تفسير سورة الفرقان

 

 جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد

 - بيروت - لبنان

الطبعة الأولى، ذو الحجة 1434هـ // 2012م

فهرس الكتاب

الجزء الأول

الجزء الثاني

 تفسير الآيات

 الآية 40 63  الآية 58 78
 الآية 41 64

 الآية 59

80
 الآية 42 64

 الآية 60

82
 الآية 43 65  الآية 61

82

 الآية 44 67  الآية 62 83
 الآيتان 45 - 46 69  الآيتان 63 - 64 92
 الآية 47 70  الآيتان 65 - 66 95
 الآيتان 48 - 49 71  الآية 67 69
 الآية 50 72  الآية 68 98
 الآية 51 72  الآيتان 69 - 70 99
 الآية 52 73  الآية 71 102
 الآيتان 53 - 54 74  الآية 72 102
 الآية 55 75  الآيتان 73 - 74 104
 الآية 56 76  الآيتان 75 - 76 105
 الآية 57 76  الآية 77 110


 


 


الآية (40)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَلَقَدْ أَتَوْاْ عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ نُشُوراً (40)

 

المقصود من القرية التي امطرت مطر السوء قرية قوم لوط، والتي أمطرت بالحجارة، واسم تلك المنطقة كان «سدوم».

عن الإمام الباقر (ع): «وأمَّا القرية التي أمطرت مطر السوء فهي سدوم قرية قوم لوط أمطر الله عليهم حجارة من سجيل... أفلم يكونوا يرونها في (أثناء) مرورهم فيتعظون بما يرون فيها من آثار عذاب الله بل كانوا لا يرجون نشورا بل كانوا كفرة لا يتوقعون نشورا ولا عاقبة فلذلك لم ينظروا ولم يتعظوا فمروا بها كما مرت ركابهم» [53] .

 

1- الآثار الباقية يمكن أن تكون وسيلة لأخذ العبرة: ﴿ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَ ﴾. نعم، إنَّ نقل التاريخ وبيان قصص الأقوام الضَّالة الغابرة يعد أرضية جيدة للتبليغ والنهي عن المنكر.

وإنَّ من لا يتعلم من الماضي ولا يعتبر من الدهر فلن يتعلم ولن يعتبر من أي معلم [54] .

2- إنَّ التمرد والعصيان في مقابل أوامر المولى، والتكبر والغرور في مقابل الحق، والاستمرار على الكفر، كلُّ ذلك مانع من تلقي الحق وقبوله: ﴿ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ ﴾.

3- الذين في قلوبهم نور الأمل ويؤمنون بيوم القيامة، يعتبرون بالحوادث الماضية ويستفيدون من عبرها: ﴿ بَلْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾.


 


الآية (41)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (41)

 

1- المعاند والمغرور لا يقبل الحق: ﴿ إِلَّا هُزُوًا ﴾.

2- اتخاذ الأنبياء هزواً وتحقيرهم أسلوب الكفار على مرِّ التاريخ: ﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ ... أَهَذَا الَّذِي ﴾.

3- إنَّ الكفار بتشكيكهم بالأنبياء وإخضاعهم للمسألة، إنَّما يشككون بالرسالة ويجعلونها موضع التساؤل: ﴿ أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ ﴾.

 

 


الآية (42)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (42)

 

1- الإنسان أحياناً يفكر بصورة منحرفة وغير صحيحة بحيث يحسب الهداية ضلالاً: ﴿ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَاا ﴾.

2- من لا يقبل إلهاً قادراً، يقبل بالأصنام التي لا تقدر على شيء على أنَّها آلهة: ﴿ آلِهَتِنَا ﴾.

3- الصبر ليس قيماً في كلِّ الأحوال، كالصبر عند مواضع الضلال والانحراف: ﴿ صَبَرْنَا ﴾.

4- الإسلام يجذب الإنسان غير المعاند واللجوج، والمعاند يبقى محروماً: ﴿ لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَ ﴾.


 


الآية (43)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)

 

كل معبود غير الله تعالى يطلق عليه تعبير: (الهوى).

اتباع الهوى على ضوء القرآن والأحاديث:

أ- اتباع الهوى منبع الغفلة: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [55] .

ب- إتباع الهوى منبع الكفر: ﴿ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [56] .

ج- إتباع الهوى أسوأ انحراف: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللهِ [57] .

د- إتباع الهوى يمنع الحكم بالعدل: ﴿ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى [58] .

هـ - إتباع الهوى منبع الفساد: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ [59] .

و - اتباع الهوى منبع الحسرة والغم والمحن.

ز - متبع الهوى ليس له إيمان.

ح - متبع الهوى ليس لديه عقل.

ط - بداية الفتنة اتباع الهوى وإيجاد البدع، فالهوى مطية الفتنة.

ي - هوى الإنسان وهوسه يعميه ويصمه، ويسلب منه القدرة على تشخيص الحق من الباطل.

ق - أشجع الناس من غلب هواه.

ل - إنما سمي الهوى لأنَّه يهوي بصاحبه [60] .

وعن أمير المؤمنين (ع) أنَّه قال: «الهوى قرين مهلك» [61] .

 

1- أساس عبادة الأصنام اتباع الهوى: ﴿ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ـ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾.

2- البحث عن الخالق والإله موجود في فطرة كلِّ إنسان، لكن الإنسان يخطىء ويضل في مصداق الحق وإيجاده: ﴿ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾.

3- الأنبياء ليسوا مسؤولين عن هداية الذين يتبعون الهوى بالإكراه والإجبار: ﴿ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴾.

4- الإنسان يملك الاختيار: ﴿ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴾.

5- الإيمان والتربية يجب أن يكونا من دون إكراه ولا إجبار: ﴿ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴾.


 


الآية (44)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)

 

عندما ينتقد القرآن الكريم الكفار، فإنَّه يستخدم كلمة «أكثر»، لكي يخرج المجموعة المؤمنة من حساب هؤلاء.

سؤال: لماذا الإنسان المنحرف أضل من الأنعام وأسوأ منها!؟

الجواب:

1- الحيوان لا يستطيع أن يرتقي أكثر مما هو موجود، أمَّا الإنسان يستطيع ذلك، فإمكانيات الرشد والارتقاء ميسرة له بشكل كامل.

2- الحيوان لا يملك عقلاً يؤهله لمعرفة الحق من الباطل، أو ليميز الجيد من السيء، فالإنسان المنحرف لم يعمل عقله بشكل سليم، بل وضعه أسفل قدميه وعمل على أساس الهوى والهوس.

3- الحيوان يتبع غريزة ثابتة، غير أنَّ الإنسان المنحرف يتبع مئات الأهواء.

4- الإنسان المنحرف يضل نفسه ثمَّ يبرر انحرافه وضلاله.

5- الحيوان يصبح أليفاً مع من يعامله بلطف ويظهر له المحبَّة، لكن الإنسان المنحرف يظهر الكفر والعناد والكفران بالنعم في مقابل خالقه الرحمن الرحيم.

6- الحيوانات تعلم تسبيحها فتسبح خالقها: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ [62] أما الإنسان المنحرف فهو ليس من أهل الذكر والتسبيح بل يكون غافلاً عن الله تعالى.

7- الحيوان لا يستحق العذاب الإلهي، لكن الإنسان سوف يحاسب ويعاقب.

ابن آدم طينة عجنت من الملائكة ومن الحيوان، إن سار نحو الملائكة كان أفضل منها، وإن مال نحو الحيوان أصبح أسفل منه [63] .

 

1- يجب على الإنسان أن يستمع إلى ارشادات الرسول الباطني (العقل) والرسول الخارجي (النبي) وذلك في سبيل هدايته: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ﴾.

2- الكفر وعدم الاستماع إلى دعوة الأنبياء وعدم قبولها، يعد من انعدام العقل: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ﴾.

3- الإنسان هو خليفة الله على الأرض، فإذا أغمض عينيه عن الفطرة الالهية وأهملها يصبح أضل من الحيوان: ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾.


 


الآيتان (45) و (46)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (46)

 

1- أفضل طريق لمعرفة الله تعالى التفكر في ظواهر الوجود التي خلقت على أساس الحكمة الإلهية: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾.

2- إنَّ دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس ليس صدفة، بل يصدر هذا الفعل عن حكمة وتدبير: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ﴾.

3- الإنسان مغمور بالنعم والعطايا، لكنَّه لا ينظر إليها بعين العبرة: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ﴾.

4- إنَّ مدَّ الظل وجعله متحركاً ثمَّ قبضه إنَّما لأجل النمو والرشد: ﴿ رَبِّكَ ... مَدَّ الظِّلَّ ﴾، فلو كان الضوء مسلطاً بشكل مستقيم ومباشر أو كان الظل دائماً وثابتاً، لأحرقت الكائنات جميعها، أو لتجمدت.

5- صحيح أنَّ الله تعالى عنده القدرة على أن يوجد تحولاً وتغيراً شديداً في الطبيعة، لكنَّه لا يترك سنته التي وضعها فيها: ﴿ وَلَوْ شَاءَ ﴾.

6- إنَّ استمرار الحركة في الطبيعة ودورانها المنظم بيده تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ﴾.

7- إنَّ أخذ أيّ شيء وقبضه يسير على الله سبحانه: ﴿ قَبْضًا يَسِيرًا ﴾.


 


الآية (47)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47)

 

القرآن الكريم قد أطلق كلمة «لباس» على عدة أشياء:

أ- الليل: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴾.

ب- الزوج: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾.

ج- التقوى: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾.

(السبات) قطع الأعمال وتعطيلها راحة للأبدان بعد التعب، و«النشور» انتشار الناس فيه لطلب الحوائج والمعاش والعمل. فيكون النشور بمعنى التفرق لابتغاء الرزق [64] .

 

1- إنَّ تعاقب الليل والنهار ليس صدفة، بل فيه أهداف تدل على أنَّ وراء ذلك صانع حكيم، قد أخفى في هذا الدوران والتعاقب ما فيه مصلحة البشر من تنظيم للحياة: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ﴾.

2- ظاهرة الليل نعمة إلهية للبشر: ﴿ لَكُمُ ﴾.

3- النوم والقيام يجعلنا منتظمين مع الطبيعة منسجمين معها: ﴿ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ﴾، فالظلام والسكون يؤثر في إيجاد السكينة والهدوء، كذلك النور يؤثر في العمل وإيجاد النشاط والحركة عند الإنسان.

4- الليل يساعد على حفظ الجسم وسلامته، كما يحفظ اللباس البدن: ﴿ اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴾.

5- تعاقب الليل والنهار والسكون في الليل والنشور والسعي في النهار علامة من علامات الربوبية: ﴿ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ... وَهُوَ الَّذِي ... ﴾.


 


الآيتان (48) و (49)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً (48) لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً (49)

«الطهور» يطلق على الشيء الذي يكون في غاية الطهارة وهو في نفس الوقت مطهر.

كلمة «البلد» تعني الأرض، سواء كانت مدينة أو بلدة أو مزرعة، بدليل الآية 58 من سورة الأعراف: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾.

كلمة «أناسي» جمع «أنسي» وتعني الإنسان وهي مرادف لها.

أمَّا فيما يتعلق بالاستفادة من المياه، فإنَّ أكثر ما تذهب المياه إلى ري المزروعات، ثمَّ بعد ذلك إلى الحيوانات، ثمَّ الإنسان، لذلك نجد الآية الشريفة ابتدأت بإحياء الأرض، ثمَّ سقاية الأنعام، ثمَّ الإنسان، كذلك فإنَّ للرياح فوائد جمَّة منها: تلطيف الهواء، وتحريك الغيوم ودفعها، وتخفيض الحرارة بالإضافة إلى تلقيح النباتات.

 

1- حركة الرياح تكون بإرادة المولى تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ ﴾.

2- للرياح أنواع مختلفة، وأحياناً تتلازم مع المطر: ﴿ أَرْسَلَ الرِّيَاحَ ... وَأَنزَلْنَا ...

3- نزول المطر من السحاب بإذن الله تعالى وإرادته: ﴿ وَأَنزَلْنَا ﴾.

4- الماء طاهر ومطهر للأشياء وللإنسان، وكذلك يطهر روح الإنسان عند الوضوء والغسل: ﴿ طَهُورًا ﴾.

5- الأعمال الإلهية ودورة الحياة تسير في سياق الأسباب الطبيعية: ﴿ أَرْسَلَ الرِّيَاحَ ـ وَأَنزَلْنَا ـ لِنُحْيِيَ ﴾.


 


الآية (50)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً (50)

 

1- القرآن كتاب هداية، والتذكير والتكرار لازمة الهداية: ﴿ صَرَّفْنَاهُ ... لِيَذَّكَّرُواْ ﴾.

2- تذكُّر النعمة شكر للنعم، والغفلة عنها كفران: ﴿ لِيَذَّكَّرُواْ .... كُفُورًا ﴾.

3- أكثر الناس لا يشكرون، والشاكرون قلّة: ﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴾.


 


الآية (51)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً (51)

 

هذه الآية تبين على نحو ما خاتمة نبي الاسلام محمد (ص) وجامعية رسالته السماوية فالآية الشريفة تقول: لو شئنا لأرسلنا إلى جانبك في كلِّ قرية رسولاً، لكن لم نبعث في أيِّ مكان رسولا، لأنَّ في شخصك ورسالتك القدرة الكافية لإدارة كلّ مجتمع هذا الوجود، ولا حاجة لنبي آخر، فأنت أيُّها الرسول تملك مقاماً ووجوداً تختم به ملف النبوة.

 

1- رسالة النبي الأكرم (ص) عالمية، والمدرسة الإسلامية مدرسة خالدة: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ﴾.

2 - إنذار الناس وتحذيرهم محور بعثة الأنبياء: ﴿ نَذِيرًا ﴾.


 


الآية (52)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52)

 

كيفية التعامل مع الكفار:

أ- عدم الخضوع والطاعة لهم: ﴿ فَلَا تُطِعِ ﴾.

ب- مواجهة الكفار ومبارزتهم: ﴿ وَجَاهِدْهُم ﴾.

مجاهدة الكفار:

أ- الجهاد العلمي بالمنطق والإجابة على الشبهات التي يطرحها الأعداء.

ب - الجهاد بالسيف.

 

1- مركزية القيادة والنبوة تمكّنك من الاستقلال والمقاومة والثبات في مقابل الكفار: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا، فَلَا تُطِعِ ﴾، بمعنى أنَّ القيادة الآن متمركزة في وجود نبي واحد، فأنت الآن تملك القوة والثبات، فلا تطع الكافرين ولا تخضع لهم.

2- لا يكفي عدم اتباع الكفَّار، بل يجب المجاهدة، وليس أيِّ جهاد، إنَّما جهاد كبير وعلى جميع الأصعدة: ﴿ فَلَا تُطِعِ ... وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾.

3- المواجهة السلبية أسلوب من أساليب المواجهة: (فمع عدم الطاعة، جاهدهم أيضاً): ﴿ فَلَا تُطِعِ ... وَجَاهِدْهُم ﴾.

4- القرآن من أفضل وسائل الجهاد العلمي والثقافي، ومن أقوى وسائل البحث والمحاجّة ضد الأعداء والكفار: ﴿ وَجَاهِدْهُم بِهِ ﴾.


 


الآية (53) و (54)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿  وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً (54)

 

كلمة «نسب» تعني الرابط الذي يتأتى عن طريق الولد، كرابطة الأب والولد والإخوة مع بعضهم، فالنسب ما كان من نسب الرجال، والصهر ما كان بسبب نسب النساء.

 

1- إرادة الله تعالى قادرة أن تجعل المائعات التي تجري إلى جانب بعضها لا تختلط.

2- الإنسان موجود له شأن وعظمة: «بشراً» التنوين يفيد العظمة.

3- الحياة البشرية فيما يتعلق بالروابط والعلاقات مبنية على أساس الأنساب والمصاهرة: ﴿ نَسَبًا وَصِهْرًا ﴾.

4- في الآية الشريفة ذكر الرابط النسبي قبل الرابط بالمصاهرة، وتقديمه دلالة على الأولوية في الروابط: ﴿ نَسَبًا وَصِهْرًا ﴾.


 


الآية (55)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً (55)

 

الذين يظاهرون على الله، أي يعينون الشيطان على ربّهم بعبادة الأصنام والأوثان، ويجعلون عبادة الله تعالى خلف ظهورهم، فيستهينون بها استخفافاً، يتخذون الأصنام (من الجمادات) معبوداً لهم، وهذه الأصنام هي في أسفل درجة من سلُّم الموجودات، لأنَّ الجمادات تأتي في أسفل الموجودات، ثمَّ يليها النباتات، ثمَّ الحيوانات، ثمَّ يأتي بعد ذلك الإنسان، فهو أعلى مرتبة منها جميعاً.

 

1- العمل القيِّم هو الذي يأتي بمنفعة أو يدفع ضرراً، أما عبادة الأصنام فليس فيها نفع ولا ضرر: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ ﴾.

2- المشركون كافرون ويظاهرون بعضهم بعضاً على الله تعالى: ﴿ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾.


 


الآية (56)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً (56)

  

في هذه الآية القصيرة إشارة إلى التوحيد: (أرسلنا) وإشارة إلى النبوة (ك) وإشارة أيضاً إلى المعاد: ﴿ مُبَشِّرًا وَنَذِيرً ﴾.

لكل مسؤول مهمة ووظيفة، ومن مهمات الأنبياء ووظائفهم: البشارة والإنذار.

 

1- واجب الأنبياء القيام بتكليفهم، أما النتائج فلا يضمنونها: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾.

2- في عملية التربية والتبليغ يكون التبشير والإنذار فعَّالاً إلى جانب بعضه البعض: ﴿ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾.

3- الأنبياء ليس لهم حق السيطرة على الناس وإجبارهم على الهداية واتباع الحق: ﴿ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾.

4- رشد البشر يكمن في تربيتهم في ظل «الخوف والرجاء»، لأنَّ الأنبياء بعثوا من أجل رشد الإنسان وتكامله: ﴿ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾.


 


الآية (57)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)

 

في القرآن الكريم تعابير مختلفة تتحدث عن أجر الرسول الأكرم وجزائه في مقابل الصعاب والمشاق التي تحمَّلها، وقد وردت هذه الآيات في دعاء الندبة على الشكل التالي:

أجري على المولى تعالى: ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ [65] .

جزائي محبة أهل بيتي: ﴿ إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [66] .

جزائي استقامتكم على النهج الإلهي: ﴿ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [67] .

إنَّ السير على الخط الإلهي والاستقامة فيه غير متيسر إلا عن طريق مودة أهل البيت (عليهم السلام) ومحبتهم وطاعتهم، لذلك نقرأ في دعاء الندبة: (فكانوا هم السبيل إليك).

الجزاء إنَّما يعود بالنفع على أنفسكم: ﴿ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [68] ، لأنَّ مودة القادة المعصومين ومحبتهم هو المفتاح والرمز للاستقامة على النهج الإلهي، واختيار هذا الطريق إنَّما يعود أولاً وأخيراً بالنفع على أنفسهم، وليس هناك أيّ نفع مادي يعود إلى الرسول الأكرم (ص).

 

1- الإنسان حر في اختيار العقيدة: ﴿ مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ ﴾.

2- أجر الأنبياء هو أن يختار الناس طريقاً يوصلهم إلى الله تعالى: ﴿ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾.


 


الآية (58)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً (58)

 

لقد تكررت كلمة «توكل» ومشتقاتها في القرآن سبعين مرة، والتوكل يعني تفويض الأمر إلى المولى عزَّ وجلَّ والاعتماد عليه.

في الآية السابقة خاطب المولى سبحانه رسوله، قل يا محمد للنَّاس: أنا لا أريد منكم جزاء ولا أجراً، إنَّما أجري وجزائي أن تتبعوا طريق الهدى وتتخذوا إلى ربكم سبيلاً، وكأن هذه الآية تريد القول أنَّ الأنبياء والقادة الدينيين لا ينظرون إلى أموال الناس وثرواتهم بعين الطلب والرغبة والطمع، إنَّما يتوكلون على الله سبحانه فقط في معاشهم وأرزاقهم وأحوالهم، غير أنَّ التوكل على الله عزَّ وجلَّ ليس بمعنى ترك العمل والجهد. يقول مولوي الشاعر الإيراني المعروف: [69]

 

صدح الرسول بصوت جهور

اعقل يا إنسان ثم توكل

اسمع كلام حبيب الله

ولا تجعل التوكل سبباً للكسل

اسعَ يا عبد الله وتكسب

واقصد التوكل في العمل

 

1- يجب أن نتوكل على الخالق الحي الباقي لأنَّه لا بقاء لغيره: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾.

2- يجب التوكل على خالق السموات والأرض، لأنَّه لا خالق ولا مدبر غيره: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى ... الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ ﴾.

3- يجب التوكل على الخبير القدير العالم، لأنَّه لا خبير ولا عالم غيره: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي ... خَبِيرًا ﴾.

4- الأنبياء أيضاً يحتاجون إلى التذكر الإلهي: ﴿ وَتَوَكَّلْ ﴾.

5- الحياة الأبدية الأزلية تختص بالمولى تعالى فقط: ﴿ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾.

6- اجعل المولى عزَّ وجلَّ وكيلك لأنَّه هو الحي الدائم، فلئن أمهل الكفار بعضاً من الوقت، فهذا يعني منحهم الفرصة لكي يعودوا عن غيهم وكفرهم، لأنَّه سبحانه لديه الفرصة الكاملة والوقت الذي لا ينتهي لكي ينتقم منهم، وإنَّما يعجِّل من يخاف الفوت: ﴿ لَا يَمُوتُ ﴾.

7- التوكل القلبي يجب أن يترافق مع التسبيح والتحميد العملي: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾.

8- المذنبون والعاصون هم أيضاً عباد الله سبحانه: ﴿ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ ﴾.

9- إنَّ إحاطة المولى عزَّ شأنه بذنوب عباده، بالإضافة إلى كونه تهديداً للكفار، هو نوع من تسلية لقلب الرسول ومواساته ومنحه الطمأنينة بأن لا يقلق، لأنَّ الله خبير عالم بعمل هؤلاء الكفار محيط بكلِّ ما يفعلونه، وهو قادر على حسابهم ومعاقبتهم في أيِّ وقت يشاء: ﴿ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾.

10 - إنَّ الله سبحانه هو الغني المطلق ولا يحتاج إلى سواه، لكن لطفه ورحمته الواسعة لا حدود لها بحيث يطلب من عبده أن يجعله وكيله: ﴿ وَتَوَكَّلْ ﴾.

جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي (ع): إنَّ المولى سبحانه أعطانا بفضله كلَّ شيء، ولعظيم لطفه ورأفته بنا طلب منَّا أن نقرضه: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا [70] .

11 -علم الله سبحانه بذنوب البشر دائم، فكلمة «خبير» تدل على الدوام.

12- المحكمة الدنيوية بحاجة إلى شاهد لإثبات الجرم، لكن المحكمة الإلهية ليست بحاجة إلى شهود وكفى بربك شاهداً: ﴿ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾.

13- قائد المجتمع ومرشده الديني يجب أن يتوكل على الباقي: ﴿ لَا يَمُوتُ ﴾، والأقدر: ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ ﴾ والأعلم: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾.


 


الآية (59)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)

 

كلمة العرش في الثقافة الإسلامية ترمز إلى مركز الحكم والقيادة وتدبير الخلق، والمراد من: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ هو السلطة الإلهية والتدبر بدليل الآية (3) من سورة يونس حيث يقول تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾.

الرحمة الالهية أوسع وأشمل من كلِّ شيء:

1- نظام خلق العالم وتكوينه على أساس الرحمة: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ... الرَّحْمَنُ ﴾.

2- نظام خلق الإنسان على أساس الرحمة: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [71] .

3- نظام التشريع ووضع القوانين على أساس الرحمة: ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ [72] .

4- نظام القيامة والحساب على أساس الرحمة: ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ [73] .

 

1- خلق الوجود حدث بالتدرج: ﴿ خَلَقَ ... فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾.

2- الله تعالى خلق العالم وله السلطة الكاملة والحاكمية الشاملة عليه: ﴿ خَلَقَ ... ثُمَّ اسْتَوَى ﴾.

3- تدبير الوجود يقوم على أساس الرحمة الإلهية: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ ﴾.

4- الطلب والسؤال إنَّما يكون من أهل الرحمة: ﴿ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ ﴾.

5- السؤال ليس عيباً، الجهل هو العيب: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾.

6- مراجعة أهل العلم والاختصاص في المعارف الإلهية: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾.


 


الآية (60)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿   وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً (60)

 

كلمة «الرحمن» رمز الرحمة الدائمة التي لا تنتهي وهي من الأسماء المختصة بالمولى سبحانه وتعالى.

 

1- السجدة مظهر عبادة الواحد الأحد وروح الأديان التوحيدية
﴿ اسْجُدُواْ ﴾ فالحديث هنا فقط عن السجدة من بين جميع التكاليف.

2- في مسألة الأمر بالمعروف، يجب الإشارة إلى دليل أمره تعالى «بالسجود»: ﴿ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ ﴾ ودليل سجودكم رحمة الله الواسعة.

3- الكفر والعناد ليس فقط يصد الكفار عن دعوة الأنبياء ويجعلها غير فعَّالة فيما يتعلق بإيمانهم، بل إنَّ نفور أكثر الكفار من كلام الحق: ﴿ وَزَادَهُمْ نُفُورًا ﴾.


 


الآية (61)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً (61)

 

عن الإمام أبي جعفر (ع): أنَّ البروج هي الكواكب [74] . والسراج تعني الشمس لأنَّ نور السراج ينبع من ذاته، وهو منبع وعين للنور، فالمولى تعالى جعل الشمس منبعاً فواراً للنور، في الوقت الذي جعل للقمر صفة الاكتساب، فهو يكتسب نوره من الشمس، يقول تعالى:
﴿ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴾ [75] .

1- إنَّ خلق الكواكب والنجوم والشمس والقمر، كلُّ ذلك مظهر للبركات الإلهية: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي ... ﴾.


 


الآية (62)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً (62)

 

كلمة ﴿ خِلْفَةً ﴾ أي ياتي بعضه خلف بعض [76] .

في رواية عن الإمام الصادق (ع) أنَّه قال: «كل ما فاتك بالليل فاقضه بالنهار، ثمَّ قرأ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [77] .

إنَّ استلهام درس التوحيد من النظام الحاكم على الوجود يتعلق بارداتنا، فما أكثر الأشخاص الذين يقضون عمراً طويلاً بالتحقيق حول ظاهرة ما، غير أنَّهم لا يأخذون منها الدرس والعبرة، لأنَّهم لا يملكون إرادة أخذ العبرة. هؤلاء الأفراد كمن يبقى في محل بيع المرايا ينظر إلى المرآة ولا يرتب ثيابه، في حين أنّ شخصاً قد يعبر أمام محل بيع المرايا وبنظرة واحدة وعابرة يمكنه أن ينتبه إلى أنَّ ياقته منحرفة وغير مرتبة مثلاً، إذن نظرة واحدة كافية لمن يملك الإرادة، من هنا فإنَّ إرادة الاصلاح أيضاً لازمة.

وقد يطرح السؤال التالي: لماذا يمضي بعض العلماء الطبيعيين عمرهم في البحث والتحقيق في الطبيعة وظواهرها، لكنَّهم لا يعرفون الله تعالى؟

والجواب: لأنَّهم لا يملكون قصد وإرادة معرفة الخالق سبحانه، كمثل النجَّار الذي يصنع الكثير من السلالم لكنَّه لا يملك إرادة الصعود على هذه السلالم.

 

1- على الرغم من أنَّ تعاقب الليل والنَّهار يبدو بالنسبة إلينا شيئاً عادياً، لكن بعين البصيرة يظهر دليل النظام في هذا العالم جلياً: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ ﴾.

2- إرادة الإنسان أرضية مهيأة لرشده: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ ﴾.

3- الإنسان موجود مختار ولديه إرادة: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ ﴾.

4- الإنسان يملك فطرة يوقظها التذكر﴿ يَذَّكَّرَ ﴾ والتذكر يستخدم عندما يكون في داخل الإنسان مطلبٌ كان يعلمه ثمَّ نسيه.

5- الليل والنهار نعمة تليق بالشكر: ﴿ أَرَادَ شُكُورًا ﴾.

 

شهر رمضان شهر العبوديَّة وعبادة الله تعالى، بحيث يستطيع الإنسان أن ينال مقام القرب من المولى سبحانه بالتسليم لأوامره وتعاليمه ولجم النفس عن الرغبات والميول، مع أنَّ جميع الأيام والشهور والساعات كلُّها لحظات وميادين للتربية والرشد والتكامل والتقرُّب، كما جاء في الآية الشريفة: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [78] ، لكن لشهر رمضان خصوصية ليست في الشهور الأخرى.

 

أ - العبودية والعبادة شكلت الأرضية لعروج الرسول الأكرم (ص) إلى السماء- الإسراء: 1.

ب ـ العبادة تهيئ الأرضية لنزول الملائكة - البقرة: 23.

ج ـ العبادة تجعل دعاء الإنسان مستجاباً - يس: 60 و 61.

د ـ العبادة سمة شخصية للإنسان وإرادته، فالإنسان الذي تحيط به الغرائز والميول والرغبات من كلِّ جانب، يصبح ذا قيمة عالية عندما يخلع قلبه ويلجم نفسه من هذه الغرائز ويسير إلى الله تعالى.

هـ ـ العبادة تصل جزيرة هذا الإنسان الأرضي الصغيرة بمنبع الوجود وأصله.

و ـ العبادة تعني النظر إلى كلِّ الوجود من الأعلى.

ز ـ العبادة تعنى بفتح الاستعدادات والمؤهلات الروحية والمعنوية والعرفانية الكامنة في وجود الإنسان.

ح ـ العبادة هي تجديد العهد مع الخالق والحفاظ على الحياة المعنوية نضرة متجددة.

ط ـ العبادة تمنع ارتكاب الذنوب والمعاصي وترفع آثارها السيئة، فذكر الله تعالى يحول دون الذنوب.

ق ـ الإنسان من غير عبادة أوضع من الجماد وأسفل من الحيوان، يقول تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ [79] .

 

العبادة هدف الخلق: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  ﴾ [80] . إنَّ أيَّ عمل نقوم به سواء التكسب أو التحصيل العلمي، أو الزواج أو خدمة الناس، أو أيِّ عمل فيه منفعة لنا وللمجتمع، إن كان لأجل مرضاة الله تعالى فهو عبادة، فكلُّ عمل يعد عبادة عندما يكون الدافع لإنجازه مقدساً وشريفاً، وبتعبير القرآن الكريم: ﴿ صِبْغَةَ اللهِ [81] ، أي أن يكون العمل مصبوغاً بلون إلهي، أيّ لله تعالى وفي مرضاته.

 

الأعمال التي نقوم بها على أساس الفطرة والخلقة التي لم تتدنَّس والتي وضعها الخالق سبحانه في كلِّ بشري هي أعمال قيِّمة، والعبادة هي أيضاً من الأمور الفطرية، لذلك نجد أنَّ أقدم آثار البشر المعمارية وأجملها وأحكمها تتعلق بالمعابد والمساجد. وهدف الأنبياء كذلك هو الدعوة إلى روح العبادة والتوجه إلى هذا العمل الفطري القيِّم في المجتمعات البشرية على مدى العصور. ﴿ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [82] .

إنَّ للعبادة أصل وجذر فطري في وجود الإنسان، حتى ولو كان هذا الإنسان غافلاً، وحتى أولئك الذين لا يعبدون الله، ويعبدون المال والجاه والزوجة والأبناء ويحملون أفكار وعبادة المدارس والطرق المختلفة، فإنَّ في أعماق وجودهم توجد فطرة العبادة، لأنَّ من الاحساسات العميقة في الإنسان الميل إلى اللاّ نهاية والعشق للكمال والرغبة في البقاء، وما يؤمّن هذه الأحاسيس والميول الفطرية الموجودة في الإنسان هي العلاقة مع الخالق تعالى وعبادته، فالعبادة هي العلاقة التي تربط الإنسان بمنبع الكمالات والأنس بالمحبوب الحقيقي، وتمنحه اللجوء إلى القدرة اللامتناهية.

 

العبادة غذاء الروح، مثلما الطعام غذاء البدن، فكما أنَّ أفضل غذاء للبدن ما يجذبه البدن ويهضمه، كذلك فإنَّ أفضل العبادة ما تجذبها الروح، يعني ما تقوم على النشاط وحضور القلب.

يقول الرسول الأعظم (ص): «أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبها بقلبه، وباشرها بجسده وتفرغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر؟» [83] .

 

1 ـ العبادة راحة القلوب واطمئنانها: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [84] .

2 ـ العبادة شكر لله سبحانه: ﴿ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [85] .

3 ـ العبادة تحول دون ارتكاب المعاصي: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ [86] .

 

أ- تمنح الإنسان عزاً وافتخاراً: يقول الامام زين العابدين (ع) في مناجاته المعروفة: (إلهي كفى بي عزاً أن أكون لك عبداً) [87] .

ب- الإحساس بالقدرة: (الله اكبر) و ﴿ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فالإنسان الذي يعبد رباً قديراً أكبر من كلِّ شيء وقادراً على كلِّ شيء يشعر بالقوة والقدرة في مواجهة جميع الطواغيت والمستكبرين.

ج- تمنح الصبر والعزِّة: والعزَّة هنا بمعنى عدم قبول نفوذ الأعداء أو الشعور بالانكسار أمامهم، لأنَّ مدرسة الأنبياء مبنية على الاتصال بالعزيز المطلق والقدرة اللامتناهية، وهذا يمنح الإنسان الذي يتصل بالله تعالى العزَّة والصبر، من هنا نرى أنَّ أولياء الله تعالى يستمدون القوَّة والصبر عبر هذا الارتباط الذي تمثله الصلاة، خصوصاً في الأوقات الحرجة والمقاطع الحساسة.

د- عامل التربية: صحيح أنَّ الصلاة هي عامل ارتباط روحي ومعنوي، غير أنَّ الإسلام قوّم هذه الروح في قوالب سلسلة من البرامج التربوية، من هذه السلسلة، طهارة الثياب، والتوجه نحو القبلة، والقراءة السليمة، بالإضافة إلى إباحة المكان واللباس وكلُّ ذلك يدخل ضمن شروط صحة الصلاة، وهذه الشروط في الحقيقة تتعلق بالجسد وليس بالروح، فإذا تأملنا جيداً في هذه الشروط نلاحظ أنَّ كلَّ واحد منها له دور مؤثر في تربية الإنسان.

هـ- الولاية على العالم: من بركات العبادة أنَّها تجعل الإنسان رويداً رويداً وخطوة خطوة ـ يتسلط على العالم، وبيان ذلك:

يقول تعالى: ﴿ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا [88] . والفرقان: تشخيص الحق من الباطل.

ويقول في موضع آخر: ﴿ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا [89] . ثمَّ يقول في آية أخرى: ﴿ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ [90] ، من هنا يتبين أنَّ الإنسان في ظل العبادة والعبودية الخالصة للمولى تعالى يتلقى الأنوار والفيض الإلهي ويؤتى الحكمة فيملك القدرة على معرفة الحقّ من الباطل والتمييز بينهما، كذلك القدرة على مواجهة المشاكل والمصاعب التي تواجهه وحلها. ثمَّ في مراحل أخرى يستطيع أن يتحكَّم بالطبيعة من حوله لكن بشكل صحيح ومتوازن، وبالتالي يصل إلى درجة التسلط على العالم وإعمال الولاية عليه.

 

العبادة الحقيقيَّة القيِّمة هي العبادة التي تترافق مع معرفة القائد الإلهي وولايته، وليست العبادة السطحية الفارغة من المعنى الحقيقي.

يحدثنا التاريخ في زمن أمير المؤمنين (ع) أنَّ هذا الإمام ابتلي بجماعة كانوا في الظاهر من العابدين المصلين عرفوا في التاريخ بفرقة المارقين «الخوارج»، كانت جباههم معفرة من كثرة السجود وطوله، لكنَّهم وقفوا في مواجهة الإمام علي (ع). كذلك الأمر بالنسبة إلى الإمام الحسين (ع) فلا يظننَّ أحد أنَّ الذين اجتمعوا في كربلاء لقتل سبط الرسول (ص) كانوا جميعهم من تاركي الصلاة، كلا، هذا الأمر ليس صحيحاً، لقد كانوا ممن يصلون الجماعة.

إنَّ العبادة الواقعية المقبولة عند المولى تعالى يجب أن يصاحبها معرفة القائد الحق وطاعته، لذلك نقرأ في الروايات أنَّ الله سبحانه قد أوجب الحج ليجتمع الناس حول بيته العتيق فيلاقون إمامهم المعصوم ويجتمعون به في ذلك المكان المقدس، فيكون ارتباطهم به وثيقاً ومعرفتهم به قريبة، لكن للأسف ما نراه اليوم هو اجتماع الملايين في الكعبة لكن قلوبهم متفرقة وأفكارهم مشتتة، فإذا أقيمت العبادة تحت ظل القيادة الالهية وبرعايتها، فإنَّ الظلم والطاغوت سوف يزول من الوجود، يقول تعالى: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآَتُواْ الزَّكَاةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَا [91] .

ومن علامات العبادة والصفات التي عدّها المولى تعالى لعباد الرحمن ما يلي:

في هذه الآيات اثنا عشرة صفة لعباد الرحمن، بعضها صفات اعتقادية وبعضها اجتماعية والبعض الآخر أخلاقية.


 


الآيتان (63) و (64)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿  وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَاماً (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (64)

 

لعلَّ المراد من كلمة «يمشون» ليس فقط نوع الحركة والسير، بل يتعداه إلى أسلوب الحياة المعتدلة. و﴿ هَوْنًا ﴾ تعني التواضع والمداراة والطبع اللين وتعني أيضاً السكينة والوقار.

عن أبي عبد الله (ع) قال: «هو الرجل يمشي بسجيته التي جبل عليها لا يتكلف ولا يتبختر» [92] .

أمَّا كلمة «سلام» فتعني هنا سلام الوداع لأقوالهم غير المتروية، وليس سلام التحيَّة الذي هو علامة المحبَّة ورابطة الصداقة. والخلاصة، أنَّه السلام الذي هو علامة الحلم والصبر والعظمة. كما كان جواب إبراهيم الخليل (ع) لعمه عندما طرده قال: «سلام عليك سأستغفر لك» [93] .

«يبيتون» يعني يقومون بالليل في الصلاة سجداً، سواء الليل كله أو جزءاً منه، كما يقال في المبيت في منى حيث يبيت الحجاج في هذه المنطقة ليلة الحادي عشر والثاني عشر في شهر ذي الحجة، والفقهاء يحسبون مقدار البيتوتة في منى نصف الليل.

في خطبة لأمير المؤمنين علي (ع) يصف فيها شيعته: «أما الليل فصافون اقدامهم تالون لأجزاء القرآن» [94] .

 

1- أعلى مقام للإنسان مقام العبودية لله: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾، لأنَّ الانتساب إلى اللاّنهاية يرفع الإنسان إلى مقامات عالية.

2- سلوك كل إنسان هو علامة شخصيته: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَن ِ... يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾. فالإنسان العابد للرحمن يجب أن تتجلى فيه مظاهر الرحمة مثل «السلام والتواضع والبيتوتة و...».

3- الإسلام دين جامع، وبرنامجه يشتمل حتى على كيفية المشي وطريقة السلوك: ﴿ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾.

4- إيمان الإنسان واعتقاده يؤثر في سلوكه الشخصي: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ... يَمْشُونَ ﴾.

5- التواضع ثمرة العبودية وأول علاماتها: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ... يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾.

6- الإيمان هو منبع المداراة والحلم والطبع اللين عند عباد الرحمن، وليس الخوف والضعف: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ ... ﴾.

7- الوقار واللين من أبرز صفات المؤمن: ﴿ يَمْشُونَ ... هَوْنًا ﴾.

8- التواضع لازم عند جميع فئات الناس، الكبير والصغير، المرأة والرجل، العالم والجاهل: ﴿ يَمْشُونَ ... هَوْنًا ... قَالُوا سَلَامًا ﴾.

9- يجب عدم مقابلة الجاهلين بالمثل: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ فإذا كان جواب الجاهلين ﴿ سَلَامًا ﴾ فكيف إذا كان الجواب للصالحين، فهو أولى.

10 - المدارة والحلم والصبر من الصفات البارزة للمؤمن: ﴿ قَالُوا سَلَامًا ﴾ يقول البعض: إنَّ الجواب في مقابل الجاهلين والبلهاء هو السكوت لكن القرآن يقول الجواب هو: ﴿ سَلَامًا ﴾.

11- يجب أن يكون التواضع في العمل: ﴿ يَمْشُونَ ... هَوْنًا ﴾ وكذلك في المخاطبة: ﴿ قَالُوا سَلَامًا ﴾، وأيضا في العبادة: ﴿ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾.

12-عليكم أن لا تجادلوا الجاهلين والحمقى: ﴿ قَالُوا سَلَامًا ﴾ فهم يقولون ما في شأنهم، لكن أنتم قولوا قولاً كريماً وبعلم.

13-أفضل أوقات العبادة الليل، فبين الليل والصلاة والمناجاة علاقة وطيدة وخاصة: ﴿ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ ﴾ فهذا الوقت فيه فضاء هادىء وتمركز الفكر، وبعيد عن الرياء.

14-إحياء الليل والدوام على العبادة من علامات عباد الرحمن الخاصين: (فعل يبيتون مضارع وهذا يدل على الدوام والاستمرار).

15- إنَّ ما يمنح العبادة قيمه هو الاخلاص: ﴿ لِرَبِّهِمْ ﴾.


 


الآيتان (65) و (66)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (66)

 

كلمة ﴿ غَرَامًا ﴾ في الأصل بمعنى المصيبة، والألم الشديد الذي لا يفارق الإنسان، ويطلق «الغريم» على الشخص الدائن، لأنَّه يلازم الإنسان دائماً من أجل أخذ حقه. ويطلق «الغرام» أيضاً على العشق والعلاقة المتوقدة التي تدفع الإنسان بإصرار باتجاه عمل أو شيء آخر، ونطلق هذه الكلمة على جهنَّم «لأنَّ عذابها شديد ودائم لا يزول» [95] . والخلاصة: أنَّ المعنى عذاب لازم وملّحُ ودائم غير مفارق.

 

1- إذا كنتم ممن يحييون الليل فإياكم والغرور: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ ... ﴾.

2- ذكر المعاد من خصائص عباد الرحمن: ﴿ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾.

3- عباد الرحمن الخلَّص، يخافون من جهنَّم قبل أن يطمعوا بالجنَّة: ﴿ يَبِيتُونَ ... يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾.


 


الآية (67)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67)

 

كلمة «قوام» تعني الحد الوسط، وقيل هو العدل والاستقامة و«قِوام» بالكسر ما يقوم به الأمر ويستقر. والمعنى أنَّه كان انفاقهم بين الاسراف والإقتار لا اسرافاً يدخلون به حد التبذير، ولا تضييقاً يصيرون به في حد المانع، والقوام هو الحد الممدوح.

عن الإمام أبي عبد الله (ع) قال: «أربعة لا يستجاب لهم دعوة رجل فاتح فاه جالس في بيته فيقول: يا رب ارزقني، فيقول له: ألم آمرك بالطلب، ورجل كانت له امرأة يدعو عليها، يقول: يا رب ارحمني منها، فيقول: ألم أجعل أمرها بيدك، ورجل كان له مال فأفسده، فيقول: يا رب ارزقني، فيقول: ألم آمرك بالاقتصاد، ورجل كان له مال فأدانه بغير بينة، فيقول: ألم آمرك بالشهادة» [96] .

ورد في الكتاب المبين قوله تعالى: ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ [97] .

وقال أيضاً: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [98] .

تلا أبو عبد الله (ع) هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾. قال: فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، فقال: هذا الاقتار الذي ذكره الله عزَّ وجلَّ في كتابه، ثمَّ قبض قبضة أخرى فأرخى كفّه كلّها، ثمَّ قال: هذا الاسراف، ثمَّ أخذ قبضة أخرى فأرخى بعضها وأمسك بعضها وقال: هذا القوام [99] .

 

1- الإنفاق بالنسبة لعباد الرحمن تكليف ومسألة قطعية: ﴿ إِذَا أَنفَقُواْ ... ﴾، وكلمة «إذا» في اللغة العربية تفيد العمل أما كلمة «لو» فتفيد عدم العمل.

2- يجب أن تترافق أعمال العبادة (صلاة الليل والخوف من الله مع الانفاق وتفقد أحوال المحرومين): ﴿ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ ... أَنفَقُواْ ﴾.

3- الإنسان مالك لكن له حدود في الانفاق: ﴿ لَمْ يُسْرِفُواْ ﴾.

4- الإسراف ليس جائزاً حتى في الانفاق: ﴿ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ ﴾.

5- عباد الله ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ بعيدون عن صفة البخل: ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾.

6- المسلمون معتدلون في حياتهم: ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾.

7- الوسطية في العبادة والإنفاق جيدة وقيمة: ﴿ قَوَامًا ﴾.


 


الآية (68)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68)

 

«الإثم» و«آثام» في الأصل بمعنى الأعمال التي تمنع وصول الإنسان إلى المثوبة، ثمَّ أطلقت على كلِّ ذنب، لكنَّها هنا بمعنى جزاء الذنب. وقال بعضهم أيضاً: إنَّ «إثم» بمعنى الذنب و «آثام» بمعنى عقوبة الذنب [100] .

في هذه الآية طرحت مسألة قتل النفس والزنا وقد جاء في الروايات أنَّ هذه الأعمال من الذنوب الكبيرة. ويعد قتل النفس من الكبائر ﴿ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾. والقتل إلا بالحق تشمل الموارد التالية:

1- قصاص القاتل.

2- الفاحشة بالمحرم.

3- فاحشة الكافر بالمسلمة.

4- إكراه المرأة على الفاحشة.

5- الفاحشة من المحصن والمحصنة.

6- ادعاء النبوة.

7- سب النبي (ص) وشتمه وتوهينه.

8- المسلم السَّاحر.

9- المفسد والمحارب.

10-المرتدّ.

11- الخارج على إمام زمانه العادل.

12- المشرك المحارب [101] .

 

1- أشد الغرائز خطراً على الإنسان بحيث تجره إلى ارتكاب المعصية غريزتي الغضب والشهوة، ويجب على المؤمن أن يسيطر على غرائزه: ﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ - وَلَا يَزْنُونَ ﴾.

2- الأوامر القرآنية في موضوع تجنب الشرك والزنا والقتل، ليست فقط من باب الموعظة، بل قانونية تستلزم معاقبة المخالفين بشدة: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾.

3- القانون بحاجة إلى من يضمن تنفيذه: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾.

4- العقاب الالهي حتمي وقطعي: ﴿ يَلْقَ أَثَامًا ﴾.


 


الآيتان (69) و (70)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً (70)

  

إنَّ مضاعفة العذاب الذي يستحقه المجرمون لا يتنافى مع العدل الإلهي، لأنَّ العذاب المضاعف يستحق في ظروف حيث تكون للذنوب آثار مشؤومة وسيئة مضاعفة. فمن يرتكب الفاحشة مثلاً يرتكب المعصية ويجر الطرف الآخر إلى ذلك، ويمكن أن ينتج عن هذا الفعل الولد الحرام بحيث يكون لذلك عواقب وتبعات سيئة جداً، وفي القتل أيضاً فإنَّ القاتل يزهق أرواح الآخرين، ويحيل أفراد عوائلهم أيتاماً من غير معيل، وبذلك يصبح المجتمع من دون أمن. إنَّ كلّ واحد من هذه الأفعال والعناوين يستحق العقاب، كذلك حين نرى أنَّ بعض الأشخاص يبتدعون في المجتمعات سنة سيئة، فكل من يعمل بهذه السنة على مدى التاريخ آثم، والإثم يلحق بموجد السنة السيئة أيضاً وهذا ثابت لا شك فيه.

في عيون أخبار الرضا (ع): قيل لرسول الله (ص): يا رسول الله هلك فلان، يعمل من الذنوب كيت وكيت، فقال رسول الله (ص): بل قد نجا ولا يختم الله تعالى عمله إلا بالحسنى، وسيمحو عنه الله السيئات، ويبدلها له حسنات، إنَّه كان مرَّة يمرُّ في طريق عرض له مؤمن قد انكشفت عورته وهو لا يشعر فسترها عليه ولم يخبره بها مخافة أن يخجل، ثمَّ أنّ ذلك المؤمن عرفه في مهواه فقال له: اجزل الله لك الثواب وأكرم لك المآب ولا ناقشك الحساب، فاستجاب الله له فيه، فهذا العبد لا يختم له إلا بخير بدعاء ذلك المؤمن، فاتصل قول رسول الله (ص) بهذا الرجل فتاب وأناب وأقبل إلى طاعة الله عزَّ وجلَّ فلم يأتي عليه سبعة أيام حتى أغير على سرح المدينة فوجه رسول الله (ص) في أثرهم جماعة ذلك الرجل أحدهم فاستشهد فيهم [102] .

 

1- في بعض الحالات، ومنها أن يكون الإنسان شخصية اجتماعية مميزة:

نقرأ في القرآن الكريم أنَّ المولى تعالى خاطب نساء الرسول (ص) بقوله: ﴿ يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ... [103] .

ويقول أيضاً: ﴿ يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء ... [104] .

2- وفي حالات أخرى يضاعف العذاب لجهة ارتباطها بالزمان والمكان: فقد ورد في الروايات أن ارتكاب المعصية يوم الجمعة يضاعف عذابها والعمل الحسن في هذا اليوم مضاعف أجره. (كذلك فالمعصية في الأماكن المقدسة يختلف عنها في الأماكن العادية).

3- أحياناً يوسم الذنب بعنوان «مفتاح الذنوب»: فبالإضافة إلى انحراف الشخص المذنب نفسه، فقد ينحرف الآخرون بسببه وينجرون إلى المعصية، كما يقول تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ... يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ [105] .

 

1- عذاب الآخرة كمّي ﴿ وَيَخْلُدْ ﴾ ونوعي ﴿ مُهَانًا ﴾.

2- ليس في الإسلام طريق مسدود، بل هناك – دائماً - للمذنب طريق عودة: ﴿ إِلَّا مَن تَابَ ﴾.

3- عند ارتكاب الذنب يذهب الإيمان وعند التوبة يعود: ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ ﴾.

4- التوبة عبارة عن ثورة مكتملة الجوانب وليست حركة سطحية ولفظية، فالعمل الصالح علامة التوبة الحقيقية: ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ ﴾.

5- التوبة الحقيقية والإيمان الواقعي يبدلان أعمال الإنسان ويصلحان سلوكه الفاسد: ﴿ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾.


 


الآية (71)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً (71)

 

1 ـ التوبة الحقيقية هي التوبة المترافقة مع العمل الصالح: ﴿ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾.

2 ـ التائب ضيف الله تعالى: ﴿ يَتُوبُ إِلَى اللهِ ﴾.


 


الآية (72)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرَاماً (72)

 

كلمة «شهد» لها معنيان: «الحضور» و«الإخبار» و«الشهادة»، ويمكن الاستفادة من المعنيين في هذه الآية، فمن جهة عباد الرحمن لا يشهدون شهادة الزور ومن جهة أخرى لا يحضرون مجالس اللهو.

كلمة «زور» تعني العمل الباطل في قالب الحق، وفي التفاسير تعني الشهادة بالباطل والكذب، وأيضاً بمعنى الغناء واللهو الذي يلوث القلب والروح. وقد ورد في بعض الروايات أنَّ المراد من «الزور» في «يشهدون الزور» مجالس الغناء.

جاء في تفسير مجمع البيان: ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ واللغو المعاصي كلّها أي مرّوا به مرّ الكرماء الذين لا يرضون باللغو لأنَّهم يجلون عن الدخول فيه والاختلاط بأهله... والتقدير إذا مرّوا بأهل اللغو وذوي اللغو مرّوا منزّهين أنفسهم معرضين عنهم فلم يجاروهم فيه ولم يخوضوا معهم في ذلك فهذه صفة الكرام يقال تكرَّم فلان عمَّا يشينه إذا تنزّه وأكرم نفسه عنه وقيل مرورهم كراماً هو أن يمرّوا بمن يسبّهم فيصفحون عنه وبمن يستعين بهم على حق فيعينونه وقيل هم الذين إذا أرادوا ذكر الفرج كنوا عنه عن أبي جعفر (ع) [106] .

عن أبي عبد الله (ع) ذكر حديثاً طويلاً يقول فيه: وفرض الله على السمع أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرَّم الله وأن يعرض عمَّا لا يحل له مما نهى الله عزَّ وجلَّ عنه، والإصغاء إلى ما أسخط الله في ذلك: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ﴾ إلى أن قال (ع) قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ فهذا ما فرض على السمع من الإيمان أن لا يصغى إلى ما لا يحل له وهو عمله وهو من الإيمان [107] .

 

1- ليس ارتكاب المعصية حراماً فقط، بل الحضور في مجالس اللغو والفحشاء والمشاركة فيها حرام أيضاً: ﴿ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾.

2- ليس كل حضور ومشاركة في المجالس يعد قيماً، فأحياناً يكون الانزواء عن المجتمع أفضل: ﴿ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾.

3- إنَّ أي نوع من اللغو - سواء في الكلام أو العمل أو الميول والرغبات - ممنوع: ﴿ مَرُّواْ بِاللَّغْوِ ﴾، فعباد الله لهم أهداف معقولة ومفيدة ولا يصرفون أعمارهم في الأعمال الباطلة وغير المفيدة.


 


الآيتان (73) و (74)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)

 

يجب أن يكون الإيمان على أساس الاطلاع والمعرفة والتّبصر، فنحن نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا [108] .

وهذا يعني أنَّ المؤمنين يتفكرون في خلق السماوات والأرض أولاً، ثمَّ بعد ذلك يقرّون أنَّ هذا الخلق ليس عبثاً ولا باطلاً، لذلك نرى في هذه الآية ـ مورد البحث ـ أنَّ المؤمنين إذا مرّوا بآيات الله أو ذكّروا بها لم يمرّوا بها صمّاً وعمياناً.

 

1- من صفات عباد الرحمن العبودية والبصيرة والإطلاع والتفكر: ﴿ إِذَا ذُكِّرُواْ ... لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾. فهم مؤمنون مطلعون بصيرون.

2- الإنسان مسؤول عن زوجته وأولاده ويجب أن يسعى في حسن عاقبتهم ويدعو إلى ذلك: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا ... ﴾.

3- الإسلام يهتم لبناء الأسرة والأطفال ويحث الإنسان على الدعاء لإنجاب الذرية الصالحة: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا ﴾.


 


الآيتان (75) و (76)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (76)

«الغرفة» تطلق على الأقسام العليا من البناء، ومنازل الطبقات العليا، وهي هنا كناية عن أعلى منازل الجنَّة والدرجة الرفيعة.

 

1- الجنَّة لها ثمن: ﴿ يُجْزَوْنَ ... بِمَا صَبَرُواْ ﴾.

2- العبودية لله تعالى بحاجة إلى الصبر والمثابرة والثبات: ﴿ بِمَا صَبَرُواْ ﴾.

 

تبين هذه الآيات اثنتي عشرة صفة من صفات عباد الرحمن الخاصة، بحيث ترتبط هذه الصفات بجوانب اعتقادية وأخلاقية واجتماعية، ويتعلق بعض منها بالفرد والبعض الآخر بالجماعة، وهي مجموعة من أعلى القيم الإنسانية وأسماها.

1- الصفة الأولى: التواضع ونفي الكبر والغرور والتعالي الذي يبدو في جميع أعمال الإنسان وفي حركاته وسلوكه، وحتى في طريقة مشيته، لأنَّ الملكات الأخلاقية تظهر من خلال الأعمال والسلوكيات الظاهرة من الأقوال والحركات، بحيث يمكن تشخيص قسم من أخلاق الإنسان من أسلوب مشيته، فعباد الرحمن أشخاص متواضعون والتواضع مفتاح الإيمان، في حين أنَّ التكبر والغرور مفتاح الكفر.

ولقد أمر الله عزَّ وجلَّ نبيه: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [109] .

2- الصفة الثانية: الحلم والصبر: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾. وهذا الجواب علامة اللامبالاة المقترنة بالعظمة وليس الناشىء من الضعف، فهو سلام الوداع لأقوالهم الواهية النابعة من الجهل، وليس سلام التحية الذي هو علامة المحبة والصداقة.

إذن هو سلام تتمظهر فيه علامة الحلم والصبر والعظمة، عظمة عباد الرحمن الروحية، وهو التحمل وسعة الصدر الذي يستطيع المؤمن معهما أن يطوي طريق عبودية الله تعالى.

3- الصفة الثالثة: العبادة الخالصة لله: ﴿ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾. فهؤلاء العباد نهضوا في عتمة الليل حيث الناس نيام يبتغون الراحة، وحيث لا مجال للتظاهر والرياء، قاموا بقلوب عامرة وروح مبتهجة ليذكروا الله ويتعبدوا بالسجود والقيام، ويناجوا المحبوب الأزلي.

4- الصفة الرابعة: الخوف من الله تعالى، الخوف من عذابه: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ... ﴾. الشديد الدائم.

إنَّ قلوب عباد الرحمن الخلّص مملوءة بالخوف من المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، الخوف الباعث على القوَّة في الحركة لأداء التكاليف الدينية والعملية بأفضل صورة، لأنَّ هذا الخوف يوجه الإنسان من داخله نحو إنجاز الأوامر والتكاليف الإلهية، فيصبح محركاً باطنياً ومحفزاً داخلياً، فيرى مع ذلك نفسه دائماً مقصرة أمام خالقها سبحانه وتعالى.

5- الصفة الخامسة: الاعتدال والتوازن والابتعاد عن الافراط والتفريط، قولاً وعملاً، خصوصاً في الانفاق، فلا اسراف ولا تقتير: ﴿ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ... بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾.

إنَّ الانفاق أحد الأعمال الضرورية لكلِّ إنسان، لكن الكلام في كيفية الانفاق، إنَّ انفاقهم إنفاق عادل ومتوازن بعيد عن الاسراف والبخل.

6- الصفة السادسة: هي التوحيد الخالص البعيد عن كلِّ أنواع الشرك والتعددية في العبادة: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾. قد أنار التوحيد قلوبهم وطهَّر أرواحهم وأفكارهم من كلِّ شائبة وشرك، فسمت نفوسهم وخضعت لله سبحانه.

7- الصفة السابعة: الطهارة من التلوث بدماء الأبرياء: ﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾. إنَّ جميع الأنفس البشرية محترمة في الأصل، ولا يجوز إراقة دمائهم إلا بالحق ومع وجود الأسباب والعلل التي ترفع هذا الاحترام. فعباد الرحمن لا يعتدون ولا يريقون الدماء البريئة ولا يقتلون النفس التي حرم الله تعالى.

8- الصفة الثامنة: العفاف وعدم التلوث بالفحشاء: ﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾ لقد اختاروا طريق الطهر والنقاء والعفاف، فحفظوا فروجهم إلا ما أحل لهم.

9- الصفة التاسعة: احترام حقوق الغير وحفظها، فهم لا يشهدون بالباطل مطلقاً: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾، ولا يميلون إلى الانحراف والكذب والظلم لأنَّها مصاديق «الزور»، كذلك لا يحضرون مجالس اللغو والغناء والباطل، لأنَّ من معاني الشهود «الحضور»، وهذا يعني أنَّ عباد الرحمن لا يتواجدون في مجالس الباطل، لأنَّ هذه المجالس ليس فيها سوى اللعب واللهو وشرب الخمور والكذب والغيبة وأمثالها.

10- الصفة العاشرة: الجدّية وامتلاك الهدف الايجابي في الحياة، فهذه الصفة تجعلهم بعيدون عن اللاّمبالاة والعبث واللهو، فهم لا يحضرون مجالس الباطل ولا يلوثون أنفسهم باللغو: ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ أنفسهم كبيرة، وقلوبهم عامرة، وأرواحهم طاهرة، إذا اعترضهم عمل أو قول باطل، مروا بمحاذاته مرور اللامبالي، وهذا يدل على عدم الرضا الداخلي على هذا العمل وهذا القول، فهم عظماء لا تؤثر عليهم أجواء اللهو والفساد والباطل.

11ـ الصفة الحادية عشر: امتلاك العين الباصرة والأذن السّامعة، بحيث يُعملون هذه الحواس في التأمل والتذكر والتدبر، في خدمة طاعة الله وعبوديّته: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾.

إنَّ عباد الرحمن يملكون عيوناً باصرة ناظرة في الباطل، متعمقة في الأشياء، وأذناً مرهفة غارقة بلطائف الخالق وحكمه، فهم عرفوا ما يريد الله منهم وعملوا من أجل مرضاته، ولولا ذلك لكانوا همجاً رعاعاً، لا يبصرون ولا يسمعون، فتشتبه عليهم الأمور، كما اشتبهت على غيرهم ممن انحرفوا وضلّوا، وأصبحوا أداة في يد الشياطين وأعداء الدين.

12- الصفة الثانية عشر: الاهتمام بالأسرة الصالحة والتوجه الخاص بتربية أبنائهم، فهم مؤمنون بأنَّهم مسؤولون عن أسرهم وأولادهم في مقابل المولى عزَّ وجلَّ، وهذه مسؤولية عظيمة يترتب عليها مستقبل المجتمع في الدنيا وسعادتهم في الدار الآخرة: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾، والدعاء هنا يدل على ميولهم الداخلية الحقيقية لهذا الأمر، وكذلك إشارة واضحة إلى صفاء سرائرهم وطيب نفوسهم، ورمز واضح لجدهم واجتهادهم، إنّ هكذا أفراد لا يقصّرون في تربية أبنائهم، وبذل كلّ طاقة وجهد في هذا الطريق، لأنَّ مسألة تربية الأبناء وإرشاد الزوجات تعد الركن الأساس في بناء المجتمعات، فإنَّ صلح الأبناء والزوجات صلح المجتمع والعكس صحيح.

على أنَّ عباد الرحمن لا يقفون عند هذا الحد، بل يريدون أن يكونوا أئمة للناس، ونماذج جيدة لهم: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾. والحقيقة أنَّ من تجتمع فيه هذه الصفات يليق أن يكون قدوة ونموذجاً حسناً.

 

بعد اكتمال هذه الصفات والفضائل في عباد الرحمن، يبين المولى تعالى ما أعد لهم من الجزاء والثواب العظيم: ﴿ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ ﴾. لذلك فإنَّ عباد الرحمن بامتلاكهم هذه السجايا الرفيعة استحقوا أن يكونوا في الصف الأول من المؤمنين، وينالوا الدرجات العليا، ومنازل الجنة الرفيعة وهذا الجزاء في الحقيقة هو ثمن الصبر والاستقامة في طريق الله الصعبة، فهم صبروا وتحمَّلوا الصعاب وواجهوا المشكلات الجمّة في طريق الحق، وجاهدوا أنفسهم وأعداءهم، فاستحقُّوا كلَّ هذا المقام العظيم والدرجة الرفيعة عند الله سبحانه وتعالى.


 


الآية (77)


 

يقول سبحانه وتعالى:﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77)

 

«عبأ» وأصله من العبء، أي: الثقل، كأنَّه قال: ما أرى لكم من وزن وقدر والمعنى لم أبالِ بكم [110] . يعني أنَّ الله تعالى لا يعد لكم وزناً ولا قدراً ولا يبالي بكم لولا أنَّه يدعوكم إلى الإيمان وإلى الدين ويرسل لكم الرسل وقد فعل ذلك، وقيل معناه لولا دعاؤكم إياه وعبادتكم له وإيمانكم به وتوحيدكم إياه [111] .

وبالإجمال فإنَّ كلمة «دعاؤكم» لها معنيان:

أ- إنَّ توجهكم إلى الله تعالى ودعاءكم إياه وتضرعكم هو سبب عنايته بكم والتفاته إليكم، كما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله (ص): «الدعاء مخّ العبادة، ولا يهلك مع الدعاء أحد» [112] . في المقابل فإن الله تعالى يعذب الكافرين الذين تركوا الحق وكذبوه ولم يدعوا الله تعالى، بل دعوا من دونه من الأصنام والطواغيت، فحق عليهم العذاب.

ب- دعوة الله تعالى الناس إلى الإيمان، لأنَّ سنة الله سبحانه تقتضي دعوة البشر لقبول الحق وإتمام الحجة ببعث الرسل والأنبياء، ﴿ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ ولولا ذلك لم يكن للناس وزن ولا قيمة عند المولى عزَّ وجلَّ. فالقيمة الحقيقية للبشر تقوم عند إيمانهم وقبولهم الحق، أي قبول دعوة الحق سبحانه لكنكم أيُّها الكفار لم تقبلوا دعوة الحق فلا قيمة لكم عنده سبحانه، والنتيجة أنّ لا خير فيكم ولا أمل، لذلك ستنالون العقاب بما كفرتم وبما رفضتم هذه الدعوة الالهية. يقول تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [113] .

 

1- تكذيب الدين يبعث على سقوط قيمة الإنسان: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ... فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾.

2- الدعاء وسيلة لتحصيل القيمة: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ... لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾.

3- الإنسان من غير الدعاء والهداية لا شيء: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ... لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾.

4- الدعوة إلى الحق من شؤون ربوبية الخالق: ﴿ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾.

5- إنَّ محور الوجود هي المعنويات الروحية: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ... لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾.

لأنَّ الوجود خُلق للانسان، وخلق الإنسان لقبول الحق وعبادة الرحمن تعالى.

6- الإنسان من غير هداية ولا دعاء يكون عملياً قد كذّب الأنبياء: ﴿ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾.

 

الدعاء أجمل نغمات الوجود، وأقوى تعلق وارتباط بين الخالق والمخلوق، فالدعاء مجبول في وجود الكائنات ومترافق مع أنفاسها في التسبيح والقنوت: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ [114] ، وهو الذكر الذي يعد وسيلة الاطمئنان والسكينة:
﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [115] . وهو وسيلة الحوار بين الإنسان المحتاج الغارق في النقص مع الخالق المستغني منتهى الكمال، وهو وسيلة الرشد والتكامل والتربية، والمحيي لروح المعرفة، وسبب للعشق والعبادة وإدراك الإنسان لنقصه في الأبعاد الثلاثة: العلم والقدرة والإرادة. والدعاء يجعل الإنسان خاضعاً عن علم ومعرفة أمام الذات المقدسة القادرة والحكيمة والرحيمة، ويهييء الأرضية لصعود الإنسان وترقيه ليحلق عالياً في أوج الملكوت ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [116] .

والله تعالى يحب أن يسمع صوت عبده المؤمن في الدعاء ويحب أن يتكلم عبده معه فيناجيه ويتضرع إليه، يقول تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ... [117] .

لكن السؤال: ما دام الأمر كذلك، فلماذا ندعوا ولا يستجاب لنا؟

الجواب: أن للدعاء آداب وشروط، فقد سئل أمير المؤمنين علي (ع) عن ذلك فأجاب: «قلوبكم خانت بثمان خصال: أولها: أنَّكم عرفتم الله فلم تؤدوا حقه كما أوجب عليكم، فما أغنت عنكم معرفتكم شيئاً، والثانية: أنَّكم آمنتم برسوله ثمَّ خالفتم سنته وأمتم شريعته، فأين ثمرة إيمانكم، والثالثة: أنَّكم قرأتم كتابه المنزل عليكم، فلم تعملوا به، وقلتم سمعنا وأطعنا، ثمَّ خالفتم، والرابعة: أنَّكم قلتم أنّكم تخافون من النار، وأنتم كلّ وقت تقدمون إليها بمعاصيكم فأين خوفكم؟ والخامسة: أنَّكم قلتم أنَّكم ترغبون في الجنة وأنتم في كلِّ وقت تفعلون ما يباعدكم منها، فأين رغبتكم فيها؟ والسادسة: أنَّكم أكلتم نعمة المولى ولم تشكروا عليها، والسابعة: أنَّ الله أمركم بعداوة الشيطان وقال ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ فعاديتموه بلا قول، وواليتموه بلا مخالفة، والثامنة: أنَّكم جعلتم عيوب الناس نصب عيونكم، وعيوبكم وراء ظهوركم، تلومون من أنتم أحق باللوم منه، فأيّ دعاء يستجاب لكم مع هذا؟ وقد سددتم أبوابه وطرقه؟ فاتقوا الله وأصلحوا أعمالكم، وأخلصوا سرائركم وأمروا بالمعروف، وأنهوا عن المنكر فيستجيب الله لكم دعاءكم [118] .

ولما سئل الامام الصادق (ع) عن سبب عدم استجابة الدعاء أجاب: «احفظ آداب الدعاء...فإن لم تأت بشرط الدعاء فلا تنتظر الإجابة...» [119] .

 

1- معرفة الله وتمجيده: ﴿ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى ﴾.

2- حسن الظن بالمولى تعالى: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ ﴾.

3- الإصرار على الدعاء: ﴿ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ﴾.

4- لقمة الحلال: ﴿ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا ﴾.

5- حضور القلب: ﴿ مُخْلِصِينَ ﴾.

6- التوسل: ﴿ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﴾.

7- الاخلاص: ﴿ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ ﴾.

8- التضرع خفية: ﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾.

9- المكان المناسب «المقدس» المساجد، تحت قبة مقام الإمام الحسين (ع). عند قبور العلماء والشهداء والمؤمنين والوالدين و..

10- الأوقات المقدسة: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا ﴾.

11- التوبة قبل الدعاء: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ ﴾.

12- الدعاء للآخرين.

13- العمل الحسن.

 

1- البسملة والحمد والثناء على الله تعالى قبل البدء بالدعاء.

2- الصلوات على محمد وآل محمد قبل البدء بالدعاء.

3- صلاة ركعتين قبل الدعاء.

4- التلفظ بلفظ الجلالة في بداية الدعاء.

5- الاقرار بالذنوب قبل الدعاء.

6- الدعاء بعد الصلاة الواجبة.

7- الجلوس والتوجه نحو القبلة ورفع اليدين نحو السماء.

8- أن لا يستصغر شيئاً من الدعاء.

9- حسن الظن باستجابة الدعاء.

10- طلب جميع حاجاتنا من الله تعالى.

11- التيقن باستجابة الدعاء.

12- الانقطاع إلى الله سبحانه عند الدعاء وقطع كل أمل من غيره.

 

1- عدم مراعاة آداب الدعاء وشروطه.

2- عدم وجود مصلحة في استجابة الدعاء.

3- قد تكون استجابة الدعاء إخلالاً في نظام الخلق.

4- لقمة الحرام.

5- إن الله يحب أن يسمع صوت عبده في الدعاء لذلك لا يستجيب له مباشرة.

6- عدم وجود النية السليمة، ويجب اصلاحها.

7- إذا كان القلب غافلا ولاهياً.

8- الذنوب تمنع الاستجابة.

9- ظلم الآخرين يمنع الاستجابة.

جاء رجل إلى الإمام أمير المؤمنين علي (ع) فقال: إنِّي دعوت الله فلم أر الاجابة، فقال: لقد وصفت الله بغير صفاته، وإنَّ للدعاء أربع خصال: إخلاص السريرة وإحضار النية، ومعرفة الوسيلة، والإنصاف في المسألة، فهل دعوت وأنت عارف بهذه الأربعة ؟ قال لا، قال: فاعرفهنَّ [120] .

إنّ الله تعالى رحمن رحيم وهو أرحم الراحمين، يحب عباده ويحب أن يسمع أصواتهم ومناجاتهم وهو قادر على كلِّ شيء، وقال ادعوني استجب لكم، لكن يجب علينا نحن العباد الخاطئين أن نزيل الموانع وندفع المعوقات من أمام استجابة الدعاء، وذلك بالمعرفة والتوكل والأمل الكبير برحمته تعالى وبحسن الظن به والتيقن أنّه مجيب قريب.

وعلى الله فليتوكل المتوكلون

والحمد لله رب العالمين


[53] التفسير الصافي: الفيض الكاشاني، ج 4، ص 16.

[54] ترجمة لبيت شعر فارسي.

[55] سورة الكهف، الآية: 28.

[56] سورة طه، الآية: 16.

[57] سورة القصص، الآية: 50.

[58] سورة ص، الآية: 26.

[59] سورة المؤمنون، الآية: 71.

[60] عن رسول الله (ص) ميزان الحكمة: ج 4، ص 3476.

[61] نفس المصدر: ج 4، ص 3476.

[62] سورة النور، الآية: 41.

[63] ترجمة لشعر فارسي.

[64] راجع تفسير مجمع البيان: ج 27، ص 270.

[65] سورة سبأ، الآية: 47.

[66] سورة الشورى، الآية: 23.

[67] سورة الفرقان، الآية: 57.

[68] سورة سبأ، الآية: 47.

[69] ترجمة أبيات شعرية للشاعر مولوي.

[70] سورة البقرة، الآية: 245.

[71] سورة هود، الآية: 119.

[72] سورة الرحمن، الآيتان: 1-2.

[73] سورة الأنعام، الآية: 12.

[74] راجع تفسير نور الثقلين: 38، ص 25.

[75] سورة نوح، الآية: 16.

[76] مفردات الراغب: ص 294.

[77] راجع تفسير الأمثل: ج 17، ص 3.

[78] سورة الحجر، الآية: 99.

[79] سورة البقرة، الآية: 74.

[80] سورة الذاريات، الآية: 56.

[81] سورة البقرة، الآية: 138.

[82] سورة النحل، الآية: 36.

[83] بحار الأنوار: ج67، ص 253.

[84] سورة الرعد، الآية: 28.

[85] سورة البقرة، الآية: 21.

[86] سورة العنكبوت، الآية: 45.

[87] بحار الأنوار: ج 77، ص 402.

[88] سورة الأنفال، الآية: 29.

[89] سورة الحديد، الآية: 28.

[90] سورة البقرة، الآية: 45.

[91] سورة النور، الآية: 56.

[92] مجمع البيان: ج 78، ص 279.

[93] مجمع البيان: ج78، ص 279.

[94] سورة مريم، الآيتان: 4647.

[95] تفسير الأمثل: ج11، ص 307.

[96] راجع: تفسير مجمع البيان، ج 7-8ص 280.

[97] سورة البقرة، الآية: 236.

[98] سورة الإسراء، الآية: 29.

[99] تفسير الأمثل: ج11، ص 309.

[100] تفسير الأمثل: ج 11ص 313.

[101] راجع سيماى عباد الرحمن در قرآن، كريمى جهرمى.

[102] بحار الأنوار: ج5، ص 155156.

[103] سورة الأحزاب، الآية: 30.

[104] سورة الأحزاب، الآية: 32.

[105] سورة هود، الآيتان: 19 20.

[106] مجمع البيان: ج 7-8، ص 283.

[107] تفسير نور الثقلين: ج 4، ص 42.

[108] سورة آل عمران، الآية: 191.

[109] سورة الإسراء، الآية: 37.

[110] راجع مفردات الراغب: ص 544.

[111] مجمع البيان: ج 7 – 8، ص 284.

[112] ميزان الحكمة: ج3، ص 1158، ح 5519.

[113] سورة الذاريات، الآية: 56.

[114] سورة البقرة، الآية: 116.

[115] سورة الرعد، الآية: 28.

[116] سورة البقرة، الآية: 186.

[117] سورة غافر، الآية: 60.

[118] راجع البحار: ج 90، ص 376377.

[119] ميزان الحكمة: ج3، ص 1166ح 5587.

[120] ميزان الحكمة: ج 3، ص 1185، ح 5717.