الميسّر في علوم القرآن


  الفصل الأول: أسماء القرآن

 

لقد توهم جماعة من المصنّفين (في علوم القرآن) عندما قالوا إن للقرآن خمساً وخمسين اسماً حيث انّهم خلطوا بين تلك الأسماء التي صرّح بها القرآن الكريم وبيّن أوصافه التي لا تخرج من كونه (عزيز، مجيد، هادي، حكيم، منذر، علي، كريم، عظيم) وغيرها من الصفات... فمن أولئك الذين خلطوا بين الأسماء والأوصاف الفقيه الشافعي أبو المعالي، عُزيزي بن عبد الملك صاحب (البرهان في مشكلات القرآن) والمتوفى سنة 494 هـ حيث جعل للقرآن خمساً وخمسين اسماً وهذا وهم منه، كما أن (الحرّالي) [1] بالغ في عدد الأسماء حتى جعلها نيّفاً وتسعين.

ثم توهّم الدكتور السيد داود العطار - رحمه الله - عندما أدرج "الكلام " ضمن أسماء القرآن. وحيث بينّا فيما تقدم أن القرآن هو تعريف أو تسمية لكلام الله العزيز، فكيف يؤخذ "الكلام" حدّ في التعريف والمعرّف؟ وهذا يعني توتف التعريف عن المعرّف رالمعرّف متوقف على التعريف ممّا يكون الدور...

وقد علمت أنّ تسمية الشيء يعني تعريفه وتشخيصه في الخارج. والحديث الذي نحن فيه هو كلام الله المنزل على نبيه ماذا يسمّى؟

وما استشهد به الدكتور العطار لا يصلح له دليلاً حيث قال: (وعن الحسين بن خالدة قال: قلت للرضا علي بن موسى عليهم السلام: يا ابن رسول الله: أخبرني عن القرآن أخالق أم مخلوق؟ فقال ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله عز وجلّ). التوحيد للصدوق ص 157.

من الواضح جدا في هذا الخبر. المروي عن الرضا، أن لفظة قرآن جاءت لتسمّي كلام الله سبحانه وليس العكس كما ذهب إليه المرحوم داود العطار فتدبّر. وهكذا بالنسبة إك الرقم (5 - الهدى) كما في الموجز حيث توهّم المرحوم العطار عندما جعلها اسمآ للقرآن. فإن هذه اللفظة هي من صفات الاسم أي من صفات اسم القرآن، فالقران لكونه هاديا اتصف بالهدى.

 

أمعن النظر في الآية الكريمة المباركة

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. أي إن القرآن هادياً للناس ودالاً لهم. وفي القرآن آيات بينات أي دلالات من الهدى. قيل المراد بالهدى الأولى الهدى من الضلالة والثانية ببيان الحلال والحرام وهذا عن ابن عباس. وقيل أراد بالهدى الأولى ما كلّف من العلم والهدى الثانية ما تشمل عليه الكلمة من ذكر الأنبياء وشرائعهم وأخبارهم، لأنها لا تدرك إلآ بالقرآن. وهذا مروي عن الأصم والقاضي كما في المجمع [2] وقال العلامة الطباطبائي [3] رحمه الله (من هنا يظهر وجه التقابل بين الهدى والبينات من الهدى، وهو تقابل بين العام والخاص (فالهدى) لبعض (والبينات من الهدى) لبعض آخر. لو تجاوزنا هذا يبقى أن نذكر أسماء كلام الله سبحانه المنزل على نبيه الاكرم فهي:

 

1- القران الكريم

وردت كلمة (قران) في 68 موضعاً من كتاب الله العزيز [4] الكريم صفة للقرآن وقد تقدم معنى القرآن لغة واصطلاحاً وأُريد به ما جمع بين الدفّتين من كلام الله عزّ وجلّ النازل على نبيه محمد  بالوحي بواسطة جبرائيل، ولعظمة القرآن فإن الجبال لتتصدع لو أُنزلها عليها وتخشع..  لو أنزلنا هذاالقرأن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله  [5].

 

2 - الفرقان

 جائت في القرآن الكريم في ست مواضع: البقرة آية 53 و185 وآل عمران آية 4 و الأنبياء آية 48 والفرقان آية 1.

   قال تعالى تبارك الذي نزّل الفرقان علىعبده ليكون للعالمين نذيراً  [6] وقال تعالى  وأنزلنا التوراة والإنجيلَ من قبلُ هدىً للناسِ وأنزَل الفُرقان [7]. والفرقان ما يفرق بين الحق والباطل. ويه لغةارامية الأصل تفيد معنى التفرقة. في الكافي عمن سأل الإمام عن القرأن والفرقان اهما شيئان أو شيء واحد؟ فقال الإمام:القران جملة الكتاب والفرقان الحكم الواجب العمل به.وفي تفسير العياشي الفرقان هو كل أمر محكم في القران [8].

 

 3 - الذكر

وردت في مواضع عديدة من القرآن الكريم قد تناهز على الخمسين، في الجملة بعضها تؤدي معنى القرآن. قال تعالى: وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه،الأنبياء/ 50) بمعنى الشرف. ومنه قوله تعالى: لقد أنزلنا إليكم كتابآ فيه ذكركم [9]، قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً يتلو عليكم آيات الله [10] بمعنى أن شرفكم في هذا الكتاب المنزّل، فبإتّباعكم تعاليمه تنالوا ذلك الشرف الذي تصبون إليه والرفعة، وهذا شان من يقول لك (نجاتك في الصدق) و(ربحك في الإخلاص). و(حياتك وسعادتك في الإسلام)! يعني تنال النجاة باتباعد الصدق في القول والعمل وتنال الربح باتباعك الإخلاص في العمل. وتنال الحياة السعيدة باتباعك دين الإسلام...

وهكذا باتباعكم للقرآن تنالون الشرف الرفيع. هكذا يستظهر من الآية الشريفة والله العالم.

  

4 - الكتاب

قال تعالى: ذلك الكتاب لا ريب فيه هدئ للمتقين [11]  ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، (فاطر / 32) 0 الكتاب ما يجمع بين دفّتيه الحروف والرسوم التي تؤدي إلى كلمات ذات معانٍ وعبارات وأسطر يتألف منها الكلام، وبما أن كلام الله سبحانه قد جمع ودوّن فسمّي ذلك المسطور بالكتاب. والكتاب في القرآن الكريم أُطلق على عدة أمور منها:

أ - أريد به ما أنزل على الأنبياء من كلام الله تعالى فهو لا يقتصر فقط على ما أنزل على الرسول محمد  بل يشمل من سبقه، قوله تعالى: يا يحيى خُذِ الكتابَ بقوةٍ [12].

وقوله تعالى: وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هُدىً لبني إسرائيل [13].

وقوله تعالى على لسان عيسى: قال إني عبد الله آتاني الكتاب [14].

ب - وقد يراد (من الكتاب) المكتوب على نحو المراسلات والمخاطبات كقوله تعالى عن قصة سليمان وبلقيس  إذْهَبْ بكتابي هذا فَألقِه إليهم ثَّم تَولَّ عَنهم فاتظُر ماذا يَرجُعون قالت يا أيُّها الملأُ إنّي ألقِيَ إليَّ كتابٌ كريمٌ [15].

ج - وقد يراد به صحيفة أعمال المرء.

قوله تعالى: مال هذا الكتاب لا يترك صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصيها [16]. وقوله تعالى: وكل إنسان ألزمناه طائرهُ في عنقه ونخرِجُ له بوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً [17] وهنالك معان أخرى للكتاب فراجع.

 

5-التنزيل

قوله تعالى: وَأنَّهُ  لتنزيلُ ربِّ العالمين [18].

وقوله تعالى: تنزيلٌ من الرحمن الرحيم [19].

وقوله تعالى: تنزيلَ العزيزِ الرحيم [20].

 


  الاهتمام بالقرآن والعمل به

 

ارتبط المسلمون ارتباطاً وثيقاً في صدر الإسلام بالقرآن الكريم واهتموا له غاية الاهتمام وأَوْلوه رعاية كبيرة واحتراماً متزايداً، حتى كانوا يتدارسونه فيما بنيهم، ويتعلمون قراءته، وأحكامه، وما فيه من موعظة، ومكارم وأخلاق، وسنن.

عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدّثنا من كان يقرئنا من الصحابة أنهم كانوا ياخذون من رسول الله عشرة آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل [21].

وفي أسرار الصلاة قال: إن رجلاً جاء إلى النبي ليعلمه القرآن فانتهى إلى قوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثفال ذرةٍ شراً يره [22]، فقال: يكفيني هذا وانصرف.

وعن عثمان وابن مسعود وأُبَي: إن رسول الله  كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشرٍ أخرى حتى يتعلّموا ما فيها من العمل فيعلّمم القرآن والعمل جميع [23].

مما سبق نفهمُ أن الرسول  كان يهتم بأمر قراءة القرآن ويوصي المسلمين بذلك وهؤلاء يتواصون فيما بينهم ويدأبون على قراءته ليل نهار.

ونفهم مما سبق أيضا حرص الرسول  في تعليم المسلمين آيات من القرآن الكريم لا تتجاوز العشرة حتى يقفوا على الأحكام النازلة، وما فيها من المواعظ والحكم ويعتبروا بمن سبقهم من الأمم فتنجلي أمامهم أخبار الماضيين، وقصصهم، وما سلف لأولئك من قبائح الأعمال أو حسنها، فتكون عبرة لهم ولغيرهم.

 


  التدبُّر في القرآن الكريم

 

إن معرفة الشيء دون العمل به لا معنى له ولا أثر، إذن العمل قرين للمعرفة، ولهذا جاء الخطاب في القران الكريم في التدبّر بمعانيه، قال تعالى: أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها [24]. فأي توبيخ للمسلمين بعد هذا؟ إن التدّبر في آيات الله يفتح للإنسان المتدبر أبواباً عديدة من المعرفة، والتدّبر فيه يأخذ بالأيدي إلى النجاة لأن القرآن كتاب هداية لمن تمسك به وآمن...

كتاب أُنزلَ ليدّبّروا آياته ويعوه قال تعالى:كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبّروا آياته [25].

وقوله تعالى: ذلك الكتاب لا ر!ب فيه هدىً للمتقين،  شهر رمشان الذي انزل فيه القرآن هدىً للناس [26].

وقال تعالى: هذا كتاب أنزلناه فاتبعوه [27].

وقال تعالى:  ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً [28].

وقال تعالى: كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إك النور [29]. في هذه الآيات وغيرها نستخلص وجوب العمل بالقرآن ووجوب التمسك به فالآية الأولى: أفلا يتدبرون القرآن تجد فيها التوبيخ على ترك التدبر بالقرآن، وهل يوجد توبيخ أعظم من توبيخ الله سبحانه لعباده... فافهم.

 

وفي الآية الثانية... ليدَّبروا آياته....

أمرٌ يدخله الوجوب وبالخصوص في العبادات والمعاملات كوجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج والخمس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوفاء بالعهد والنذر واليمين وإقامة الحدود...

 

وفي الآية الثالثة والرابعة ... هدىً  للناس... و  هدىً للمتّقين.

فمن كانت هدايته به ووسيلته للنجاة فأي عاقل يأبى إتباعه ويرفض منهجه وأوامره، ناهيك لو كان ذلك العاقل مؤمناً إذ يعمل بأوامره وينتهي بنواهيه.

 

وفي الآية الخامسة ... فاتبعوه صريحة في وجوب اتباع ما يأمر به المولى ووجوب الأخذ بنواهيه لأن صيغة الأمر - كما يفهمها العرف - تدل على الوجوب.

 

أما الآية السابعة  ليخرج الناس من الظلمات...  فيستدل بها في تعليل نزول القرآن الكريم لكي يخرج الناس من الضلال وظلمة الأهواء وفساد العقيدة.. إلى الهدى والنور لينقذهم من السقوط والتردي في عالم الرذيلة إلى عالم الفضيلة والخلاص...

ففي القرآن تبيان لكل شيء وفيه الهدى والموعظة والسبيل إلى الخلاص، هو المنقذ وعصمة المعتصمين والنور الذي يُنير الدرب للسالكين...

 

وقد نبّئنا الرسول عما يؤول إليه أمر المسلمين والفتن التي ستحوطهم حيث سيضل بها طائفة من المسلمين فيكون موردهم النار، وطائفة سوف تتمسك بحبل الله فيوردهم دار الخلد في الجنان والنعيم الذي لا يضمحل أبد [30]. روى محمد بن يعقوب بأسناده وكذا محمد بن مسعود في تفسيره بأسناده عن الإمام الصادق عن أبيه عن آبائه، قال رسول الله: "يا أيُّها الناس إنكم في دار هدنة وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد ويقرّبان كل بعيد ويأتيان بكل موعود فاعدّوا الجهاز، قال فقام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله وما دار الهدنة؟ فقال: دار إبلاغ وانقطاع فإذا التبست عليكم الفتن كالليل المظلم فعليكم بالقرآن فانّه شافع مُشفّع (مقبول الشفاعة) وما حلٌ [31] مصدّق ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل وليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم ظاهره أنيق وباطنه عميق، له تخوم وعلى تخومه تخوم لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة ودليل على المعرفة لمن عرف [32] الصفّة فليجل جال بصره وليبلغ الصفة نظره ينج من عطب ويتخلّص من نشب (إذا وقع فيما لا مخلص منه) فإن التفكير حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات إلى النور فعليكم بحسن التخلّص وقلّة التربص [33].

 

في الحديث الشريف نكات جليلة نقف عند بعضها للفائدة ورجاءً لاصلاح ما فسد عند الناس.

أولاً: ذكر الرسول  إن هذه الدنيا بمثابة عقد قصير ومكث يسير مشبّه ذلك العقد القصير بالهدنة وهي التي تعقد بين الطرفين المتخاصمين وسرعان ما ينحلّ أما إلى صلح أو حرب لأن الهدنة عبارة عن سكوت وهدوء في المخاصمة بين طرفين ما، وهكذا الدنيا فان الإنسان مسكوت عن ذنوبه ومعاصيه حتف ياتي أجله ويحين أوانه فينتقل إلى الرفيق الأعلى وهناك يجد ما قدّم، فيثاب على ما فعله من الخير ويحاسب على ما فعله من الشر.

 

ثانياً: تضمّن الحديث الشريف صورة حقيقية وواضحة عن معالم  الانسان المتنقل من حالة إلى أخرى عبر مراحل الامتحان والابتلاء وكان خيرُ وصفٍ له أنْ مثّله بالمسافر وإن راحلته سريعة به إلى غايته القصوى ومثواه الأبدي (وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع...).

علك أيها الإنسان تتعظ وتؤرب إلى ربك الكريم الغفور... وإلاّ ما أشد الغبن الذي سوف يلحقك وذلك عندما يتساوى يوماك...

 

ثالثاً: يُقرّب الرسول  للأذهان صورةً مجسدةً بكل أبعادها الحسيّة عن سنة من السنن الألهية إلا وهي سنّة الموت والفناء التي تُعدّ من الأسرار، وإن تعاقب الزمن بكل أجزائه على البشرية يعطي له مواعظ وعبر حتى يحل جيلى بعد انقراض جيل رهو يشاهد عن كثب، ويسمع عن أذن واعية ويقين بأن ما آلت إليه الأمم خير مصداق على وعد الله الذي قطعه على نفسه فهذه سّة الكون وسنّة الحياة إنها من السنن الألهية ولا منازع في ذلك فلينصر الله من نصره رليخذل من خذله وما توعدون لحق صائر ولا يضر الله من كفر حتّى ولو كان جميع البشر وإن تحسنوا فانما تحسنونَ لأنفسكهم. ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  (الزلزلة/ 7).

الرسول، قرّب صورة ذلكَ الفناء بعبارته... وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد ويقزبان كل بعيد وياتيان بكل موعود... إذن كل جديد هو قديم لا محالة، وكل بعيد هو قريب، وليس هناك شيء أبعد إلى ذهن الانسان من الموت، حيث أن طول الأمل ينسيه أجله، ومع ذلك إذا جاء أجلهم فلا يستاخرون ساعة ولا يستقدمونَ [34].

وقوله تعالى: إنّ ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين [35].

 

رابعاً:  بعد ما هيّأ الرسول أذهان المسلمين وإنهم إلى ربهم سينقلبون أمرهم بالزاد ليوم الرحيل وحثّهم على الخيرات ونبذ المعاصي وأمرهم بالتقوى حتى قال سبحانه فان خير الزاد التقوى وذلك قول الرسول  يؤكّد هذا المعنى فاعدّوا الجهاز لبعد المجاز.

 

خامساً: ثم نبّه النبيّ الأكرم أصحابه وحذّرهم من الوقوع في الفتن [36] بل أمرهم أن يتمسكوا بالقرآن الكريم لأنه شافع مشفع مما يؤكد شفاعة القرآن للمسلمين الخبر المروي عن الإمام الياقر  ومن الحق أن نذكره هنا:

 


  شفاعة القرآن

 

روى علي بن حميد عن علي بن العباس، عن الحسين بن عبد الرحمن، عن سفيان الحريري عن أبيه عن سعد الخفّاف عن أبي جعفر ، قال: يا سعد تعلّموا القرآن فإن القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق والناس صفوف، عشرون ومائة ألف صفّ، ثمانون ألف صفّ أمة محمد  وأربعون ألف من سائر الأمم،.فيأتي على صفّ المسلمين في صورة رجل فيسلّم فينظرون إليه ثم يقولون: لا إله إلآ الله الحليم الكريم إن هذا الرجل من المسلمين نعرفه بنعتهِ غير أنه كان أشد اجتهاداً منّا في القرآن فمن هناك أُعطِيَ من البهاء والجمال والنور ما لم نعطه، ثم يجاوز حتى يأتي على صف الشهداء فينظرون إليه الشهداء ثم يقولون لا إله إلآ الربّ الرحيم أن هذا الرجل من الشهداء نعرفه بسمته وصفته غير أنه من شهداء البحر فمن هناك أعطى من البهاء والفضل ما لم نعطه، قال فيجاوز حتى يأتي على صف شهداء البحر في صورة شهيد فينظر إليه شهداء البحر فيكثر تعجبهم ويقولون: إنَّ هذا من شهداء البحر نعرفه بسمته وصفته غير أن الجزيرة التي أصيب فيها كانت أعظم هولاً من الجزيرة التي أصبنا فيها، فمن هناك أُعطي البهاء والجمال والنور ما لم نعطه، ثم يجاوز حتى يأتي صف الثّبيّين والمرسلين في صورة نبي مرسل فينظر النبيّون والمرسلون إليه فيشتدّ لذلك تعجبهم ويقولون. لا إله إلا الله الحليم الكريم إنّ هذا النبي مرسل نعرفه بسمته وصفته غير أنه أُعطي فضلا كثيراً قال: فيجتمعون فيأتون رسول الله  فيسألونه ويقولون، يا محمد من هذا؟ فيقول أوما تعرفونه؟ فيقولون ما نعرفه، هذا ممّن لم يغضب الله عليه فيقول رسول الله : هذا حجة الله على خلقه فيسلّم عليه ثم يجاوز حتى يأتي على صف الملائكة في صورة ملك مقرب فتنظر إليه الملائكة فيشتد تعجبهم ويكبر ذلك عليهم لما رأوا من فضله ويقولون: تعالى ربنا وتقدَّس أن هذا العبد من الملائكة نعرفه بسمته وصفته غير أنه كان أقرب الملائكة إلى الله عزّ وجلّ مقاماً فمن هناك أُلبس من النور والجمال ما لم نلبس، ثم يجاوز حتئ ينتهي إلى رب العزة تبارك وتعالى فيخرّ تحت العرش فيناديه تبارك وتعالى يا حجّتي في الأرض وكلامي الصادق الناطق ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفّع.

 

فيرفع رأسه فيقول الله تبارك وتعالى: كيف رأيت عبادي؟ فيقول: يا رب منهم من صانني وحافظ عليّ، ولم يُضيّع شيئا، ومنهم من ضيّعني واستخفّ بحقي وكذّب بي وأنا حجّتك على جميع خلقك، فيقول الله تبارك وتعالى وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني لأثيبنّ عليك اليوم أحسن الثواب ولأعاقبنّ عليك اليوم أليم العقاب قال: فيرجع القرآن رأسه في صورة أخرى قال: فقلت له يا أبا جعفر في أي صورة يرجع؟ قال في صورة رجل شاحب متغّير يبصر أهل الجمع فيأتي الرجل من شيعتنا الذي كان يعرفه ويجادل به أهل الخلاف فيقوم بين يديه فيقول: ما تعرفني؟ فينظر إليه الرجل فيقول: ما أعرفك يا عبد الله قال: فيرجع في صورته التي كانت في الخلق الأول ويقول: ما تعرفني؟ فيقول: نعم. فيقول القرآن أنا الذي أسهرت ليلك وأنصبت عيشك سمعت الأذى ورُجمت بالقول فيَّ، الا وإنَّ كل تاجر قد استوفى تجارته وأنا وراءك اليوم، قال فينطلق به إلى رب العزّة تبارك وتعالى فيقول: يا رب يا رب عبدك وأنت أعلم به قد كان نصباً بيّ مواظباً عليّ يعادي بسببي ويحبّ فيّ ويبغض، فيقول الله عز وجل إدخلوا عبدي جنّتي وأكسوه حلّةً من حلل الجنة وتوّجوه بتاج، فاذا فعل به ذلك عرض على القرآن فيقال له هل رضيت، بما صنع بوليّك؟ فيقول: يا رب إني استقل هذا له فزِده مزيد الخير كلّه... الخ [37].

 

نعود إلى الحديث المتقدّم في التدبُّر في القرآن والاهتمام به وقراءته وفضله عن الزهري قال: سمعت علي بن الحسين  يقول: آيات القرآن خزائن فكلّما فتحت خزينة ينبغي لك أن تنظر ما فيه [38].

أما فضل قراءة القرآن، فعن حريز عن أبي عبد الله ، قال: القرآن عهد الله إلى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده وأن يقرأ منه كل يوم خمسين آية [39].

وعن ابن القداح عن أبي عبد الله قال: قال أمير المؤمنين: (البيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله عزّ وجلّ فيه تكثر بركته وتحضره الملائكة وتهجره الشياطين يضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض وأنَّ البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر فيه الله عزّ وجلّ فيه تقل بركته وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين [40].

 


  القرآن والناس فيه ثلاث أصناف

 

لا شكَّ أن الأهداف والمصالح متعددة طالما تطلّعات الأفراد مختلفة ومشاربهم متعدّدة فبعضٌ. يلهو بآيات الله البيّنات ويتخذها لوناً من التسلية وضرباً من اللهو كما لو قرأ أو سمع القرآن بصوتٍ جميل حتى تطرب جوارحه...

وفريق يسثدرّ به معاشه ويتخذه مكسباً أو مغنماً، وفريق ثالث يطلب به العفو والمنفرة والدرجة الرفيعة ورضا الله سبحانه، فيقدّره حق قدره ويهتم بشأنه ويتعاهده حتى يكون له شفيعاً في الآخرة.

 

عن الإمام الباقر  قال: قرّاء القرآن ثلاثة:

رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة واستدرّ به الملوك واستطال به على الناس.

ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيّع حدود وأقامه إقامة القدح فلا كثر الله هؤلاء من حملة القرآن.

ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به ليله وأظمأ به نهاره وقام به في مساجده وتجافى به عن فراشه فبأولتك يدفع الله العزيز الجبار البلاء، وباولئك يديل [41] الله عزّ وجلّ الأعداء، وباولئك ينزل الله عزّ وجلّ الغيث من السماء، فوالله لهؤلاء في قرّاء القرآن أعزّ من الكبريت الأحمر [42].

 

 

[1] - هو علي بن أحمد بن الحسن التجيف الحرالي المتوفف سنة 647 هـ.

[2] - مجمع 1/ 276)

[3] - الميزان ج 2 ص 23.

[4] - كلمة (قرآن ) يراد بها جملة من الايات كقوله تعالى:  وننزل في القرأن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين  الإسراء / 82 وقوله ثعالى:وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون، الأعراف / 204 وقد يراد من كلمة (قرآن) الكتاب بمجموعه.

[5] - سورة الحشر، الاية: 021  

[6] - سورة الفرقان، الاية: 01 

[7] - سورة ال عمران، الاية: 04   

[8] - تفسير العياشي 1/ 80.

[9] - سورة الأنبياء، الاية: 10.

[10] - سورة الطلاق، الاية: 10.

[11] - سورة البقرة، الآية: 2.

[12] - سورة مريم، الآية: 12.

[13] - سورة الاسراء، الآية: 2.

[14] - سورة مريم، الآية: 3.

[15] - سورة النمل, الآية: 28 – 29.

[16] - سورة الكهف, الآية: 49 (ووُضع الكتابُ فترى المجرمين مشفقينَ مّا فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب …)

[17] - الإسراء, الآية 13 و14.

[18] - سورة الشعراء, الآية: 192.

[19] - سورة فصلت, الآية: 2.

[20] - سورة يس, الآية: 5.

[21] - البحار 92/ 106.

[22] - سورة الزلزلة آية 7, 80.

[23] - تفسير القرطبي 1/ 39.

[24] - سورة محمد ، الآية: 24.

[25] - سورة ص، الآية: 29.

[26] - سورة البقرة، ا لآية: 2 وه 18.

[27] - سورة الأنعام، الآية:155.

[28] - سورة النحل، الآية: 89.

[29] - سورة إبراهيم، الآية: 1.

[30] - لا يخفى على المؤمن اللبيب من أنّ المسلمين قد اختلفوا فيما بينهم في إمرة المسلمين والرسول  مسجّى لم يغسّل ولم يجهّز حتى غيّررا أحكام الله. وأقصَوا الإمام علي  عن إمرة المسلمين وبهذا فقد بدّلوا كلمات الله وحرَفوها عن مواضعها مما قد أوردهم الباري نار لظى نزّاعة للشوى ومع ذلك فيعتقد البعض بعدالة كل الصحابة والله سبحانه يعرّف في كتاب المنافقين منهم والمفترين على الله وعلى رسوله الكذب وقد علم الله المارقين منهم والناكثين والقاسطين، حيث انقلبوا على أعتابهم وسوّلت لهم أنفسهم فباعوا آخرتهم بالدنيا الدنيئة فساءت لهم الدار مستقراً وبالآخرة لهم الخزي والعار. ففي صحيح البخاري يذكر: أن أناساً من أصحابه  يؤخذ بهم ذات الشمال فيقول الرسول: أصحابي أصحابي فيقال: انهم لم يزالوا مرتّدين على أعقابهم منذ فارقتهم، وفي مكان آخر في صحاحهم: ليرفعن رجال فنكم ثم ليختلجنّ دوني فأقول يا ربّي أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وفي مناسبة أخرى ثالثة في صحاحهم: أقول أصحابي فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك / صحيح البخاري ه / 5113 ,429, وفي صحاحهم أيضاً: بيثا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلمَّ فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت وما شأنهم قال: إنهم إرتدّوا على أدبارهم القهقري ثم إذا زمرةّ حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم قلت: أين؟ قال إلى النار والله، قلت وما شانهم؟ قال. إنهم ارتدوا بعدك أدبارهم القهقرى - فلا أراه - يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم.

  في شرح صحيح البخاري للعلامة القسطلاني 9/ 325 قال: هَمَل بفَتح الهاء والميم ضوال الإبل وأحدها: هامل أو الإبل بلا راعٍ ولا يقال ذلك في الغنم يعني أن النّاجي منهّم قليل في قلّة النعم الضالة، وهذا يشعر بانهم صنفان كافرٌ وعصاة..

[31] - ما حل= محل به إذا سعى به إلى السلطان

[32] - تفسير العياش 1/3 وتفسير البرهان 1/7 وتفسير الصافي ا/9.

[33] - ا لكافي 2/ 599.

[34] - سورة يونس، الاية: 49.

[35] - سورة الأنعام، الاية:134.

[36] -  روئ الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني من أصحاب أمير المؤمنين قال: دخلت المسجد فاذا أناس يخوضرن في أحاديث فدخلت على عليً فقلت (ألا ترى أناس يخوضون في الأحاديث في المجسد؟ فقال  قد فعلوها؟ قلت نعم. قال أما إني سمعت رسول الله  "يقول ستكون فتن: قلت وما المخرج منها؟ قال كتاب الله. فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل. هو الذى من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى  في غيره أضلّه الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد. ولا تنقضي عجائبه وهو الذى لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآناً عجباً (1). هو الذى من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هُديَ إلى صراط مستقيم (2) خذها إليك يا أعور. انظر الحديث في باب فضائل القرآن من البحار جـ 92.

وكذا رواه الترمزي في صحيحه، والدارمي في سنه. نستفيد من هذا الحديث عدة أمور منها:

1-     أخبار النشأة الأخرآ من عالمي البزخ والحساب والجزاء على الأعمال، وربّما أشار إلى المغيّبات والتي ستقع في الأجيال المقبلة - كغلبة الروم - أو أن الأحداث التي كانت في الامم السابقة تجري بعينها في هذه الأمة.

2-      لعل فيه ضماناً يحفظ القرآن عن التلاعب من قبل الجبارين أو تحريفه.

3-      المسلمون لو رجعوا إلى القرآن في خصوماتهم لأوضح لهم السبيل ولوجدوا الحكم العدل والفاصل السوى.

 

1- في تفسير العياشي زيادة "يهوي الى الرشد1/3.

2- في تفسير العياشي زيادة "هو الكتاب العزيز الذي لا يأتبه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

3- راجع البيان في تفسير القرآن للسيد الأمام الخوئي (قس سره).

[37] - الكافي ج 2/ 598 الحديث الأول من كتاب فضل القرآن وفي الباب أحاديث كثيرة تتحد مضموناً فراجع.

[38] - الكافي 2/ 609.

[39] - الكافي 2 / 609.

[40] - الكافي 2/ 601.

[41] - ادال الله بين فلان من عدوّهم أي جعل الكلمّة لهم عليهم.

[42] - الكافي 2/ 627.