآني هو تجسيد الاسلام وبلورته في العمل ويقرن كثيراً في القرآن الكريم بالعمل الصالح وقد ورد ذكر الايمان والمؤمن ما يقرب من (500 مرة) في القرآن الكريم أي عشرة أضعاف (الاسلام والمسلمين) كما سميت سورة مستقلة باسم » المؤمنون».
ثالثاً: القنوت:
القنوت هو الطاعة والخضوع لله تعالى ولرسوله(ص) خضوعاً تاماً، وقد ورد في القرآن الكريم ذكر القنوت ومشتقاته (13 مرة)، نعت سبحانه به النبي ابراهيم(ع) قال تعالى:
} إن ابراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين {
وقد يستفاد من بعض الآيات القرآنية أن القنوت هو الخضوع الذي تلازمه المعرفة والعرفان بالله تبارك وتعالى كما في قوله تعالى: » أمّن هو قانت إناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب »
رابعاً: الجهوزية التامة لتدارك الفرص والأخطاء:
من صفات الانسان المؤمن هو اتصافه بصفة المرونة والتجاوب ويقظة الضمير والوجدان، والرقابة الذاتية التي يعبر عنها في المصطلح القرآني بـ «التوبة»، أي الرجوع والاقلاع عن الذنب والسعي لتداركه، و «التوبة النصوح » هو ان يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على الاّ يفعل في المستقبل، وتترتب على توبة العبد توبة من الله تبارك وتعالى بالمغفرة لما سبق له من الذنب » الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم » وقد ورد ذكر التوبة ومشتقاته (86 مرة) في القرآن الكريم.
- التوبة ودورها في تكفير الذنب:
إن الانسان العادي بلغ ما بلغ من الحصانة الذاتية لا تخلو حياته أو بعض أيام حياته من الزلات والأخطاء، سيّما إذا نظرنا الى الغرائز التي تحكم الانسان وتصرفاته، وطبيعته الميالة الى ما تشتهيه النفس، من هنا، وشفقة بالعباد فتح الله تعالى لهم باباً للخروج من دائرة المعصية والرجوع الى حالة الطهر والايمان: » إن الله يحب التوابين ويحبّ المتطهرين »
- دعائم التوبة ثلاثة:
الأول: الندم، على ما حصل منه في المخالفة والمعصية.
الثاني: العزم، على عدم الرجوع والعودة الى المخالفة.
الثالث: إيصال الحقوق التي أهدرت بسبب المخالفة والمعصية.
وكما هو واضح فإن الركنين الأول والثاني، حالتان نفسيتان وأمران داخليان مرتبطان بباطن الانسان ودرجة قناعاته وما يترتب على ذلك من الأثر كالندم على السلوكيات السابقة والعزم على عدم ممارستها في المستقبل، في حين ان الركن الثالث والأخير أمر خارجي وعملي، يتحقق من خلال جبران الأضرار المادية والمعنوية التي أوجبها الانسان من خلال تصرفاته وأفعاله، ومجال الركن الأخير هو حقوق الناس.
ولا شك ولا ريب بأن مكان التوبة الدنيا دون الآخرة وقبل الموت لا عنده ولا بعده ولها شروط وتفاصيل يمكن مراجعة كتب الأخلاق وتفسير الآيات في هذا المجال.
- خامساً: العبودية:
العبودية بمثابة جوهر الايمان وثمرة المعرفة الكاملة والاذعان المطلق بالله تعالى وهي هدف سام ورد بذلك قوله » وما خلقت الجنّ والانس إلاّ ليعبدون » كما تطرقت الآيات القرآنية الى موضوع العبادة في أكثر من(297 آية قرآنية).
- سادساً: الهجرة:
إن الهجرة في سبيل الحفاظ على الدين والعقيدة تمثل درجة عالية من الايمان بالله تعالى وكانت درجة سامية في عهد رسول الله(ص)، كما أن الهجرة تمثل نقطة عطف كبيرة في حياة الانسان الفردية وحياة المجتمعات البشرية جمعاء، وعلى مرّ التاريخ بُنيت الحضارات الكبرى على سنة الهجرة، وقد تعرضت الآيات القرآنية الى هذا المفهوم في أكثر من (20 آية قرآنية).
2- الأولوية في قضية الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قد دعى الله تبارك وتعالى في الآية السادسة من سورة التحريم الى وقاية النفس والأهل (القريبين) من نار جهنم، وقد يستفاد من هذه الآية الأولويات بشأن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى أن الانسان مكلّف بالدرجة الأولى (الأولوية الأولى) أن يبدأ من نفسه فيهذّبها ويحصّنها أمام المعاصي والزلات وبعد أن كوّن أرضية صلبة فإنّ أولى المسؤوليات (الخارجية) التي تتوجه إليه هي مسؤوليته تجاه أهله وأقرباءه، إن هذه التراتبية قبل أن يكون لها أساس ديني وقرآني لها جذور في فطرة الانسان وتفرضه الظروف الاجتماعية والحياتية للانسان.
فإن الانسان يحصّن بالدرجة الأولى في الواقع الاجتماعي من خلال القريبين والأهل والمعارف كما أن العشرة والاختلاط في الحياة الاجتماعية أيضاً تحقق بالأهل والقريبين بالدرجة الأولى وقد يستفاد من سيرة الرسول(ص)هذه التراتبية حيث انه(ص) قد بدأ دعوته الى الاسلام بأهله ومن ثم جهر بها وعمّمها الى الآخرين.
وكما هو واضح فإن من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التأثير على المخاطب، تأثره بالأمر والنهي، والتأثير والتأثر عاملان نفسيان اجتماعيان تولدها العوامل الاجتماعية ومن أهم هذه العوامل الاجتماعية، العاطفة التي تحكم العلاقات بين الأقرباء كالأب والأم بالنسبة الى أولادهما والأخ والأخت بالنسبة الى إخوتهما وهكذا من هنا، نستطيع القول أن الأولويات يفرضها الواقع الاجتماعي وعنصر التأثير والتأثر الحاكمين في مجال الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
3- الصلابة في التصدي للكفار والمنافقين:
واجه النبي(ص)في مسيرته الربانية الكثير من الصعاب واساليب الحرب النفسية من قبل الكفار والمنافقين، ففي مكّة كذّب المشركون رسول الله(ص) وأذوه ورموه بأنواع التهم والشتائم كالسحر والكهانة والجنون، ويتحدث القرآن عن هذه الأساليب بقوله تعالى: »وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلاّ هزواً »
وقوه تعالى:» وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون »
وفي المدينة المنورة شنت الحرب على النبي(ص) من جبهتين:
- جبهة الكفار (اليهود)، وجبهة المنافقين، وهؤلاء استخدموا شتى أنواع الشائعات، وزرع الفرقة، وتحطيم المعنويات لدى المسلمين، وقد تناول القرآن ذلك في مناسبات عدة ومواضيع متعددة مثل قوله تعالى »
} وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً {
وقوله تعالى:
} إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهيناً{
وكان النبي(ص)انطلاقاً من دوره الرسالي، وكرم أخلاقه الذي وصفه الله بقوله:
}إنك لعلى خلق عظيم {
يتحمل هذه المصاعب ويتعب نفسه لهداية هؤلاء، فنزلت من عند الله تعالى الآية التاسعة من سورة التحريم مخاطباً النبي بقوله: » يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير » مطالباً منه(ص) الشدة والغلظة مع هؤلاء الذين قست قلوبهم وصمّت آذانهم وعميت ابصارهم ولم يتأثروا بما كانوا يرون من آيات الحلم والحكمة من رسول الله(ص)، وذلك لأنهم لا يملكون مقومات الهداية ولأنهم كما قال سبحانه:
} لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلّبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون {
فالطريق الوحيد هو التصدّي لهؤلاء بكل شدة وعنف حتى يرجعوا عن غيّهم ويفيقوا من سباتهم ويرتدعوا عن الاستمرار في نهجهم الايذائي لرسول الله(ص).
نسأل الله عزّ وجلّ أن يجعلنا من المقتدين بالمؤمنين الصالحين والمجاهدين على طريق الحق، والحمد لله رب العالمين.
تم بتاريخ:
15/رمضان المبارك/1429هـ.ق
المصادر
القرآن الكريم.
تفسير مجمع البيان للشيخ ابي علي الفضل بن الحسن الطبرسي {.
تفسير الميزان، للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي {.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، للشيخ ناصر مكارم الشيرازي.
التفسير الكاشف، للشيخ محمد جواد مغنية {.
التفسير المبين، للشيخ محمد جواد مغنية {.
تفسير القرآن الكريم، للسيد عبد الله شبر {.
الفهرس
المقدمة 5
سورة التوبة: 7
أسماء هذه السورة: 7
- فضيلة هذه السورة: 7
- محتوى السورة: 8
- لماذا لم تذكر فيها البسملة: 9
- حقيقة تاريخية: 9
-الآيات من 1إلى 13 10
اللغة والبيان: 12
التفسير: 12
- إلغاء عهود المشركين: 12
- العهود المحترمة: 13
- الشدة في العمل المصطحبة للّين: 13
- المعتدون الناقضون العهد: 14
-لم تخشون مقاتلة العدو؟ 15
-الآيات من 14 إلى 26 16
اللغة والبيان: 18
التفسيـــــر: 18
- جلالة موقع الجهاد: 19
- ليس بإمكان كلّ أحد أن يعمر المسجد: 19
- مقياس الفخر والفضل: 20
- سبب النزول: 20
- كل شيء فداء للهدف ومن أجل الله: 21
- كثرة الجمع وحدها لا تجدي نفعاً (غزوة حنين): 22
الآيات من 27 إلى 36 23
اللغة والبيان: 25
التفسير: 25
-لا يحق للمشركين ان يدخلوا المسجد الحرام: 25
- مسؤوليتنا إزاء اهل الكتاب: 26
- أربابُ أهل الكتاب من دون الله: 26
- كنز الذهب والفضة دون إنفاق غير جائز: 28
- إيقاف القتال » الاجباري »: 29
الآيات من 37 إلى 47 30
اللغة والبيان: 32
التفسير: 32
- مفهوم النسيء في الجاهلية: 32
- عتاب المتثاقل عن الجهاد (في معركة تبوك) 33
- نصرة الله سبحانه لنبيه(ص): 34
- الكسالى الطامعون: 34
- السعي لمعرفة المنافقين: 35
- عدم وجودهم خير من وجودهم: 36
الآيات من 48 إلى 61 37
اللغة والبيان: 39
التفسير: 39
- المنافقون المتذرعون: 40
- إحدى صفات المنافقين: 40
- في قاموس المؤمنين لا وجود للهزيمة: 40
- قسم آخر من علامات المنافقين: 41
- علامة اخرى من علائم المنافقين: 42
- الأنانيون السفهاء: 42
- موارد صرف الزكاة ودقائقها: 43
- هذا حسن لا قبيح: 43
الآيات من 62 إلى 72 44
اللغة والبيان: 46
التفسيــر: 46
- المنافقون يظهرون أن الحق الى جانبهم: 46
- خطة خطرة أخرى من المنافقين: 47
- علامات المنافقين: 48
- صفات المؤمنين الحقيقيين: 49
الآيا من 73 إلى 86 51
اللغة والبيان: 53
التفسيـــر: 53
- جهاد الكفار والمنافقين: 53
- مؤامرة خطرة: 54
- إعاقة المنافقين: 56
- إعاقة المنافقين مرة اخرى: 56
- أسلوب أشد في مواجهة المنافقين: 58
- وضيعو الهمة والمؤمنون المخلصون: 58
الآيات من 87 إلى 99 59
اللغة والبيان: 61
التفسيــر: 61
- واقع بعض المتخلفين عن الجهاد: 62
- المعذورون الذين يذرفون الدموع عشقاً للجهاد: 62
- لا تصغوا الى أعذارهم وأيمانهم الكاذبة: 63
- الأعــــراب قســـاة: 64
الآيات من 100 إلى 111 66
اللغة والبيان: 68
التفسير: 68
- السابقون الى الاسلام: 68
- المنافقون في أطراف المدينة: 69
- التوابـــــــون: 69
- الزكاة مطهرة للفرد والمجتمع: 69
- ثلاثة من المتخلفين عن غزوة تبوك: 70
- معبد للأوثان في صورة مسجد: 71
- تجارة لا نظير لها: 72
الآيات من 112 إلى 122 73
اللغة والبيان: 75
التفسيـــر: 75
- صفات المؤمنين التجار: 75
- وجوب الانفصال عن الأعداء: 76
- العقاب بعد البيان: 77
- درس كبير في غزوة تبوك: 77
- سبب النزول: 78
- كونوا مع الصادقين: 78
- مصاعب المجاهدين لا تبقى بدون ثواب: 78
- محاربة الجهل وجهاد العدو: 79
الآيات من 123 إلى 129 80
اللغة والبيان: 81
التفسير: 81
- تهيؤوا واستعدوا للعدو الأقرب: 81
- تأثير آيات القرآن على القلوب النظيفة والملوثة: 81
-آخر آيات بالقرآن المجيد برأي بعض المفسرين 83
فضيلة تلاوة سورة التحريم: 84
سورة التحريم 84
محتوى سورة التحريم: 84
الآيات من 1 إلى 12 86
اللغة والبيان: 88
- سبب النزول: 89
التفسيـــــــر: 90
- التوبيخ لبعض زوجات الرسول (ص): 90
- قوا أنفسكم وأهليكم النار: 92
- نماذج من النساء المؤمنات والنساء الكافرات: 93
فوائد من هذه السورة 95
1- ذكر صفات للمؤمنين والمؤمنات: 95
أولاً: الاسلام: 95
ثانياً: الايمان: 96
ثالثاً: القنوت: 96
رابعاً: الجهوزية التامة لتدارك الفرص والأخطاء: 96
- التوبة ودورها في تكفير الذنب: 97
- دعائم التوبة ثلاثة: 97
- خامساً: العبودية: 98
- سادساً: الهجرة: 98
2- الأولوية في قضية الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 98
3- الصلابة في التصدي للكفار والمنافقين: 99
المصادر 102
الفهـــــــــــــرس 103





