الميسّر في علوم القرآن


  معاوية وكتابة الوحي

 

لقد أجمع أهل السيرة والتراجم أن معاوية أسلم بعد فتح مكّة وقبل وفاة النبي بستة أشهر- تقريبا - فمن كان قريب عهد بالكفر هل يصحّ - عند القائل - أنه أحد كتاب الوحي؟

وأين كان الصحابة الأجلاّء الأبرار الذين دخلوا الإسلام الذين يعدّون بالآلاف؟

ومَنْ كان يكتب الوحي منذ بدء الإسلام والى زمان إسلام معاوية؟ قال صاحب الطرايف:... فكيف تقبل العقول أن يوثق في كتابة الوحي بمعاوية مع قرب عهده بالكفر وقصوره في الإسلام حيث دخل فيه؟!

بل المعروف أن معاوية كان كاتباً للصدقات ولبعض الموارد التي كلّف بها من قبل الرسول كأنْ يكتب إلى القبائل أو ما تستجد من حاجة عند الرسول قال ابن أبي الحديد:... واختلف في كتابته كيف كانت، فالذي عليه المحققون من أهل السيرة أن الوحي كان يكتبه علي وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم. وأن حنظلة بن ألربيع ومعاوية بن أبي سفيان كانا يكتبان له إلى الملوك وإلى رؤساء القبائل ويكتبان حوائجه بين يديه ويكتبان ما يجيء من أموال الصدقات ما يقسم له من أربابها. وقال غير05 أنّه كان يكتب بعض المكاتب إلى الناس فقط وممّا ينقل في المقام أن الرسول أرسل عليه - ليكتب كتاباً -فجاءه ابن عباس فوجده يأكل فرجع وأخبر النبي فقال لا أشبع الله بطنه [1].

أقول: إني لا عجب ممّن يتحرّى الدقة ويلهج بالعلم والمعرفة ويهتم بالمادة العلمية ليهيء من مطالعاته رسالة كي تصلح أن تكون موضوعاً لأطروحة الدكتوراه ثم ياتي بما يضحك الثكلى.

أنك تجد في كتاب (مدخل إلى القرآن الكريم عرض تاريخي وتحليل مقارن) كتبه الدكتور محمد عبد الله دراز إلى جامعة السوربون لنيل شهادة الدكتوراه سنة 1947. تجد فيه كلامه عن كتّاب الوحي فيقول: ويذكر العلماء الثقاة أن عدد كتّاب الوحي بلغ تسعة وعشرين كاتباً، أشهرهم الخلفاء الخمسة الأوائل (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية) و... ولكن معاوية وزيد بن ثابت كانا- أكثر ارتباطاً بهذا العمل [2]...

وقد عرفت قبل قليل أن إسلام معاوية جاء متاخرأ، ومع فرض أنه كان كاتباً للنبي، فانما كان يكتب له بعض الحاجيات وأمور ترتبط بالصدقات...

روى الحافظ أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني ت 316 هـ بإسناده عن خارجة بن زيد قال: دخل نفر على زيد بن ثابت فقالوا حدّثنا بعض حديث رسول الله فقال ماذا أحدّثكم كنت جار رسول الله فكان إذا نزل الوحي أرسل إلّي فكتبت الوحي وكان إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا وإذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا باذا ذكرنا 000[1].

قال الزنجاني: وكان للنبي كتّاب يكتبون الوحي بالخط المقرر وهو النسخي وهم ثلاثة وأربعون. أشهرهم: الخلفاء الأربعة، وأبو سفيان وابناه معاوية ويزيد وسعيد بن العاص وإبناه أبان وخالد، وزيد بن ثابت، والزبير بن العوّام وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعامر بن فهيّرة، وعبد الله ابن الأرقم، وعبد الله بن رواحة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. وأبي بن كعب، وثابت بن قيس، وحنظلة بن الربيع وشرحبيل بن حسنة. والعلاء بن الحضرمي، وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومعيقب ابن أبي فاطمة الدوسي وحذيفة بن اليمان، وحويطب بن عبد العزي العامري. ثم قال: وكان ألزمهم للنبي وأكثرهم كتابة له زيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب [2]. وجهيم بن الصلت بن مخرمة [3].

أقول: لمّا بعث النبي بالرسالة لم يكلّف بالإنذار العام، ولم يكن الأمر مبثوثاً بين الناس [4] بل إنّما كانت دعوته في أوّل البعثة سريّة. ابتدأت باهل بيته فآمنت أوّلاً خديجة من النساء ومن الرجال علي بن أبي طالب وهكذا تبعه جعفر وكان الامام علي قد نشأ وترعرع في بيت الرسول وقد تعلّم القراءة والكتابة منذ طفولته، كما أن النبي أخذ يرعاه رعاية خاصة كما كان أبو طالب يرعى محمداً رعاية لا مثيل لها وهي فوق الرعاية الأبويّة، ثم الإمام علي لازم الرسول طيلة حياته، فمن البديهي أن يباشر علي بن أبي طالب كتابة الوحي للرسول منذ اليوم الأول وحتى أيامه الأخيرة. نعم عند مغيب الإمام علي قد يكلّف أحد هؤلاء الذين ذكرناهم وهي حالات نادرة وفي مواطن معينة. أضف إلى ذلك أن اهتمام النبي بكتابة الوحي جعله يعتمد على الإمام علي ابن أبي طالب لامتيازات كانت في علي لم تكن عند غيره من الصحابة منها:

1- صدق الإمام علي وإخلاصه للنبي والإسلام.

2 - أمانته في كل شيء وعلو إيمانه.

3 - قرابته للنبي فهو ابن عمه وأخوه ومن ثم صهره على ابنته فاطمة.

4 - قربه من النبي في حضره وسفره.

5 - الاطمئنان النفسي - عند النبي - لما يحسنه الإمام علي في كتابته للوحي شكلاً ومضموناً.

6 - ملازمة علي للنبي أكتسبته المعرفة والتجربة، كما أن النبي اهتم بتعليم ابن عمه وأخيه فكان يخبره بكل ما ينزل عليه من وحي لهذا كان علي بن أبي طالب أجدر من غيره في ترتيب الآيات والسور وضمِّ بعضها إلى بعض حينما يكتب الوحي وقد تواترت الأخبار عنه - وعن الأئمة المعصومين - أنه قال علّمني رسول الله من العلم ألف باب يفتح لي من كل باب ألف باب.

وهناك خصوصيات أخرئ ربما كان من بينها توصية من جبرانيل في الاعتماد على علي بن أبي طالب في الكتابة. وكيف لا نقبل تلك الخصوصيات والامتيازات التي ذكرناها، وقد لاحظنا بعض كتّاب الوحي يحرّفون ما يهمليه عليهم الرسول. فهذا عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد استهواه الشيطان وبان كفره لمّا كان يكتب الوحي خلاف ما يملي عليه الرسول وقد تقذم ذكره [1]. فكيف يطمئن رسول الله إلى أمثال هؤلاء.

وشبيه حادثة ابن أبي سرح ما ذكره السجستاني بإسناده عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن رجلاً كان يكتب لرسول الله فكان إذا أملي عليه (سميعاً بصيراً) كتب (سميعاً عليماً) وإذا أملي عليه (سميعاً عليماً) كتب (سميعاً بصيراً) وكان قد قرأ البقرة وآل عمران. وكان من قرأهما قرأ قرآناً كثيراً فتنصّر الرجل وقال إنّما كنت أكتب ما شئت عند محمد قال فمات فدفن فلفظته الأرض ثم دفن فلفظته الأرض فقال أنس قال أبو طلحة فانا رأيته منبوذاً على وجه الأرض. (كتاب المصاحف ) ص 3.

أقول: وهناك مواقف لمعاوية في التحريف شبيه ما تقدّم. والجدير بالذكر أن الدكتور عبد الصبور شاهين حاول أن يبرٌيء عبد الله بن سعد بن أبي سرح من هذا الخزي والعار الذي سجّله التاريخ فحاول الدفاع عنه، دون جدوى حيث قال - مؤيداً لأبي حيّان [1]... فإن هذا الموقف لم يكن إلاّ من ابن أبي سرح.. على ان ابن أبي سرح أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه ولم يظهر عليه شيء ينكر عليه، ولو كان يرى أحدث في تسجيل القرآن حدثاً ما زال باقياً فمن المؤكّد أنه كان سيبادر إلى تصحيحه، لكن حيث لم يرو لنا شيء من هذا، فيبدو أن ذلك حدث منه مرّة واحدة أو مرّات قليلة، لم يحتمل بعدها فؤاده وقع الخيانة فاعلن ردته وحينئذٍ تدارك كَتَبَة الوحي الآخرون ما غيره.. [2].

لا أدري كيف استساغ الدكتور شاهين الدفاع عن ابن أبي سرح ولماذا حاول تخطئة الدكتور مصطفى مندور المستشرق بلاشير Blam t. وقد ثبت كفر ابن أبي سرح لهذا أمر النبي بقتله حتى ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، لكن شاء القدر أن ينجو بمسعى من أخيه عثمان بن عفان.

فمن صور دفاع الدكتور شاهين أنه يستسهل التحريف ويستصغر أثره ويهوّن خطبه لأنه - بادعائه - لم يحصل التحريف من ابن أبي سرح سوى مرة أو مرات قلائل، قال في ردّه على مندور:

أن تعبيره يدل علئ أن الرجل - ابن أبي سرح - كان يمارس العملية - التحريف - لمدة طويلة، على حين أن ابن أبي سرح كما فهمنا من رواية أبي حيان لخبره لم يفعل ذلك سوى مرة أو مرات قليلة جداً، كما ذكر البلاذري، والأمر على أية حال مقتصر على لفظة بعينها، كما هو مض الحديث، وقد كان تصرّف الرجل إن صح الحديث غير مفسدٍ للمعنى. [1].

إن هذا الدفاع لهو الحب الأعمى لعثمان لا لإبن أبي سرح ومن خلاله نستظهر أن الدكتور شاهين أراد في نفس الوقت الدفاع عن عثمان وتبرئة مواقفه الّلاشرعية تجاه أخيه عبد الله بن أبي سرح لأن عثمان قد ولاّه في خلافته، وأسْدى إليه يد النعمة والمعروف [2] فكيف لا يحترم ولا يقدر وهو صنيع عثمان وواهب له الحياة المرفّلة؟! لهذا ولجملة من الأسباب، كان جبرائيل في كل عام يُعرض عليه القرآن من قبل النبي أي يقرأ عليه لمقابلته.

قال البخاري.. وكان جبرائيل يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي القرآن (صحيح البخاري (1/ 387).

روى أبو عبيدة في فضائله وابن جرير وابن المنذر وآخرون عن ابن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين أتبعوهم بإحسان سورة التوبة اية 100 برفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين، فقال زيد بن ثابت: والذين أتبعوهم بإحسان فقال أمير المؤمنين: اعلم، فقال أيتوني بابي بن كعب، فسأله عن ذلك، فقال أبي: والذين أتبعوهم، فجعل كل واحد يشير إلى أنف صاحبه باصبعه، فقال أُبي: والله اقرأنيها رسول الله وأنت تبيع الحنطة. فقال عمر: نعم، إذاً فتابع أبياً.

وممّا ذكره البخاري أن النبي قال لأُبي بن كعب: "إنّ الله أمرني أقرأ عليك القرآن"، قال: الله سمّاني؟ قال: نعم، وقد ذكرت عند رب العالمين، قال فذرفت عيناه وقد اشتهر بين القوم - بعدة طرق - قوله أبيّ أقرأكم. (تاريخ القرآن الزنجاني ص 14 ) بعد هذه الجولة السريعة في شأن كتّاب الوحي يبقى أمر مهم، نشير إليه، من خلال السؤال الذي نطرحه فنقول: هل كان النبي محمد صاحب الرسالة وخاتم الأنبياء، أميّاً بالمعنى الذي ذهب إليه أغلب علماء الجمهور، أي جاهلاً لا يقرأ ولا يكتب؟ أم ماذا؟ يمكن تصوير الجواب بما يلي:

1 - لم يقرأ ولم يكتب وأنه يجهل هذا اللون من المعرفة وجهله بذلك كان قبل البعثة واستمر حتى وفاته.

2 - كان يجهل القراءة والكتابة قبل البعثة وإلى ما بعد البعثة بقليل، ثم تعلّمها.

3 - تعلّمها في أواخر حياته أي قبيل وفاته .

4 - كان يعلمها:

 أ - كان يعرفها ويعلمها منذ سنينه الأولى من عمره الشريف.

ب -كان يعرفها من باب (خرقاً للعادة).

ولتقرير أحد هذه الاحتمالات - حتئ يكون جواباً قطعياً - لا بدّ من معرفة جملة من الأمور منها:

1- ماذا تعني كلمة أمي في اللغة.

2- معرفة سياق الايات التي جاءت بها كلمة أميّ والأميين.

3- هل هناك تنافي بين معرفة النبي للقراءة والكتابة وبين كونه رسولاً من قبل الله سبحانه؟ وإذا كان هناك تنافي فما هو وجهه؟

4- التعرُّف على روايات الطرفين لتكون حاكمة على الموضوع ومنها نستخلص الجواب النهائي.

قال ابن منظور: الأمي الذي لا يكتب. وقال أبو إسحاق معنى الأُمّي المنسوب إلى ما عليه جَبَلَتْهُ أمّه أي لا يكتب.. لأن الكتابة هي مكتسبة فكانه نسب إلى ما يولد عليه أي على ما ولدته أمه عليه وفي الحديث: بُعثت إلى أمّةٍ أميّةٍ، قيل هم العرب الأميّون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة، ومنه قوله تعالى هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم سورة الجمعة اية 2 قيل له أميّ لأنه على ما ولدته أمّه عليه من قلّة الكلام وعجمة اللسان.

وقيل لسيدنا محمد رسول الله الأميّ لأن أمّة العرب لم تكتب ولا تقرأ والمكتوب وبعثه الله رسولاً وهو لا يكتب ولا يقرأ من كتاب وكانت هذه الخلة إحدى آياته المعجزة [1]. هذا ما أردنا ذكره لمعرفة الكلمة - أمي - أما سياق الآيات فمنها. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي.. (الأعراف 157 - 58ا) (هو الذي بعث في الأميين رسولاً... الجمعة31). وممّا يستشهد ني كون النبي أميّاً ما ذكره أرباب التاريخ عند تعرُّضهم لغزوة أُحُد، فقد ذكروا أن العباس - وهو بمكة - كتب إلى النبي كتاباً يخبره فيه بتجمع قريش وخروجهم، وأن العباس أرسل هذا. الكتاب مع رجل من قبيلة غفار، وأن النبي لما جاءه الغفاري بكتاب العباس بن عبد المطلب استدعى أبي ابن كعب - وكان كاتبه - ودفع إليه الكتاب فقرأه عليه، وحين انتهى من قراءة الكتاب استكتمه النبي.

ويضيفوا إلى ما تقدّم: خبر وفد ثقيف، فقد سألوا النبي حين أسلموا أن يكتب لهم كتاباً فيه جملة من الشروط. فقال لهم: اكتبوا ما بدا لكم ثم ائتوني به. وقد توجهوا إلى علي بن أبي طالب ليكتب لهم، وقد استجاب - كما يبدو - فسالوه في كتابهم أن يحل لهم الرّبا والزنا، عند ذاك أبى أن يكتب لهم. فسألوا خالد بن سعيد بن العاص أن يكتب لهم. فقال له علي تدري ما تكتب؟ قال: اكتب ما قالوا ورسول الله أولى بامره فذهبوا بالكتاب إلى رسول الله فقال للقارئ اقرأ. فلمّا انتهى إلى الربا قال الرسول: ضع يدي عليها فوضع يده، فقال: يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله وذروا ما بقي من الربا ثم محاها.

فلمّا بلغ الزنا وضع يده عليها وقال: ولا تقربوا الزنا سورة الأسراء آية 32 ثم محاها وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا. أسد الغابة ترجمة تميم بن خراشة.

عوداً على بدء في معرفة سياق الايتين نشير إلى ما قاله العلامة الطبرسي، قال في المجمع: الأميّ الذي لا يحسن الكتابة وإنما سمي أميّاً لأحد وجوه:

أحدها: أنه الأمة الخلقة فسمي أميّاً لأنه باقٍ على خلقته.

وثانياً: أنه ماخوذ من الأُمّة التي هي الجماعة أي هو على أصل ما عليه الأمة في أنه لا يكتب لأنه يستفيد الكتابة بعد أن لم يكن يكتب.

ثالثاً: أنه مأخوذ من الأمّ أي هو على ما ولدته أمه في أنه لا يكتب.(مجمع ا /388 ط 1986).

رابعاً: أنه منسوب إلن أم القرى وهي مكة وهو المروي عن الباقر

وخامساً: أنه الذي لا يقرأ ولا يكتب. (مجمع 4/ 487 ط 1379).

وقال الفخر الرازي في تفسيره الاية 3 من سورة الجمعة وكان هو أميّاً أيضاً مثل الأمة التي بعث فيهم وكانت البشارة به في الكتب قد تقدّمت بأنه النبي الأميّ، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهُّم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة فكانت حاله مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم، وذلك أقرب إلى صدقه. (التفسير الكبير 30/ 4 ط دار الكتب العلمية، بيروت).

كونه أميّاً قال الزجاج: معنى الأميّ الذي هو على صفة أمة العرب. قال عليه الصلاة والسّلام إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب [1]. فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرأون والنبي كان كذلك، فلهذا السبب وصفه بكونه أميّاً. قال أهل التحقيق وكونه أميّاً بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه:

 

الأول: أنه عليه الصلاة والسّلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها [2]، فانه لا بدّ أن يزيد فيها أو ينقص عنها بالقليل - والكثير، ثم أنه عليه الصلاة والسّلام مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ، كان يتلوا كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير، فكان ذلك من المعجزات وإليه الإشارة بقوله تعالى سنقرئك فلا تنسى (الأعلى/ 6).

 

والثاني: أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصارمتّهما في أنه ربّما طالع كتب الأولين فحصّل هذه العلوم من تلك المطالعة فلمّا أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلُّم ولا مطالعة، كان ذلك من المعجزات وهذا هو المراد من قوله وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون (العنكبوت / 48).

 

الثالث: إنّ تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاءً وفطنة يتعلّم، الخط بأدنى سعي، فعدم تعلُّمه يدل على نقصان عظيم في الفهم، ثم أنه تعالى آتاه علوم الأوّلين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلُّمه على أقل الخلق عقلاً وفهماً فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادّتين جارياً مجرى الجمع بين الضدّين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجارٍ مجرى المعجزات [1].

 

أمّا النقطة الثالثة: هل هناك تنافي بين القراءة والنبوّة؟.

أقول: باللحاظ العقلي لا تنافي بينهما وهكذا لم يرد في النقل لأن معرفة النبي للقراءة والكتابة ليست فيها أي محظور على أصل الرسالة والنبوّة. وإذا أدعي أن عدم معرفته بالقراءة تشكّل معجزة لصدق ما جاء به من السماء. قلنا أن صدق الرسالة غير متوقّف على الكتابة وعدمها، كما أن المعاجز التي برزت للنبي كثيرة جداً لا تحصى، فهل أتِّباع الناس وتصديقهم به وبنبوّته متوقف على هذه المعجزة دون غيرها؟ إنه من الغريب جداً إذا قلنا أن المجتمع كان ينظر إلى هذه الخصّيصة دون غيرها من الخصائص التي كان يتمتع بها الرسول. ثم الذين ارتابوا وأرجفوا سوف لا يذعنوا لهذه ولغيرها من المعاجز والكرامات التي صدرت على يد النبي فما قيمة الكتابة أو عدمها عند هؤلاء الأجلاف من العرب الذين هم أضلّ من الأنعام !

روى العياشي عن علي بن أسباط قال: قلت لأبي جعفر الإمام الباقر لِمَ سمّي النبي الأمّي؟ قال نسب إلى مكة وذلك من قول الله لتنذر أمّ القرى ومن حولها وأمّ القرى مكة فقيل أميّ لذلك. (البرهان 2/ 40 الصافي 1/ 40 الصافي 1/ 616، تفسير العياشي 2/ 31).

وفي العلل عن الإمام الجواد أنه سئل عن ذلك فقال ما يقول الناس، قيل يزعمون أنه إنما سمّي الأمّي لأنّه لم يحسن أن يكتب فقال: كذبوا عليهم لعنة الله أنّى ذلك والله يقول هو الذي بعث في الأمّيين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة... فكيف كان يعلّمهم ما لا يحسن؟! والله لقد كان رسول الله يقرأ ويكتب باثنين وسبعين أو قال بثلاث وسبعين لساناً وإنّما يسمّى الأميّ لأنه كان من أهل مكة ومكة من أمهات القرى وذلك قول عزّ وجلّ لتننذر أمّ القرى ومن حولها [1].

اتّضح من خلال الروايات المذكورة عن طريق أهل البيت أن النبي كان يحسن القراءة والكتابة وإنّما سمّي بالأمّي نسبة إلى مكة وهي أمّ القرى رربّما هناك أدلّةً أخرى يمكن الإستئناس بها هي:

 

أولاً: أن النبي كان يقرأ ويكتب قبل أن يبعث قوله تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك سورة العنكبوت آية 48. فقد أشار سبحانه وتعالى بما مؤدّاه إنك - يا محمد - ما كنت قبل البعثة تقرأ كتب اليهود والنصارى وغيرهم، ولا أنك كتبت هذا القرآن من عندك ولا نسخت كتب اليهود والنصارى حتى تعرف ما فيها.

ثانياً: في عام صلح الحديبية وهي السنة السادسة للهجرة لما أراد النبي أن يكتب المعاهدة بينه وبين سهيل مندوب المشركين في مكة، دعا النبي محمد كاتبه وبدأ يملي عليه البسملة إلاّ أن سهيلاً أوقف النبي معترضاً عليه بقوله: اكتب كما كنت تكتب من قبل: باسمك اللهم. ربّما كان سهيل يشير إلى بعض كتابات بيد محمد ، قبل رحيله من مكة، وربّما قبل مبعثه.

ثالثاً: الخبر المتواتر عنه - حال مرضه الذي مات فيه - أنه دعا بدواة وقرطاس ليكتب للمسلمين وصيّته كي لا يضلّوا من بعده أبداً. بيد أن الموجودين لم يمستجيبوا له وقد أسمعه عمر بن الخطاب مقولته إذ قال أن النبي ليهجر إلى آخر الحادثة. ففي طلب النبي خير دليل علئ أنه كان يحسن الكتابة. وإلى هذا ذهب الشعبي. (ما مات رسول الله حتى كتب) [1].

رابعاً: أسند النقاش حديث أبي كبشة السلولي أنه قرأ صحيفة لعيينة ابن حصين وأخبر بمعناها.

خامساً: في صحيح مسلم أشار في بعض عباراته أنه كتب مباشرةً وذهب إلى ذلك جماعة منهم أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي والقاضي أبو الوليد الباجي وآخرون. (تاريخ القرآن للدكتور شاهين ص 47).

خلاصة البحث أن الاحتمالات الثلاثة الأولى في كون النبي لم يعرف القراءة والكتابة مرجوحة لذا لا يمكن الأخذ بها، فيبقى الاحتمال الرابع وهو الجواب الراجح الذي نأخذ به لما ورد فيه من روايات تعزّزه بطرق معتبرة من أهل العصمة عليهم السلام.

ومما يؤكد أن النبي كان يعرف القراءة والكتابة لا على سبيل المعجز الخارق للعادة ما ذكره الطبرسي في المجمع نقلاً عن الشريف المرتض علم الهدى في معنى الآية وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون... العنكبوت / 480. فقال: هذه الآية تدل على أن النبي ما كان يحسن الكتابة قبل النبوّة فأمّا بعد النبوّة فالذي نعتقده في ذلك التجويز لكونه عالماً بالكتابة والقراءة والتجويز لكونه غير عالم بها في غير قطع على أحد الأمرين وظاهر الآية يقتضي أن النفي قد تعلّق بما قبل النبوّة دون ما بعدها ولأن التعليل في الآية يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوّة لأن المبطلين إنّما يرتابون في نبوّته لو كان يحسن الكتابة قبل النبوّة فأمّا بعد النبوّة فلا تعلّق له بالريبة والتهمة فيجوز أن يكون قد تعلّمها من جبرائيل بعد النبوّة. مجمع البيان 8/ 288. أقول: والروايات في ذلك كثيرة، ويمكن حمل بعضها على الفقرة (ألف): من الاحتمال الرابع، والبعض الآخر من الروايات يمكن حملها على الفقرة (ب) من نفس الاحتمال والله عالم بحقائق الأمور.

 


  انقطاع الوحي لفترة

 

بعد نزول الآيات الأولى من سورة العلق انقطع عن النبي نزول الوحي لمدّة ثلاث سنوات - لحكمةٍ ما، علمها عند الله - ثم أخذ القرآن ينزل تتابعاً منجّماً على النبي حسب الظروف والمناسبات واحتياج الأمة من أوامر وأحكام وسنن وأمثال وقص الأوّلين، وكان تنجيمه مثار اعتراض المشركين وسبحانه يحكي عن لسانهم }وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتّلناه ترتيلا{ الفرقان / 32.

ثم وقع الكلام هل نزل دفعةً واحدة قبل أن ينزل منجّماً أم لا؟ فقد قال بعضهم أنه نزل دفعةً واحده إلى السماء الرابعة، والى السماء الدنيا واستشهد هذا الفريق بجملة من الآيات قوله تعالى إنّا أنزلناه في ليلة القدر القدر/ ا. شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن البقرة/ 85 1 المجمع 3/ 276. وإنّا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ الدخان / 4 المجمع 9/ 61.

 

بل هناك آيات كثيرة تشير إلى نزول القرآن دفعةً واحدة حيث عبّر سبحانه عن القرآن بالكتاب.

وبالحق أنزلنا وبالحق نزل إسراء/ ه 10 و 107 جاء في المجمع أنزلناه سورة سورة أي فرّقناه بمعنى لم ينزل دفعةً واحدة 60/ 445.

ذلك بأن الله نزّل الكتاب بالحق البقرة/ 176.

نزل عليك الكتاب بالحق مصدّقاً لما بين يديه آل عمران / 3.

إن وليّ الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين أعراف / 196.

إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق النساء/ 105.
وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب مائدة/ 48.

إنّا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلاً الإنسان / 23.

قيل في معناها فصّلناه في الإنزال آيةً بعد آية ولم ننزله جملةً واحدة عن ابن عباس. مجمع. ا/ 413.

ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة النحل / 89.

وهكذا آياتٌ كثيرة تشعر بنزول القرآن دفعةً واحدة ثم لاستعمال اللفظ نزّل ونزّلناه وأنزل، وتنزيل. معانٍ مختلفة وإليك موجزاً لمعانيها:

أنزل وتنزّل ونزّل بمعنى، قال سيبويه وكان ابو عمرو يفرّق بين نزّلت وأنزلت ولم يذكر وجه الفرق قال أبو الحسن لا فرق عندي بين نزّلت وأنزلت إلاّ صيغة التكثير نزّلت.

- نزّل: نزولاً من علوّ إك أسفل بمعنى انحدر.

- نزّل الله كلامه على أنبيائه أوحى به إليهم - نزّلناه عن ابن منظور أنزل كنزّل.

تنزيل: أنزل الشيء تدريجاً.والكلمة توحي معنى التفريق عند الإنزال، شعراء/ 192, سجدة/ 2 يس 36، تنّزل: نزل بمهلة - النزول: الحلول. وهو في الأصل انحطاط من علو.

 

قال الزبيدي في تاج العروس: فرّق جماعة من أرباب التحقيق فقالوا التنزيل تدريجي والإنزال دفعي... ولمّا ورد استعمال التنزيل في الدفعي زعم أقوام أن التفرقة أكثرية وأن التنزيل يكون في الدفعي أيضاً. وفي البصائر تبعاً للراغب وغيره الفرق بين الإنزال والتنزيل في وصف القرآن والملائكة أن التنزيل يختص بالموضع الذي يشير إك إنزاله متفرّقاً منجّماً ومرّةً بعد أخرى والإنزال عام... وقوله تعالى: إنّا أنزلناه في ليلة القدر إنّما خصّ لفظ الإنزال دون التنزيل لما روى أن القرآن أنزل دفعةً واحدة إلى السماء الدنيا ثم نزل منجّماً بحسب المصالح. (تاج العروس مادّة نزل).

وفريق آخر قال أنه نزل مفرقاً مدّة استغرقت عشرون أو ثلاث وعشررن سنة واستدلّوا ببعض الآيات المتقدمة أو بالآية الشريفة وقرآناً فرّقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزّلناه تنزيلا الإسراع ولمّا دلّت الآيات والروايات المتواترة على أنه نزل منجّماً حسب المناسبات والظروف فقد صح على هذا أن بعض الآيات نزلت بدون ترتيب وقد أشار النبي إلى كتّاب الوحي أن يجعلوا هذه الاية في تلك السورة أو قبل الآيات الفلانية أو بعد تلك الآيات، وقد ثبت نزول آية واحدة أو آيات أو بعض آية أو سورة كاملة كالسور القصار وبعض آية كقوله تعالى:غير أولي الضرر نزلت وحدها وهي بعض آية لا يستوي المؤمنون وقوله تعالى: وإن خفتم عيلةً فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليمٌ حكيم فإنها نزلت بعد نزول أوّل الآية.

 


 

[1] انظر فمعل الخطاب 100 و101.

[2] المدخل الى القرآن الكريم ص 34 ط1، 1971 الكويت.

[1] كتاب المصاحف - السجستاني ص 3 ط ا/ 1936, م مصر.

[2] تاريخ القرآن - الزنجاني ص 20 وحياة اللغة العربية لحفني ناصف ص 62.

[3] كما ذكره البلاذري في الأنساب وأضاف ابن عساكر في تاريخ دمشق: محمد بن مسلمة رالأرقم بن أبي الأرقم.

[4] في تفسير العياشي عن محمد بن علي الحلبى عن أبي عبد الله قال: أكنتم رسول الله بمكة سنين ليس يظهر وعليّ معه وخديجة ثم أمره الله أن يصدع بما يؤمر فظهر رسول الله يعرض نفسه على قبانل العرب فإذا أتاهم قالوا: كذّاب، امضِ عنّا.

[1] تفسير المحيط - أبو حيان 4/ 180 ذكر القصة بصورة أخرى (راجع).

[1] أبو حيان أثير الدين مهمد بن يوسف الأندلسي الغرناطي 654 – 754.

2- تاريخ القرآن - عبد الصبور شاهين ص 54.

[1] تاريخ القرآن ص 55.

[2] انظر تفسير البحر المحيط 4/180 طبع مصر 1328.

[1] لسان العرب مادة أمم.

[1] لسان العرب مادة أمم.

[2] التفسير الكبير - الرازي 15/ 20.

[1] كتاب العلل - الصدوق.

[1] كتاب العلل - الصدوق.

[1] تاريخ القرآن / شاهين ص 53.